لعل سؤال العلاقة بين منظومتي “القيم والأخلاق” من جهة و”التربية والتعليم” من جهة أخرى، له أبعاد متعددة ومتداخلة. كما أن الإفصاح عن طبيعة العلاقة البنيوية والوظيفية بين هذين القطبين يضعك في إحدى خانتي الصنافة الإيديولوجية والتي تعتمد على معيارين: المعيار العام أو المعيار الخاص.

فمنظومة القيم في العالم كله مبنية على إيواليات المشروع المجتمعي الذي يعالج القضايا الكبرى للفرد والمجتمع. وعلى هذا الأساس برزت مدرستان مختلفتان تحددان العلاقة بين منظومتي “القيم والأخلاق” و”التربية والتعليم” في المجتمع:

– مدرسة القيم من منظور عالمي يرتبط بالإنسان البيولوجي، الذي تحكمه الغرائز الفطرية والرغبات والحاجات البيولوجية. هذا الإنسان لا يرتبط بمجال جغرافي محدد ولا ببيئة اجتماعية ضيقة تحكمها العادات والأعراف والديانات…

– مدرسة القيم من منظور جغرافي يرتبط بالإنسان البيئي، الذي يرتبط بطبيعة محيطه وموروثه الثقافي والديني.

من أجل ذلك، أصبح سؤال القيم، اليوم، من الأسئلة الملحة على الفكر الإنساني المعاصر، لعدة أسباب أهمّها الشعور بالحاجة إلى معالجة المشكلات الأخلاقية على مستويات المجتمع، والفرد، والدولة، والعلاقات الدولية، والأسرة، إلخ… لكن البحث الوضعي عن إجابات لهذا السؤال الملحّ ينتهي دائماً إلى أفق مسدود لأنّه لا يدمج في مقاربة شمولية لا تلغي الفطرة أو الاكتساب.

المغرب من الدول الذي تبنى منظومة القيم الكونية لإصلاح منظومة التربية والتعليم. لكن هذا الانخراط بني على قاعدة التضاد مع المقاربة الثانية.

رغم أن ديباجة تقرير المجلس الأعلى للتربية والتكوين حول “التربية على القيم بالمنظومة الوطنية للتربية والتكوين والبحث العلمي” ينص على المقاربة الشمولية والمندمجة بين القيم من منظور خاص والقيم من منظور عام، تفوح بين الفينة والأخرى رائحة سيادة المقاربة العولمية باعتبارها قيم إيجابية تؤسس لثقافة التسامح والتعايش والانفتاح، وإقصاء المقاربة الدينية باعتبارها قيما سلبية تؤسس لثقافة الكراهية والانغلاق والتطرف.

لعل هذا التصنيف الخاطئ الذي أسس على قاعدة الصراع وليس التكامل، وبنيت أركانه على قاعدة التضاد وليس التجابه، ووضع له خيار “أو” وليس “و”، استند عالميا على أحداث وهمية مع بداية الألفية الثالثة، أسست لفكرة الصراع بين عالم متحضر أخرجت مدرسته أجيال التنمية، وعالم متخلف أخرجت مدرسته أجيال الإرهاب.

حرب باردة تخوضها نخبة من أهل الفكر والسياسة مُكنت من سلطة تشريعية وتنفيذية وضعت استراتيجية محكمة طويلة المدى، رصدت لها ميزانيات ضخمة، تنفذ خطة دقيقة وتنهج سياسة تجفيف المنابع بدعوى إصلاح المناهج والبرامج التعليمية، وذلك من خلال:

–   مراجعة المقررات الدراسية خاصة مادتي التربية الإسلامية والفلسفة.

–   حذف الآيات القرآنية التي تنص على الجهاد.

–   فرنسة المواد العلمية.

–   تهميش التعليم الأصيل.

–   …

إن مركزية التعليم في الدول العربية عموما – والمغرب أحد أقطابها – التي تعرف وضعا سياسيا هشا، يثير غضب الغرب. ومن أجل الاستفادة من “منح” البنك الدولي والترقي في سلم المؤشرات العالمية وجب على الدول العربية أن تمتثل لإملاء الغرب بضرورة إعادة النظر في منظومة القيم والأخلاق في التربية والتعليم التي تفرخ الإرهاب!