إذا تأملنا الدعوة الإسلامية في بدايتها بمكة المكرمة وحتى أن صارت في النهاية بالمدينة المنورة دولة ومجتمعا قائما بنفسه، نجد أن معظم الذين شاركوا في البناء من الشباب وفيهم الأطفال أيضا. إذ كانت أعمارهم تتراوح بين عشر سنين التي كانت من عُمُر سيدنا علي رضي الله عنه وثلاثين سنة التي كانت من عُمُر سيدنا بلال بن رباح وسيدنا عمار بن ياسر رضي الله عنهما. وعندما نقول الشباب فإننا نعني بذلك وجود الشابات أيضا، كسيدتنا فاطمة بنت الخطاب التي كانت عُمرها عشرين سنة، وسيدتنا أسماء بنت عميس التي كانت عُمرها ستة وعشرين سنة رضي الله عنهما. هؤلاء الشباب والشابات على أكتافهم جميعا قامت الدعوة وانتصرت وانتشرت وتوسّعت وأصبح لها كيان منظم، له وزنه في الواقع يُحسب له ألف حساب.

هذه المشاركة التي نتحدث عنها للشباب والشابات في بناء المجتمع والدولة، ليست وليدة العهد النبوي فقط وإنما لها جذور في التاريخ حتى عند الأمم السابقة. وهذا ما يشهد به القرآن الكريم في عدة آيات منها:

قوله تعالى عن سيدنا يحيى عليه السلام: يا يحيى خذ الكتاب بقوة، وآتيناه الحكم صبيا 1

وقوله سبحانه عن سيدنا موسى عليه السلام: ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما 2

وقوله عز وجلّ عن سيدنا يوسف عليه السلام: ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما 3

وقوله سبحانه وتعالى عن سيدتنا مريم عليها السلام: فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا 4

قيل أشدّه: كمال قوته وعقله ومنتهى شبابه. وقيل أيضا أشدّه: إدراكه وبلوغه.

فدائما الحركات التغييرية تراهن على الجيل الثاني والثالث في إحداث التغيير. وكذلك راهن النبي صلى الله عليه وسلم في بداية دعوته وهو يشقّ طريقها على من يزال في أصلاب الأمهات. فعن عروة بن الزبير، أن عائشة رضي الله عنها حدثته أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟ قال:” لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضتُ نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلاَل، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت – وأنا مهموم – على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقَرْنِ الثعالب – وهو المسمى بقرن المنازل – فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. فناداني ملك الجبال، فسلم علىّ ثم قال: يا محمد، ذلك فما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين – أي لفعلت، والأخشبان: هما جبلا مكة: أبو قُبَيْس والذي يقابله، وهو قُعَيْقِعَان – قال النبي صلى الله عليه وسلم: “بل أرجو أن يخرج الله عز وجل من أصلابهم من يعبد الله عز وجل وحده لا يشرك به شيئا” 5

وقد عبّر القرآن الكريم عن هذه الأجيال من الشباب بالذرية. فقال سبحانه وتعالى في حقّ من آمن مع سيدنا موسى عليه السلام: فما آمن لموسى إلا ذريةٌ من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم يونس:83. والذرية كما جاء في تفسير ابن كثير هم الشباب. وفي معاجم اللغة العربية: الذُّرية: نسل الإنسان وولده وأبناءه.

ونظرا لما كان يمثله الشباب بشكل عام من قوة الإرادة في التغيير والبناء ومواجهة مظاهر الفساد والاستبداد عبر التاريخ، فإن المستبدون والمفسدون (فرعون نموذجا) ما فتئوا يحرصون كل الحرص على قتل الأطفال قبل أن يصلوا مرحلة الشباب. يقول الله تعالى: إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، إنه كان من المفسدين 6. وقوله سبحانه: يقتلون أبناءكم 7

وإذا تأملنا واقعنا المعاصر اليوم ماذا نجد؟

نجد أن معظم من وُجهت لهم التهم وتعاملوا معهم بالاعتقال والتصفية والاضطهاد والقمع والقتل هم الشباب. هذا العامل البشري المهم في معادلة التنمية، والذي كان من الممكن أن يكون عماد التغيير وروحه ووقوده نحو مجتمع متقدم وغد أفضل، أصبح هو المستهدف الأول والأخير من مخططات الفساد والإفساد، وذلك بالتدجين والترويض، وبالإغراء والإغواء، وبالتجهيل والتفقير، وبالتهجير والتغريب. فلا عجب اليوم إذاً أن نرى شبابا تائها حيران يختار بعضه الغربة والمنفى والبعض الآخر يقف عكس مطالب التغيير وضدّ من يقاوم الفساد والاستبداد.

ولهذا فإن المجتمع الذي هو في حاجة حقّا إلى التغيير والتحرير والبناء اليوم وغدا، لا بد له أن يعطي للشباب حقّه في التربية وفي التعليم وفي الشغل وفي الحرية والكرامة. لأن حركة الأجسام وحركة الأفكار وحركة العواطف لدى الشباب إذا كانت في تناسق وانسجام هو من يجعل منه العامل الإيجابي والفاعل النشيط في المجتمع. أما العمل على حصار الشباب ومنعه من الحركة مع عدم تهيئ له المجالات التي يمكن أن يصرف فيها أنشطته الحركية الحرة، يحوله ذلك الحصار والمنع إلى عامل هدم وعنف وخراب. تروي لنا كتب السير أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعرض كلّ عامٍ الشبابَ ومن دونهم من الأطفال ليُعدّهم بَدنيا بما يتناسب مع نموهم العاطفي والفكري. ويفتح لهم المجال للمشاركة في مؤسسات الدولة والدفاع عن حمى الدين والوطن.

فهذا زيد بن ثابت رضي الله عنه يأتي به قومه إلى النبي صلى الله عليه وسلم مفاخرين بما حصّل صاحبهم، يحدثنا عن ذلك فيقول: ذهب بي قومي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله هذا غلام من بني النجار معه مما أنزل الله عليك بضع عشرة سورة. فأعجب ذلك النبي صلى الله عليه و سلم وقال: “يا زيد تعلّم لي كتاب يهود فإني والله ما آمن يهود على كتابي”. قال زيد: فتعلمت كتابهم، ما مرت بي خمس عشرة ليلة حتى حذقته، وكنتُ أقرأ له كتبَهم إذا كَتبوا إليه وأجيبُ عنه إذا كَتب” 8

وهذا أسامة بن زيد رضي الله عنه حبّ النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم وغيره ولاّه النبي صلى الله عليه وسلم قيادة الجيش وعمره ثمانية عشر سنة. تعجب بعض الصحابة رضي الله عنهم حتى طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يولّي من هو أكبر منه سناً، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وخطب الناس وقال: “ما بال أقوام يقدحون في أن ولّيت أسامة على الجيش وأيم الله إن كان لِلْإمرة لخليق وإنه لمن أحب الناس إليّ فاستوصوا به خيراً فإنه من خياركم”.

وذكر الإمام الطبري في تاريخه أنه لما خرج المسلمون في غزوة أحد للقاء المشركين، اصطفّ الجيش فقام النبي يستعرضه، فرأى في الجيش صغارا لم يبلغوا الحلم حشروا أنفسهم مع الرجال، يريدون الجهاد في سبيل الله تعالى، فكان ممن ردّه صلى الله عليه وسلم لصغره سمرة بن جندب بينما أجاز رافع بن خديج. فقيل إنه رام (وفي رواية) أنه وقف على رؤوس أصابع رجليه يتطاول، فقال سمرة بن جندب لربيبه مري بن سنان: يا أبت أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم رافع بن خديج وردني وأنا أصرع رافع بن خديج. فقال مري بن سنان: يا رسول الله رددتَ ابني وأجزت رافع بن خديج وابني يصرعه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لرافع وسمرة: “تصارعا”، فصرع سمرةُ رافعا فأجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدها مع المسلمين.

هؤلاء الشباب في العهد النبوي ممن حظوا بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم وتربوا في كنف وحضن جماعة الصحابة كانت يقظتهم الإيمانية والعلمية والجهادية وانبعاثهم الدعوي خلال فترة وجيزة. قد تكون أياما، وقد تكون شهورا ولا تتعدى عقدا من الزمان على الأكثر. لكنّ بذلهم وعطاءهم من أجل الدعوة والبناء والتغيير وما حققوه من إنجازات في ذلك كان يفوق التصورات والحسابات.

فهذا معاذ بن جبل رضي الله عنه الخزرجي الأنصاري، الإمام الفقيه، أعلم الأمة بأحكام الحلال والحرام، أسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة، شهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأردفه الرسول وراءه، وشيعه ماشيًا في مخرجه وهو راكب، وبعثه إلى أهل اليمن بعد غزوة تبوك وهو ابن ثمانٍ وعشرين سنة ليعلِّم الناس القرآن وشرائع الإسلام ويقضي بينهم. وقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو باليمن. فتكون فترة ملازمته النبي صلى الله عليه وسلم نحو عشر سنين أخذ فيها عنه القرآن وتلقى شرائع الإسلام حتى صار من أقرأ الصحابة لكتاب الله ومن أعلمهم بشرع الله، مات في طاعون عمواس بناحية الأردن سنة 18 هـ، وهو ابن 33 أو 38 سنة. 

وهذا سعد بن معاذ رضي الله عنه، سيد الأوس، وحامل لوائهم يوم بدر، أحد أبطال الإسلام، رمي بسهم يوم الخندق، فمات شهيدا من أثر جرحه ودفن بالبقيع، وعمره سبع وثلاثون سنة، وحزن عليه النبي صلى الله عليه وسلم واهتز عرش الرحمن لموته! صحب النبي صلى الله عليه وسلم خمس سنين فقط.

وهذا عبد الله بن عباس رضي الله عنه، الصحابي الجليل، حبر الأمة، وترجمان القرآن، قال عمرو بن دينار: “ما رأيت مجلسا كان أجمع لكل خير من مجلس ابن عباس”؛ الحلال والحرام والعربية والأنساب والشعر، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم 1660 حديثا، ولد قبل الهجرة بثلاثة أعوام وعندما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عمره لا يتجاوز ثلاث عشرة سنة .

وهذا أبو هريرة، عبد الرحمن بن صخر الدوسي رضي الله عنه، أكثر الصحابة حفظا للحديث ورواية له، أسلم سنة سبع للهجرة، ولزم صحبة النبي صلى الله عليه وسلم فحمل عنه علما كثيرا طيبا مباركا فيه لم يلحق في كثرته، فروى عنه 5374 حديثا، نقلها عن أبي هريرة أكثر من ثمانمائة راوٍ بين صحابي وتابعي، أدرك من حياة النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من أربع سنين قضى منها ثلاث سنوات متفرغا لسماع العلم، مكتفيا بما يسدّ الرمق من القوت ولم يشتغل فيها بتجارة ولا صناعة ولا ولد خوف أن يشغله ذلك عن الأخذ عن النبي صلى الله عليه وسلم، توفي سنة 59 هـ

وهذا عمرو بن العاص رضي الله عنه السهمي القرشي، فاتح مصر، وأحد عظماء الإسلام ودهاته وأولي الرأي والحزم، ولاه النبي صلى الله عليه وسلم إمرة جيش “ذات السلاسل” بعد إسلامه بشهرين وأمده بأبي بكر وعمر وأبي عبيدة، ثم استعمله على عمان، وهو الذي افتتح قنسرين، وصالح أهل حلب ومنبج وأنطاكية، له في كتب الحديث 39 حديثا. 

وهذا خالد بن الوليد رضي الله عنه، قائد الفتح الإسلامي العظيم، أطلق عليه الرسول صلى الله عليه وسلم لقب سيف الله المسلول، لم يهزم في أكثر من مائة معركة ومناوشة خاضها أمام قوات متفوقة عليه في العدد والعتاد من الإمبراطورية الرومانية البيزنطية والساسانية الفارسية وحلفائهم، بالإضافة إلى العديد من القبائل العربية الأخرى، لم يدرك من حياة النبي صلى الله عليه وسلم إلا نحو 24 شهرا.

وهذا جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه، الذي كان عمر بن الخطاب يسميه يوسف هذه الأمة؛ لجماله وهيبته، أسلم في السنة التي توفي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يدرك من حياته إلا بضعا وثمانين يوما، كان يقول: ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم في وجهي؛ قاد المعارك على رأس قومه البجليين في ملاحم البويب والقادسية وجلولاء ونهاوند, وهو الذي فتح حُلوان (مدينة من مدن الجبل، شرقي العراق) سنة 18 هـ وهمذان سنة 23هـ، وروي عنه أكثر من 300 حديث في كتب الصحاح التسعة

وهذا مالك بن الحويرث الليثي رضي الله عنه، حديثه من أهم وأفضل ما روي في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم رغم أنه لم يقم عنده إلا عشرين ليلة؛ اشتمل حديثه على جملة من الأحكام والفوائد لم تحصل لغيره، روى عنه البخاري رحمه الله أنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رحيما رفيقا، فلما رأى شوقنا إلى أهالينا، قال: “ارجعوا فكونوا فيهم، وعلموهم، وصلوا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم”. روى عن النبي صلى الله عليه وسلم 25 حديثاً، توفي سنة 74 هـ.

معشر الشباب يا ملح البلد.. من يصلح الطعام إذا الملح فسد؟

لا يصلح البلاد إلا الشباب الذين هم مِن طينة مَن تربى في ظلال القرآن وفي حجر النبوة وفي حضن الصحبة والجماعة.


[1] مريم:12.
[2] القصص:14.
[3] يوسف:22.
[4] آل عمران:37.
[5] رواه البخاري في كتاب بدء الخلق.
[6] القصص:4.
[7] الأعراف:141.
[8] رواه البخاري وأحمد.