يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله:
يجب أن نُزيل وهما يتمثل في اعتقاد أن القرآن مجرد مجموعة نصوص، وأنه متى جعلنا هذه النصوص دستورا فقد حكمنا بما أنزل الله، وخرجنا من دوائر الكفر والظلم والفسق. نعم في القرآن أحكام مضبوطة وأصول للاجتهاد وشريعة تتناول بالتفصيل أو بالإجمال كل نشاطات الإنسان وكل علاقات المجتمع. لكن الوهم الخطير هو أن نتصور الحكم بما أنزل الله عملية قانونية فقهية، بالمعنى الدارج للفقه لا بالمعنى القرآني. من الوهم أن نتصور أن دولة القرآن تقوم بمجرد رفع النصوص شعارا. والإلزام بها، والناس كالناس، والقلوب جافة من معاني الإيمان والرحمة، ناشفة منها.
كلا حتى تسمع القلوب وتستجيب لله وتقيم الصلاة الإقامة القلبية الخاشعة ليصح أن يكون أمرهم شورى بينهم، ويكون للشورى مدلول غير مدلول الاصطلاح على مسطرة ديمقراطية لتصريف شؤون الناس!
عند الناس هذا دين وهذه دنيا. لا دخل للدين في الدولة ولا تنفي الدولة حُرية الأديان ما دام في حَظيرته التي سيَّجَتْها له الدولة وحصرته فيها. وانفصام الدين والدولة حدث في تاريخ أوربا، فلما غزانا الفكر الأوربي أعدانا بالفهم الازدواجي العدائي بين الدعوة والدولة. أما في تاريخ الإسلام فلم يَجْرُأْ أحد قبل أتاتورك على فصل الدولة عن الدعوة، أي فصل معاني القلب عن مجال الحياة الاجتماعية والسياسية، فإقامة دولة القرآن على المنهاج النبوي تبغي تركيبا اجتماعيا روحه الرحمة الجامعة بين المومنين، محبة وتَوادُداً عضويا يصل العباد بربهم، ويرشحهم ليحبهم الله بمحبتهم لله ولمن يحبهم الله.
القرآن والنبوة/ ص: 34-35.