قدم الأستاذ عبد الله الشيباني في حلقة جديدة من برنامج “الحياة الطيبة” الدعامة التاسعة من الدعامات العشر لبناء حياة أسرية طيبة؛ وهي دعامة الحوار والتشاور.

استهلت الحلقة الأستاذة فوزية مستور بسؤال حول الفرق بين دعامة التواصل التي تحدث عنها الأستاذ الشيباني في حلقة سابقة وبين دعامة الحوار والتشاور، وهل من الضروري وجودهما معا كدعامات، ليجيبها الخبير في قضايا الأسرة مقرا أن “الكثير من الناس يقع لديهم خلط بين دعامتي التواصل والحوار، والتواصل شيء والحوار شيء آخر”، ومنبها إلى أن “الحوار له علاقة مع التواصل كما له علاقة مع جميع الدعامات”، وموضحا “التواصل وحسن الإصغاء، الإنسان المتواصل هو الذي ينصت كثيرا وبطريقة تفهمية وتعاطفية مع الآخر، هذا هو المتواصل الحقيقي، والحوار لا يمكن أن يكون ناجحا إلا إذا كان الإنسان متواصلا وينصت لما يقوله الآخر، ولكن الحوار يقصد به متحاورين، لكل واحد منهما رأيه ونظره وكلاهما يحسن الإنصات، إذن هناك عملية تفاعل بين طرفين يحاولان الوصول إلى رأي مشترك وتفاهم”.

وزاد الشيباني شارحا: “تكون متواصلا إذا كنت تنصت كثيرا لزوجتك وأبنائك، وتكون متحاورا إذا أعطيتهم فرصة التعبير عن رأيهم وأنصتّ لهم جيدا وعبّرت عن رأيك لتصلوا جميعا في الأخير إلى اتفاق مشترك”.

وفي إطار بناء منظومته العشرية، التي تشد كل دعامة فيها الأخرى، أبرز الشيباني أن “الحوار والتشاور له علاقة بالدعامات الأخرى، خصوصا مع الثلاثي الذهبي، هذا التحاور والتشاور يقتضي وجود ثقة وحسن ظن والتماس العذر، في هذه الحالة يعطي الحوار ثمرته، إذا اختلت هذه الدعامات الثلاث وشعر الطرف الآخر بذلك فكلامي يصبح غير ذا جدوى، وبدون قيمة”.

ونبه عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان إلى أن “التحاور يتنافى مع الفهم الخاطئ للقوامة، الذي هو التسلط والتحكم، ولا يمكن أن يكون هناك تحاور وتشاور إذا كان هناك تسلط وتحكم. وقليل من الناس من يفرق بين التسلط والتحكم وتحمل المسؤولية في أخذ القرار. المسؤول على مجموعة، أو رب البيت هو القائد، وهذه هي الدرجة التي يكتسبها، ولكن هناك القائد المتحكم والآخرون منفذون، وهناك القائد الذي يشرك الآخرين في مشاريعه وفي قراراته، وفي الأخير هو من يقرر بعد التشاور والتحاور”.

وأشارت مستور، في هذه النقطة، إلى كون “الفهم الخاطئ للحوار يسبب غيابه”، ليؤكد لها الشيباني ذلك قائلا: “بالفعل، عندما تتلكم الزوجة وأنا أنصت فقط وأتركها تتكلم، أو أشاورها ولا آخذ برأيها، يعني أتصرف وكأنني أشاورها وأحاورها ولكن ليس هذا الذي يحدث حقيقة، فهذا نقص في الصدق” نافيا أن يكون هذا هو الحوار المقصود.

وعاد الداعية للتركيز على مفهوم القوامة عند الرجل وربطها بمفهوم الحافظية عند المرأة “تكلمت عن مفهوم القوامة، وهناك ذاك المفهوم التقليدي الوهابي المتخلف وهناك المفهوم النبوي الذي هو رعاية ومحبة. كذلك في شأن الحوار والتواصل يجب أن نصحح شيئا يهم المرأة وهو الحافظية؛ ومعناها أن تكون المرأة حافظة للغيب بما حفظ الله، والغيب ما غاب عن الرجل، عن نظره وعن فهمه، وهنا نذكر بأن أدوار الزوج والزوجة هي أدوار متكاملة وليست تفاضلية أو تنافسية، فهو يمتلك نظرا ذا طبيعة ذكورية، وهي تمتلك نظرا ذا طبيعة أنثوية، فهي حافظة لما غاب عن الرجل بحكم التخصص والاستعداد الذي منحها إياه الله تعالى، النفسي والعقلي”، مبرزا أن “الحافظية مؤهل عند المرأة إذا عرف الرجل كيف يتشاور مع زوجته حقيقة لا تمثيلا، وأخذ بعين الاعتبار زاوية النظر التي غابت عنه فهذا إغناء للعائلة. إذا كان الأب يتشاور ويتحاور مع أبنائه، ويأخذ رأي المجموعة، فهذا فيه إغناء للعائلة، وبه يتم الوصول لاختيار الأحسن والأنسب للكل، ويكون الكل مرتاحا، وفي نفس الوقت نقوي شخصية الأبناء؛ وأنت تشاور ابنك تعبر له أولا عن ثقتك وثانيا فإنك تبني شخصيته”.

وأفصح الشيباني أن “الأمر كله ينتج عن عقلية، إما عقلية تحكمية تسلطية فيها الأمر والتنفيذ و”أنا من يفهم والآخرون لا يفهمون”، أو عقلية إشراكية”. ليربط مشكل الفردانية هذا على مستوى الشخص بنظيره على مستوى الأمة “والأمة أصيبت بحكم الفردية التي سيرتها مدة 14 قرنا فأصبحت لا تعرف غير هذا الأسلوب، واحد يتحكم والبقية تطيع”، ليبين أن طريق التغيير يبدأ من الأنفس “أن يُنشئ أحد جو الشورى، والشورى دين، والأولى بها زوجتي وأولادي”.

ونزولا عند تأكيد محاوِرته على أن “وظيفة الحافظية لدى المرأة تدفعها للإلمام بجميع الجوانب التي يظهر لها أن الرجل قد غفل عنها، فتكون كثيرة الكلام، كثيرة الحوار”، قال الشيباني “كثرة كلام المرأة مرده إلى نقص تواصل وحسن إصغاء الرجل، لأنها تدرك أنها ترى أمورا تغيب عن الرجل فتلح على الأمور كي يستمع الرجل لها، والمفروض في التواصل أن ينصت لها فعلا ويأخذ في عين الاعتبار ما ترى ثم يبنون رأيا مشتركا، وأن يتخذ الرجل القرار فهذا لا يعني أنه استفرد باتخاذه ولكنه يصبح قرار المجموعة، وعقلين أو أكثر أفضل من واحد إن عرفنا كيف ننسجهم”.

وأورد الشيباني بعض الأمثلة من السيرة النبوية المطهرة مصرحا أنها “كانت دائما حافلة بالحوار والتشاور”؛ ومنها “مشهد المرأة التي أخذت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب معها حتى قضى أغراضها، فعّل الرسول عمليا الحوار من الوهلة الأولى”، وعلق على الحادثة بقوله “نحن ضحايا فهم لُقّناه بسبب التسلط والهيمنة وعلماء السلطان الذين ربوا فينا أفهاما مغلوطة. ينبغي أن نفهم الدين، والأهم منه التفعيل، من دون تطبيق لا غاية للفهم، ولا يعدو أن يكون ترفا فكريا ولغطا ومجرد كلام، وهذا انحراف من الانحرافات”.

وأضاف أيضا مثال “أمنا أم سلمة التي أخذ برأيها الرسول صلى الله عليه وسلم في حادثة صلح الحديبية في الحلق، فأشارت برأيها على الرسول واقتنع بصوابه فأخذ به”. بل و“حتى في حالات الصدام يبقى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم منصتا ومحاورا” يوضح الشيباني محيلا على حديث “غارت أمكم”.

واعتبر الداعية والخبير في قضايا الأسرة أن “الحوار يجب أن يكون ثقافة، أن نتربى عليه في كل الأمور اليومية، قضية التحاور والتشاور لا نفهمها حق الإدراك لأننا بعيدون عنها في ثقافتنا المخزنية التسلطية، ويلزم بعض الوقت كي نستوعبها وتستقر في أفهامنا”. لافتا إلى أن “هذه الركيزة تحقق لنا الأهداف التربوية وأهداف العلاقة الزوجية، حيث يلزم بناء علاقة زوجية متينة قوية وأيضا علاقة قوية مع الأبناء يظهر أثرها التربوي على شخصيتهم، وركيزة التحاور والتشاور من شأنها أن تبني تلك العلاقة”.