في هذا المجلس التاسع والعشرين من مجالس الإحسان يتناول الأستاذ عبد الكريم العلمي مبحثا جديدا من مباحث كتاب “الإحسان”، للأستاذ المرشد والإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، تحت عنوان: “المحبة والأدب عماد الطريق وسمة الطائفة”. يقول الأستاذ العلمي:

نحمد الله تعالى ونشكره أن جمعنا في هذا المجلس من مجالس قراءة كتاب الإحسان للإمام المجدد رحمه الله أستاذنا عبد السلام ياسين.

وصلنا إلى المجلس التاسع والعشرين الموافق للمبحث التاسع من مباحث فصل الصحبة والجماعة، ولا بأس من التذكير بأن هم الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله رحمة واسعة دائمة هو أن تتمثل هذه المعاني معاني كتاب الإحسان في سلوك المحسنين والمحسنات، أن ينزلوا هذه المعاني في قلوبهم وينزلوا بها إلى أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم مداواة وتمريضا وإحياء لها في حركة واحدة لا ينفصل فيها همّ هؤلاء المحسنين والمحسنات عن هم أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الإنسانية وعن الخلق أجمعين هداية وتوجيها إلى باب الله عز وجل. فلا ننتظر أن يقيم أمرَ الله تعالى بالعدل في الأرض من لم يقم أمر الله بالإحسان في قلبه. يصعب جدا أن نتصور قائمين بالقسط لم يقوموا لله تعالى بالإحسان. نسأله سبحانه أن يجعلنا أجمعين منهم.

وهذا الكتاب كما قال عنه أحد العلماء الشاميين ممن لهم صحبة صالحة: إن الله تعالى سيحدث بهذا الكتاب في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر مما أحدثه كتاب الإمام الغزالي رحمه الله. نسأل الله تعالى أن يستخدمنا في هذا الأمر ويجعلنا من الدالين على الإحسان وباب الإحسان ورجال الإحسان.

في هذا المبحث الذي عنوانه “المحبة والأدب عماد الطريق وسمة الطائفة” يمكن أن نقسمه إلى ثلاثة محاور؛ فيبدأ الأستاذ المرشد رحمه الله ربطا لهذه الفقرة بالفقرة السابقة يبدأ بذكر الميلاد القلبي الحقيقي وأنواع ودرجات السالكين وأنواع السلوك. ثم المحور الثاني: شروط الشيخ الذي تتعين حرمته وما ينبغي وما يجب في حقه من أدب ومن تخليص المحبة. ثم في المحور الثالث تبيان لمزالق ينبغي التنبه إليها. ويقتصر الأستاذ المرشد رحمه الله في هذه القرة على أئمة هذا الفن وجهابذته ورجاله أمقال القشيري والغزالي والسهروردي والجيلاني والرفاعي رحم الله الجميع.

نبدأ بالدعاء الذي يفتتح به الإمام المرشد هذه الفقرات:

“بسم الله الرحمن الرحيم. «رب انصرني بما كذبون». اللهم إني أسألك غناي وغنى مولاي”.

أول ما يبدأ به الأستاذ المرشد هو التذكير بما سبق ولعلنا وقفنا مما وقفنا عليه في الفقرة السابقة كلمة لابن تيمية حين اعتبر أن المعلم والمؤدب والشيخ آباء لروحك وعلق الأستاذ المرشد بلطف أن هذا توسيع وتعويم للمعنى الدقيق الرقيق الذي اصطلح عليه المشايخ بكلمة “الشيخ” المربي الدال على الله تعالى. فيقول في بداية هذا المبحث أنه “كثيرا ما تسمع مسلما جديدا أتى إلى الإسلام من الكفر أو الإلحاد يقول: هذا ميلاد جديد لي! ويقول التائب من الذنب: هذا ميلادي، ويقول الداخل مع المومنين في جماعة: هذا ميلادي. وما منهم إلا صادق يعبِّر عن فرحه وتحوله الحقيقيين. وبهذا الاعتبار فالمربي والمعلم والمؤدب والواعظ والداعية المرشد آباء بمعنى ما. لكن الميلاد القلبي الروحي حقيقة أخرى لا مقارنة بينها وبين غيرها. من السالكين من يخبره الشيخ، إن رأى في ذلك حكمة، بهذه الأمور، أو يبشره بميلاده وخطواته نحو الرجولة. ومنهم من يمثّل الله تعالى له ذلك في رؤيا المنام أو اليقظة. ومنهم من لم يقرأ ولم يسمع عن شيء من ذلك حتى فاجأه الفتح وجاءه النصر، وارتفعت على رأسه أعلام الولاية وهو يرى نفسه أحقر من أن يتطلع لأفق أعلى من مغفرة ذنبه”.

فإذن أمر الله تعالى في هؤلاء مختلف.

ويضيف الأستاذ المرشد بأن “من السالكين من تُطَوِّرُه العناية الإلهية في أطوار السلوك إلى الوجود الثاني والنشأة الآخرة وهو فاتح عينيْه على المشاهد والمقامات والأحوال، مشغول بالفرجة على تلك المغاني السَّنيَّة. وأعلى السلوك وأكملُه وأقربُه وأحبّهُ وأطيبه سلوك كبار الصحابة رضي الله عنهم الذين نشأوا ورشدوا في حجر خير البرية صلى الله عليه وسلم، إمام الأنبياء، وأبي الأولياء. كبار الصحابة هم سادة الأولياء وأئمتهم. فضلوا الكل بالصحبة المباشرة لأكرم مخلوق على الله. وفضلوهم بالجهاد، شغلتهم نُصرة الله ورسوله عن تَملِّي بَهاء الأنوار الكونية، وعن تذوق التجليات الربانية. شغلتهم الاستماتة في سبيل الله في ميادين الجلاد عن ما يحدثه الله عز وجل في قلوبهم وأسرارهم من إنشاء معنوي روحي. شغلتهم الدعوة والهجرة والنصرة وتدبير أمر الأمة عن الاهتمام بالتحولات الباطنية فيهم، زواها الله عنهم، ودبَّرها لهم تدبير الوكيل. كانوا لله فكان الله لهم”.

وهنا يأتي الأستاذ المرشد رحمه الله بأمر مهم جدا، قد يسمع السامع هذا الكلام ويقع له اضطراب؛ كيف يرى الأولياء والمحسنون من هذه الأمة هذه التجليات الربانية ولا يراها هؤلاء الصحابة العظام؟ يقول الإمام المرشد رحمه الله:

“ولا تظنَّنَّ أن سكوتهم عما لَهَجَ به من بعدَهم قصورٌ، بل هم في القمة، نالوا ما ناله القوم رضي الله عنهم، وزادوا، وزادوا”. زادوا الصحبة المباشرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وزادوا الأمر الأعظم: الجهاد”.

وهنا يلتفت ويحدث الإمام المجدد السالكين اليوم ويقول لهم: “العُمدة ليست في اطّلاعك على ما يفعله الله بك عز وجل، العمدة في اشتغالك بما أمرك. فمما أمرك به الجهاد”. ما يريد الله تعالى منك الأحوال والمقامات، هذا يدبره الله لك سبحانه وتعالى، ولكن المعول عليه هو ما أمرك به عز وجل.

ويستحضر القوم رضي الله عنهم الذين كانوا أحلاس بيوتهم وكانوا يجاهدون أنفسهم فقط:

“وأنت يا من تقرأ كتابي أحياك الله في أزمنةٍ أصبح فيها الجهاد لإقامة الخلافة الثانية على منهاج النبوة فرضا”.

فإذن السلوك السابق سبق أن قال عنه الأستاذ المرشد أنه لا معنى له ولا يأذن به الله خاصة ونحن نرى ما تتخبط فيه الأمة في مل المستويات، فلا معنى أن يتدثر بالنعمة وحده.. ويقول رحمه الله: “فاشتغل بالعمل الصالح، لكن لا يفتك الله، واطلب من بين المجاهدين من يحضُنك ويطيبك ويبخِّرُك، ويزجُّ بك في حضرة الأحياء بالله في نفس الوقت الذي يحرِّضُك فيه على الجهاد في سبيل الله”.

إذن الهمان يجتمعان الهم الأخروي وهم أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الإمام المرشد رحمه الله ممن قام بهذا الأمر وعلى هذا الأمر أعظم وأكمل قيام: الدلالة على الله والدلالة على الجهاد في سبيل الله تعالى نصرة لأمة رسول الله وإخراجا للإنسانية مما هي فيه.

ويأتي رحمه الله بمقارنة قد ينال الإنسان الشهادة في ساحة من ساحات الجهاد ولكن يسميها الإمام شهادة صغرى، أما الشهادة الكبرى “لا ينالها من انحصرت همته في طلب جنات النعيم ومفاكهة الحور العين. لا ينالها إلا من قتله سيف الحب لله، والحب في الله، والأدب مع الله ومع أولياء الله”.

وينتقل رحمه الله للحديث عن الأدب مع الشيوخ الكمل ويتحدث عما ينبغي أن ننتبه له من محاذر ومزالق، ويبدأ بنص للإمام القشيري رحمه الله؛ يقول فيه: “وقبول قلوب المشايخ للمريد أصدق شاهد لسعادته. ومن ردّه قلب شيخ من الشيوخ فلا محالة يرى غبَّ ذلك ولو بعد حين. ومن خُذِل بترك حرمة الشيوخ فقد أظهر رَقْم شقاوته، وذلك لا يُخطئ”.

ويقول الأستاذ المرشد:

“يؤكد القوم النصيحة باحترام المشايخ وطاعتهم. وقد يقول قائلهم: “يكون بين يديه كالميت بين يدي غاسله”.

ويعقب: “هي مقالة خطيرة، لأنّ المريد لا يستطيع تمييز الشيخ الرباني من النصّاب الكذاب، فيسقط في يد نفس طاغية تلعب به كما تلعب بصاحبها”. ويسوق كلاما للإمام الغزالي يتحدث فيه عن “شروط الشيخ الذي تتعين حُرمته، ويشير إلى المعاملة اللازمة معه إن أخطأ. فكل ابن آدم خطّاء، حتى كُمَّلُ الأولياء، حاشا المعصومين أنبياء الله”. وهو نص طويل فيه ما يقرب من ثلاثين صفة في العلم والأخلاق والأحوال و… ويتحدث أن بهذه الصفات هذا الشيخ نور من أنوار النبي صلى الله عليه وسلم يصلح الاقتداء، ويقول الغزالي بعض عرض هذه الشروط أنه “ينبغي أن يحترمه ظاهرا وباطنا”، ويفصل الغزالي رحمه الله في الظاهر والباطن. ويعلق الإمام المجدد رحمه الله على نصص الغزالي قائلا: “ظواهر العبادة والأخلاق قد يتحلى بها عابدٌ زاهد فاضل عالم ليس من “فن” السلوك في شيء فيا ربِّ من أصحب! من الدليل! ونلاحظ إلحاح الغزالي على تسلسل المتابعة. وهي نقطة أساسية، فمن لا أب له في طريق القوم لقيط دخيل، إلا أن يكون مجذوباً من أطفال الحضرة، وذاك لا يقتدى به ولا يَلِدُ ولا يربِّي. وكان الغزالي رحمه الله من أكثر الناس انقيادا للمشايخ، وبذلك فاز”.

وينقل الأستاذ المرشد عن الإمام السهروردي: “فإذا صادف (المريد) شيخا انبعث من باطن الشيخ صدقُ المحبة بتأليف القلوب وتشامِّ الأرواح وظهور سر السابقة فيهما باجتماعهما لله وفي الله وبالله”.

ويعلق الإمام المرشد فيقول:

“بأدبك مع المخلوق وشمِّك من روحه تتعلم الأدب مع الخالق سبحانه. وبصبرك في صحبته تتماثل للبروز إلى وجودك الروحي الكاملي”.

وخلافا للإمام الغزالي الذي تحدث عن ظواهر العبادة والأخلاق يتحدث الإمام الجيلاني عن دقائقها هذه الصفات؛ قال الشيخ عبد القادر قدس الله سره: “ما صفة هؤلاء الشيوخ؟ هم التاركون للدنيا والخَلْق، المودِّعون لما تحت العرش إلى الثّرى، الذين تركوا الأشياء وودَّعوها وداع من لا يعود إليها قطُّ. ودّعوا الخلق كلّهم، ونفوسهم من جملتهم، ووجدوا وجودهم مع ربهم عز وجل في جميع أحوالهم. كل من يطلب محبة الحق عز وجل مع وجود نفسه فهو في هوَس وهذيان”.

ويقول الإمام المجدد رحمه الله بعد هذا: “وجودُ النفس، هوسُ النفس، أنانيتُها، ذبحُها. اخرج من بيضة وجودك الدنِي، واجلس في “حجر اللطف”. عناية الله عز وجل وحدها وسابق علمه فيك كفيلة بذلك”.

ثم يورد الإمام قولا لسيدي عبد القادر الجيلاني: “فيا خيبة من لم يعرف الله عز وجل ولم يتعلق بأذيال رحمته! يا خيبة من لم يعاملْه، وينقطع إليه بقلبه، ويتعلق بسرِّه، ويتمسك بلطفه ومِنَنه! يا قوم! الحق عز وجل يتولى تربية قلوب الصديقين من حال صغرهم إلى كبرهم”.

ويعلق الإمام رحمه الله: “هذا حظ السابقة. وواجبك أنت في “المعاملة” و”الانقطاع” و”التعلق” و”التمسك” يبينه لك عبد القادر مضيفا: “يا غلام! كن غلام القوم وأرضاً لهم وخادما بين أيديهم. فإذا دمت على ذلك صرت سيدا. من تواضع لله عز وجل ولعباده الصالحين رفعه الله في الدنيا والآخرة. إذا احتملت القوم وخدمتهم رفعك الله إليهم وجعلك رئيسهم. فكيف إذا خدمت خواصَّه من خلقه!”. وهم الأولياء من خلقه والصديقون، نسأل الله تعالى أن يمن علينا بمحبتهم وأن يتوج حياتنا بأن نصير منهم ومعهم.

وفي كلام للإمام الرفاعي رحمة الله عليه يقول: “وقم بخدمة شيخك بالإخلاص من غير طلب ولا أرَب (من غير طلب مكافأة دنيوية)”.

ومما كان يقوله الإمام المرشد رحمة الله عليه في حياته: “أن من أعظم أنواع محبة المشايخ المحبة المحبة الذاتية، تخليص المحبة وتخليص الصحبة، لا تحبه لشيء على الإطلاق، لا لمنفعة دنيوية ولا لغيرها ولا تشوف إلى رئاسة ولا…”.

ويقول الإمام المرشد عن الإمام الرفاعي قدس الله سره: “واذهب معه بمسلك الأدب. واحفظ غيبته. وتقيَّد بخدمته. وأكثر الخدمة في منزله. وأقلل الكلام في حضرته. وانظر إليه بنظر التعظيم والوقار لا نظر التصغير والاحتقار”. فإذا كان التصغير والاحتقار منهيا بين عامة المومنين فهو هنا أكثر.

ويضيف الإمام رحمه الله محذرا من استخدام هذه المفاهيم وهذه الآداب العالية في غير محلها: “من المتصدرين للإرشاد قبل الفطام، بل بدون أن يكونوا خَطَوْا خَطْوَةً واحدة على طريق الاستقامة، من يطيب له أن يخدمه الخلق، ويتزلفوا إليه، ويكثروا الخدمة في منزله، ويضعوا أموالهم تحت قدميه. وهكذا يَهْوِي التابع والمتبوع في دركات الخزي، يستعبد “الشيخُ” الأتباعَ، وترتع نفسه المخبَّثَةُ في هواها، وتتخبَّثُ نفوسُهم، وتنشأ دويلات استغلاليَّةٌ جاهلية كانت في تاريخنا ولا تزال محطّات للتعفُّن الاجتماعي”.

ويَخْلُص فيقول:

“إن سَلَّمْتَ نفسك لنفس لاصقة بالدنيا فلا تنتظر إلا المصيرَ الرديء في الدنيا والآخرة. فيا ربّ من أصحب! وكيف أصحب! وأين أولياؤك الذين طلقوا الرئاسات لمّا هاموا في حبك وحب أحبابك!”.

ويأتي رحمه الله بكلام متداول بين الصالحين في كل زمان فيعلق عليه: “في كل عصر تسمع من الصالحين أن زمان الصلاح أدبر وولّى، ولم يبق من يصلح للصحبة. وعلى لسان المشايخ المعتَبرين تسمع أن المطلوب للصحبة نادر ندرة الكبريت الأحمر. وهو كذلك دائما وسيبقى. لكن الطالب الصادق الذي أيقظَ الله عز وجل فيه باعث الإرادة العليَّة والهمة المتقدة من حقه أن يستبشر، فإن الله جلت عظمته أكرمُ من أن يبعثه ويوقفه على الباب ثم يرده خائبا وإن “من كانت له بدايةٌ محرقة كانت له نهاية مشرقة” كما يعبر القوم رضي الله عنهم”.

وهنا نذكر بالاستخارة والتوسل والوقوف بباب الله وبالإكثار والإلحاح في الدعاء، فعندما يقف الطالب والطالبة لهذا الأمر مع الاستخارة ويطلب من يدله على الله في سياق السلوك الجهادي يسأل الله أن يوفقه لصحبة وجماعة وهي أعلى شروط السلوك الجهادي.

ونختم أحبتي الكرام بأبيات للإمام المجدد وكأنه يتحدث بلسانه في أيام الطلب عمن يدله على الله تعالى وبلسان هذا الطالب لله تعالى:

“وَفي كَبدي مِن فرط وَجديَ لوعةٌ***تَأَجَّجُ في الأحشاءِ ناراً، تَحرَّقُتَنامُ العُيون السَّالِياتُ ومُقلَتي***هَتونٌ بدمعي، إنَّ شملي مفرَّقُإليكَ إلهي الشوقُ فامنُن بِرحمةٍ***يُسدِّد خطواتي خليلٌ موفَّقُ”

نحمد الله تعالى أن دلنا على هذا الخليل الموفق ونسأله سبحانه أن يمن علينا بدوام محبته وأن نلقاه إن شاء الله في الآخرة كما لقيناه في الدنيا على أحسن وأعظم وأرضى حال آمين.