مقدمة

يحلو للبعض أن يشبهوا الإمام المرشد عليه رحمة الله ورضوانه بزعيم الهند غاندي في سماحته وسلميته، كما أن عددا من المنصفين يعترفون بأن المغرب مدين بكثير من استقراره لهذا الرجل وما أثله من فكر سمح، وربى عليه أصحابه من رفق ولين ورحمة بالخلْق. ويظهر أثر هذه الرحمة جليا، سواء في مكتوبات الرجل التي تفيض محبة وحلما وحنوا، أو في أخلاقه ولين معشره، ومواقفه في الظروف العصيبة، ومواقف الجماعة التي رباها على الرفق وأبعدها عن العنف وتوابعه. فما السر في الرحمة المتدفقة من هذا الرجل فيما يكتبه ويقوله ويعمل به؟ سنتحدث بداية عن الرحمة في مكتوبات الرجل، ثم عن تجلياتها في سيرته وسيرة جماعته.

الرحمة أمر إلهي وهدي نبوي

لقد وضع الرجل رحمه الله رحمة واسعة نفسه مكان التلمذة بين يدي رسول من الله يتلو صحفا مطهرة 1، وأكد في الكثير من مكتوباته أنه يأخذ مباشرة من معين الكتاب والسنة. وإن المتتلمذ بحق للمعينين العظيمين لا بد يتصف بصفة الرحمة التي هي من صفات الله تعالى، ومن صفات صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم. قال عز من قائل يخاطب نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين 2، فقد حصر ربنا سبحانه الحكمة في بعثة نبيه الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم في الرحمة للعالمين، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمة مهداة، بل كانت الرحمة سببا أصيلا في بعثته، والرحمة تلخص كل مقاصد البعثة الأخرى، فالهداية إلى طريق الخير، والدلالة على الله، والحكم بما أنزل الله وغيرها من مقاصد البعثة كلها رحمة بالخلق، ولذلك قال عليه السلام: “إنما بعثت رحمة مهداة” 3، وقال عليه السلام أيضا: “يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا” 4، كما دعا إلى الرفق بالخلق، وجسدت سيرته معاني الرحمة والرفق في أبهى حللها، قال صلى الله عليه وسلم: “ما كانَ الرفقُ في شيءٍ إلا زانَهُ، و لا نزعَ منْ شيءٍ إلا شانَهُ” 5. وقد قال الإمام رحمه الله نابذا للعنف ومتحدثا عن الرحمة بعد أن ذكر الحديث: “فنحن ننشد الزين ولا نريد الشين لنا ولا لأمتنا” 6 فالرحمة زين والعنف شين.

ولقد عقد الإمام ابن قيم الجوزية في كتابه روضة المحبين ونزهة المشتاقين فصلا “في أن العالم العلوي والسفلي إنما وجد بالمحبة ولأجلها وأن حركات الأفلاك والشمس والقمر والنجوم وحركات الملائكة والحيوانات وحركة كل متحرك إنما وجدت بسبب الحب” 7، وهل الحب إلا رحمة؟ من هنا نفهم أن الرحمة التي نجدها مبثوثة في مكتوبات الإمام ياسين رحمه الله مصدرها الاقتداء برسول الله الرحيم الرؤوف بالخلق. ولذلك فالحري بأي حركة فكرية تغييرية عاملة لأجل الإسلام أن تتمثل هذه الرحمة النبوية في أدبياتها، وفي عملها لبناء عزة الإسلام، وإلا كانت نقمة على الناس، وابتعدت عن هدي الرحمة النبوي، وكان ما تهدمه أكثر مما تبنيه.

(…)

تتمة المقال على موقع ياسين نت.


[1] نظرات في الفقه والتاريخ، ص47.
[2] سورة الأنبياء 107.
[3] الهيثمي في مجمع الزوائد من حديث أبي هريرة 8/260.
[4] البخاري من حديث أنس بن مالك رقم 69.
[5] السيوطي في الجامع الصغير من حديث أنس وعائشة، رقم 7964.
[6] برنامج نقطة ساخنة الذي تبثه قناة الجزيرة القطرية.
[7] روضة المحبين ونزهة المشتاقين، لابن قيم الجوزية، المكتبة العصرية، بيروت ص 42.