تقديم:

“فتح باب البيت، وما إن مشى خطوات، حتى تعثر بلعبة طفلته مريم.. فاتجه نحو المطبخ حيث زوجته، وهو متضايق مما حصل: يا الله كم من مرة قلت لك: اعتني بترتيب البيت. قابلته أم مريم بالصراخ الشديد: كنت مشغولة بإعداد الطعام… أنت لا تقدر ظروفي… أنت دائما تصرخ.

 بعدها  دخل أب مريم كهفه، ونزلت أم مريم إلى بئرها وانقطع خيط من خيوط التواصل”.

خلق التغافل في القرآن الكريم والسنة النبوية

في حقيقة الأمر إن العلاقة المثلى بين الزوجين لا تبنى على الصراخ والصراخ المضاد، وإنما على مكارم الأخلاق.

قال الحق سبحانه وتعالى في سورة النساء: وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا . قال ابن العربي: (هو أمر للأزواج بعشرة نسائهم بالمعروف على التمام والكمال، فإنه أهدأ للنفس، وأقر للعين وأهنأ للعيش) 1.

قال الحق سبحانه وتعالى في سورة التحريم عن نبيه صلى الله عليه وسلم لما أخطأت بعض أزواجه عرف بعضه وأعرض عن بعض . الآية فيها توجيه رباني عظيم يؤسس لمنهج التغافل في حياتنا اليومية بشكل عام وفي بيوتنا بشكل خاص.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر) 2. هنا إرشاد وتوجيه نبوي للتحلي بأدب  التغافل  في الحياة الزوجية، لأنه من  الأخلاق الرفيعة، والقيم النبيلة التي تحمل معاني الصدق والإخلاص، في بذل المشاعر تجاه الطرف الآخر.

فالزوج إذا أحب زوجته نظر إليها بعين الرضا، فلا تكاد عيناه ترى إلا الحسن والأفعال الفاضلة، والزوج إذا أبغض زوجته نظر إليها بعين السخط فلا يرى إلا عيبا. وينطبق نفس الأمر على الزوجة.

فضيلة التغافل في أقوال الصالحين

قال الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه (تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل)، وقال ابن المبارك (المؤمن يطلب المعاذر والمنافق يطلب الزلات).

والإمام علي كرم الله وجهه أنشد أبياتا قائلا:    

أغمض عيني في أمور كثيرة… واني على ترك الغموض قدير

وأسكت عن أشياء لو شئت قلتها… وليس علينا في المقام أميـــــــر 

فالقيمة الحقيقية لهذه الأقوال، هي حينما ترجمها السلف الصالح إلى أفعال وأخلاق، زينت سلوكهم، وارتقت بهم إلى مدارج الإحسان، وذلك بغض الطرف عن المساوئ بالكلية والنظر الى الفضائل.

لأن (الأصل هو حفظ كرامة البيت وصون المرأة والتلطف بها والتماس أسباب رضاها لا التجسس عليها واحصاء أخطائها ) 3.

فالتدقيق في تفاصل الحياة اليومية، والنظر اليها بالعين المجهرية، ينغص الحياة بين الطرفين، ويجعلها صعبة للغاية، فتصبح العشرة كدرة، والمجالسة مُرّة، فلا بأس من الإعراض عن الأمور البسيطة والتغافل عن السلوكيات الهينة، كي نزرع في بيوتنا فسحة من السعادة والاستمرارية لتستقيم الحياة. (وما في الرجل من خلق حسن إن هو قابل بين المحاسن والأخطاء ووازن) 4.

ولا تنسوا الفضل بينكم

حينما نسقط في مستنقع طغيان التنافر ولحظات الطيش، التي يأسر فيها الشيطان عقولنا، على المؤمن والمؤمنة أن يتذكرا قوله تعالى ولا تنسوا الفضل بينكم . فالآية، وإن جاءت في سياق الطلاق، فهي في نفس الوقت تعطي إشارات للزوجين ليتخذها شعارا، يسترجعا من خلاله الأيام الحلوة التي قضياها -وهي كثيرة لا تعد ولا تحصى- والأوقات الحميمية التي جمعتهما، لأن الفضل، أعلى درجات المعاملة، ألا نجعل من ساعة الخصومة تهدم سنوات المودة.

فهذا الخلق الرفيع يمنحنا فرصة ووقتا للتفكير في المشكلة من جميع جوانبها، بدل التسرع في التنقيب عن الزلات والهفوات، ويؤسس لنا بيوتا مطمئنة تنتقل بنا من دائرة الاستهلاك اليومي الى دائرة الا نتاج والعطاء.


[1] أحكام القرآن ابن العربي
[2] رواه الإمام مسلم
[3] تنوير المومنات ج 2.
[4] تنوير المومنات 2.