مقدمـة

الناس في علاقاتهم لوجود التعاون والإحسان كثيرا ما يشكر بعضهم بعضا، وذلك بتعبيرات كلامية مختلفة، وفي علاقتهم بالله بالرغم من كثرة نعمه عليهم وإحسانه إليهم قليلا ما يشكرونه، وإن شكروه فلا يتعدى شكرهم الألسنة. قد يكون هذا مبلغ علمهم بحقيقة الشكر، لكن المتمعن في آيات القرآن، والمتتبع لسيرة النبي العدنان عليه من الله أزكى الصلاة والسلام سيجد أن هذا النوع من الشكر باللسان هو أدنى أنواعه. بينما أعلى أنواعه هو ما أعطى لنا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم النموذج للاقتداء.

فعن سيدتنا عائشة رضي الله عنها قالت: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى قام حتى تفطر رجلاه .. قالت عائشة: يا رسول الله أتصنع هذا وقد غُفِرَ لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فقال صلى الله عليه وسلم: “يا عائشة أفلا أكون عبدا شكورا”” 1.

وقال الله تعالى في حق سيدنا نوح عليه السلام يمتدحه: ذرية من حملنا مع نوح، إنه كان عبدا شكورا 2.

فالنموذج النبوي في بيان حقيقة الشكر جدير بنا أن نأخذه مأخذ الجد، خاصة ونعم الله علينا تترى، منها المادية ومنها المعنوية. فالحمد لله على فضله وكرمه، ونعوذ بالله من السلب بعد العطاء.

وحتى نكون على علم بحقيقة الشكر أكثر تفصيلا، لنرى كيف تحدث الإمام المرشد عبد السلام ياسين عنها في كتاب الإحسان.

حقيقة الشكر

في كتاب الإحسان وتحت عنوان: “الشكر والبذل”، كتب الإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله وهو يتحدث عن الشكر فقال: “أي كرم أجلّ من كرمه تبارك اسمه، النعم منه إليك، خلقك وأعطاك ورزقك ثم استقرضك واشترى منك، ماذا عندك من كفاء لفضله إلا أن تصرف العمر شكرا، ومتى تقضي شكر نعمة الخلق ونعمة الهداية، ونعمة الإسلام، ونعمة الإيمان، ونعمة الإحسان، وسائر النعم التفصيلية. المؤمنون المحسنون الشاكرون قليل من العباد. والعاملون الباذلون شكرا قليل. قال الله تعالى: اعملوا آل داوود شكرا، وقليل من عبادي الشكور 34.

في هذه العبارات للإمام رحمه الله نقف عند بعض المعاني حول الشكر، منها:

– أن الشكر خصلة من خصال الإحسان، ويكون بشكر المنعم سبحانه على نعمه والفرح بها أنها من عنده، واستعمالها في طاعته. يقول الله تعالى: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، إن الإنسان لظلوم كفار 5، فجعل الله نقيض الشكر هو الكفر، وقال أيضا سبحانه: وما بكم من نعمة فمن الله، ثم إذا مسّكم الضرّ فإليه تجأرون 6. قال الشبلي رحمه الله: “الشكر رؤية المنعم لا رؤية النعمة”. وقال أحد العارفين: “شكر العامة على المطعم والملبس، وشكر الخواص على ما يرد على قلوبهم من المعاني”.

– أن الشكر كما يكون في الرخاء يكون في الشدة، فأهل البصيرة كما يشكرون الله في الرخاء يشكرونه في البلاء لعلمهم أن الكل من عند الله.

– أن الشكر نوعان: الأول شكر اللسان بأن تقول -حين يسألك أحد كيف حالك؟-: أحمد الله وأشكره، وحين تصبح وتمسي: أحمدك يا رب وأشكرك، وحين تمرض وتشفى: أحمدك يا رب وأشكرك، وحين تُصاب وتعفى: أحمدك يا رب وأشكرك، فتواظب على ما جاء في الأحاديث من صيغ الشكر صباحا ومساء حتى تعيش الشكر والامتنان لله على نعمه على كل حال، منها: “اللهم ما أصبح بنا من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر على ذلك”. ما أصبح بنا من نعمة، التنفس نعمة، وكل الأعضاء التي تعمل بداخلنا نعمة، والدم الذي يجري في عروقنا من دون توقف نعمة، والعقل الذي نفكر ونميز به نعمة، والقلب الذي يخفق بقوة خفية دون توقف نعمة، واليدان واللسان والعينان كلها نعم، ناهيك عن نعم أخرى أمامنا ومن حولنا. الهواء والماء، الأرض والسماء، الشمس والقمر والنجوم، النور والظلام، الليل والنهار، الجبال والسهول والبحار والأنهار والأشجار، كلها نعم. وفي الأخير وقليل من عبادي الشكور 7.

دخل ابن السماك على الخليفة، ورأى بيده كوز ماء يشربه، فقال له الخليفة: عظني. فقال له ابن السماك: لو لم تعط هذه الشربة إلا ببذل جميع أموالك، إلا بقيت عطشان فهل كنت تعطيه؟ قال: نعم. فقال: لو لم تعط إلا بملكك كله، فهل كنت تترك ملكك؟ قال: نعم. قال: فلا تفرح بملك لا يساوي شربة ماء.

والنوع الثاني يعتبر أعلى درجات الشكر، وهو شكر العمل والبذل، فالعامة قد تنطق ألسنتهم بكلمات الشكر لله على ما يغدق عليهم من النعم، لكن الخاصة وهم المحسنون يترجمون شكرهم لله إلى أعمال إيمانية وأخرى جهادية. عنوان شكرهم البذل بكل أنواعه، فهم ينفقون ليُنفق عليهم، ويعطون ليُجزل لهم العطاء في الدنيا خلافة وفي الآخرة الحسنى وزيادة.

طريقة الشكر

في الجزء الثاني من كتاب الإحسان نجد حديثا آخر عن الشكر، وهذه المرة باعتباره أحد طرق السلوك الصوفي التي تلت طريقة المجاهدة. يقول رحمه الله: “في طريق المجاهدة (…) كان الشرط الراجح في السلوك هو عمل المريد وأوراده وتطريقه نفسه العصيّة يضربها بصمصامة التوحيد ويقاتلها برماح مخالفتها. ويأتي شرط الصحبة كاللاحق المكمل. في طريقة الشكر (…) يترجح شرط الصحبة، وتحمل همّة الشيخ وإشعاعه الروحي تلامذته حملا من مواطن الخطر وكأنه سفينة نوح عليه السلام” 8.

من هذه العبارات أيضا نكتشف معان أخرى حول الشكر، منها:

– أن الشكر يمثل طريقة في السلوك إلى الله جاءت بعد طريق المجاهدة ومرحلة متقدمة عنها.

– أن طريقة المجاهدة من خصائصها الصبر والمصابرة، وتحدوها الاستقامة، بينما طريقة الشكر من خصائصها توفيق الله وعطاؤه سبحانه، وتحدوها الهداية. الأولى سيرها بالجوارح والأشباح، والثانية سيرها بالقلوب والأرواح.

– أن طريقة الشكر يكون فيها شرط الصحبة هو الفاعل، أما طريقة المجاهدة فيكون فيها عمل المريد هو الواصل. الأول يعتمد على الله شاكرا للعطايا، والثاني يعتمد على عمله صابرا محتسبا.

هذا فيما يخص الشكر في السلوك الصوفي فما بال أصحاب السلوك الإحساني والجهادي؟

إن من يعمل من أجل إعادة بناء الأمة وتوحيدها وتشييد صرح الخلافة، وحمل رسالة الإسلام للعالمين هو أبلغ تعبير عن الشكر، شكر العاملين الذي امتدح الله به آل داود عليه السلام. فإن كان أهل المجاهدة بالمجاهدة أصلحوا نفوسهم فإن للجهاد في ساحة المقارعة مع الباطل الوقع الأكثر في إصلاح النفوس، وإن كان أهل الشكر بالشكر على العطايا الإلهية فازوا بالهداية، فإن لشكر العاملين بأعمالهم وأورادهم الجهادية السبق في الفوز بالله ورضاه 9. يقول الله تعالى: الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله، وأولئك هم الفائزون 10.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “قالوا: يا رسول الله، أخبرنا بعمل يعدل الجهاد في سبيل الله. قال: “لا تطيقونه”، مرتين أو ثلاثا. قالوا: أخبرنا فلعلنا نطيقه، قال: “مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد إلى أهله”” 11.

خاتمة

قد نسمع توجيهات وخطبا تحث على شكر الله على نعمه فنمتثل لها بحضور القلب أو بدونه، بوعي مما ننطق به أو بدون وعي، لكن شكر العمل والبذل كما كان سيدنا داود الشاكر بالعمل لا تنفع فيه التوجيهات ولا الكتب والخطب، إنما تنفع فيه التربية الإحسانية التي تجعل العبد يقابل العطاء الإلهي بالعطاء والبذل في ميادين الدعوة والجهاد.

وفي نفس السياق نجد من شكر الله أيضا شكر الناس، فقد “أمر رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم أن نشكر من أحسن إلينا من الناس أدبا وتأليفا للقلوب وتشجيعا لمن يحب المحمدة أن يسمعها، وعبادة وتذكيرا بالمنعم الحقيقي سبحانه. قال صلى الله عليه وسلم: “لا يشكر الله من لا يشكر الناس” 12 13.

فاللهم اشغل قلوبنا بذكرك عن كل ذكر، وألستنا بشكرك عن كل شكر، وجوارحنا بطاعتك عن كل طاعة.


[1] رواه الإمام مسلم رحمه الله.
[2] الإسراء: 3.
[3] سبأ: 13.
[4] عبد السلام ياسين، الإحسان ج 1، ص: 458.
[5] إبراهيم: 34.
[6] النحل: 53.
[7] سبأ: 13.
[8] الإحسان ج 2، ص: 461.
[9] نفس المرجع، ص: 462.
[10] التوبة: 20.
[11] رواه الإمام أحمد وابن ماجة رحمهما الله.
[12] رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح.
[13] الإحسان، ج 1، ص: 459.