انطلقت أشغال الدورة الثانية عشرة للمجلس الوطني للقطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان، يوم السبت 10 صفر 1440 هـ، الموافق لـ20 أكتوبر 2018، في جو من النقاش الرزين والعميق، تقييما لعطاء سنة مضت تم الوقوف على نقط قوتها تثمينا، وعلى نقائصها تقويما، واستشرافا لسنة مقبلة، أملت المشاركات أن تكون أفضل من سابقاتها.

افتتحت أشغال اليوم الأول للمجلس بآيات بينات من كتاب الله تعالى، وكلمة لرئيسة الدورة الأستاذة السعدية اضريس، رحبت فيها بالحاضرات وثمنت تهممهن واهتمامهن بقضايا المرأة المغربية، هذا الهم الذي ترجمنه من خلال حراكهن الميداني، كما شكل الباعث لالتئامهن من مختلف جهات المغرب في هذين اليومين قصد التواصل وتبادل التجارب ومناقشتها، وبلورة أرضية لصياغة برنامج يشكل خارطة طريق لعملهن خلال السنة المقبلة.

وبسطت المحامية بهيئة الدار البيضاء شعار الدورة “المرأة المغربية بين راهن الأزمة ورهان الإنصاف”، مبرزة أنه يحمل “من الرمزية والدلالة ما ينبغي الوقوف عليه”. وأيضا برنامجها الذي يمتد على يومين، والذي يضم مجموعة محاور تنوعت بين جلسات لمناقشة التقرير والبرنامج السنويين، وأخرى تواصلية، في اليوم الأول، وجلستين في اليوم الثاني، الأولى تكوينية والثانية ختامية.

تلتها الكلمة الافتتاحية التي ألقتها عضوة المكتب الوطني للقطاع النسائي الأستاذة آسية فرحي، التي وصفت السياق الدولي لانعقاد المجلس بقولها: “نفتتح دورتنا هذه على إيقاع عالم موار، إيقاع لا يعلو فيه إلا هدير العنف ولا تعزف فيه إلا سيمفونية المصالح بعيدا عن كل معاني السلم والتعايش واحترام آدمية الإنسان وحقوقه المشروعة”، والوطني قائلة: “وفي مغربنا الحبيب وأمام الاحتقان السائد وغلبة منطق التسلط والاستبداد واللامبالاة، ازداد الواقع قتامة وتكشف عن زيف ما يجمّلون وما يلمّعون، وما به وعدوا ويعدون”. مبرزة حضور المرأة المغربية في ساحة الفعل وما طالها من حيف جراء ذلك “وكان للمرأة المغربية موقع قدم في ساحة المطالبة بتغيير الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية واسترجاع حقوقها المسلوبة، ونالت من أجل ذلك حظا وافرا من القمع والعنف الذي وصل حد إزهاق الروح”.

وأكدت الفاعلة الجمعوية، في آخر كلمتها، على أن “إنصاف المرأة لا يمكن أن يتحقق إلا بمقاربة لقضيتها من زوايا مختلفة يتشابك فيها التاريخي والسياسي والاجتماعي والفقهي”.

بعدها انطلقت جلسات عرض عمل القطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان خلال السنة الماضية على المستوى الوطني، وأيضا على المستوى المحلي لمختلف مناطق وجهات المغرب. تلتها مناقشة مستفيضة لمنجزات السنة، أغنتها مداخلات الفاعلات، اللائي تبادلن تجاربهن، ونقلن أيضا ما اعترض عملهن من معيقات، وبسطن انتظاراتهن واقتراحاتهن لأجل النهوض أكثر بوضعية النساء.

ليختم اليوم الأول بعقد جلسات تواصلية بين عضوات المكتب وسائر الفاعلات في القطاع من جهة، وبين هؤلاء وبعض مؤسسات جماعة العدل والإحسان من جهة أخرى، كانت أولاها مع مكتب العلاقات الخارجية، وثانيها مع الأمانة العامة للدائرة السياسية، ممثلة في رئيسها الدكتور عبد الواحد متوكل وعضوها الدكتور عمر إحرشان، في إطار التواصل والتكامل والتشاور.

وقد آثر عضو مجلس إرشاد الجماعة الدكتور متوكل، أن يشارك الحاضرات بعض الالتفاتات قبل أن يفتح المجال للتواصل معهن. حيث نبه إلى ظاهرة اعتبرها “سبب المحن التي أحاطت بالأمة الإسلامية”، وهي “غياب التناسب بين ظاهرة التدين وبين ظهور أثرها في المجتمع”، مستخلصا أن هذا “يدل على خلل ما”، ومعتبرا أن “هذا التحول إلى الدين تحولا غير مكتمل، وهو ما سماه الإمام عبد السلام ياسين في بعض ما كتب “المياه الضحلة للانتماء” أو “ضحالة الانتماء”“، وموضحا أنه “حتى الانتماء إلى الحركات الإسلامية غير مكتمل، وهذا ما يفسر جوانب النقص الملحوظة”.

ولإيضاح الأمر أكثر ساق متوكل نموذجين من الجيل الأول “”الجيل الفريد” حسب تعبير السيد قطب”، متسائلا “ترى كيف وقع ذلك التحول من الكفر إلى الإيمان؟”.

أما النموذج الأول فكان لأول مهاجرة في الإسلام؛ الصحابية أم سلمة رضي الله تعالى عنها التي حكت في حديث لها عن قصة هجرتها المؤلمة، حيث تم التفريق بينها وبين ابنها وزوجها، بعدما رفض قومها هجرتها مع زوجها، وطالب أهل الزوج بالابن وأخذوه غصبا حتى سلت يده، في حين هاجر أبو سلمة إلى المدينة وحده. وعلق متوكل على الحادثة بقوله: “موقف صعب؛ أسرة أرادت الإيمان فتمزقت، غير أن هذا لم يثنها عن إمضاء عزيمتها على الهجرة.. اختبار تم فيه تفريق الزوج والزوجة والابن.. هذا هو التحول المكتمل”.

وأكمل الحديث مشيرا إلى صنع الله تعالى مع من بذل الغالي والرخيص في سبيله “ويصنع الله سبحانه تعالى قدره، فيشفق الكفرة على أم سلمة من كثرة بكائها، ويخلون سبيلها، ويردون إليها ابنها لتلتحق بزوجها.. وجمع الله شمل الأسرة بعد تفرق”.

وخلص إلى العبرة التي يجب أن يقف عليها العاملون والعاملات للإسلام: “اقترن الفعل بحادث الهجرة، فكانت للمرأة هذه المشاركة المتميزة غاية التميز، والسر هذا الانتقال الكامل”.

وساق قصة صهيب الرومي، أيضا في حادث الهجرة، حيث رفض الكفار تركه يهاجر بماله على اعتبار أنه صنعه عندهم، إذ كان قد قدم من بلاده فقيرا، فافتدى رضي الله تعالى عنه هجرته بماله كله، وعلق متوكل على الحديث مستنبطا “هذا الفعل الظاهر يترجم الفعل الباطن، وهو اكتمال الإيمان حتى أصبح كل ما سوى الله لا يساوي شيئا البتة”، فكان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم “ربح البيع” بلسما للصحابي وبيان طريق لمن تبعه.

وأعاد متوكل التأكيد على أن سبب كل هذه الفتن هو أن “الانتقال الكلي من عالم الفتنة إلى عالم الإيمان لم يتم”. مشددا على أن الله تعالى “حقق لهؤلاء الناس الشيء الكثير في زمن قليل لأنهم كانوا أطوع لله”. مسترشدا بكلام للإمام ياسين رحمه الله تعالى في المنهاج “عامة الناس لا تحمل إلا هم العيش في الدنيا وقليل من يدفعه هم الآخرة، وأقل منهم من يحمل هم الأمة، وأقل منهم من يجمع إلى هم الأمة الشوق الدائم للقاء الله”.

وقد كانت هذه الكلمة التربوية نورا حلق بالحاضرات في معاني البذل والعطاء سيرا على درب الصحابة والصحابيات رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وتجلية لعطاء الله تعالى الوهاب لمن يبذل في سبيله دون حساب.

صباح اليوم الثاني من أشغال المجلس الوطني للقطاع النسائي، الأحد 21 أكتوبر 2018، كانت الحاضرات على موعد مع جلسة تكوينية تحت عنوان “لبناء فعل جمعي رصين” رصدت دور المجتمع المدني في التغيير المنشود، وبسطت بعض المعيقات التي تقف حائلا دون الوصول إلى النتائج المرجوة، وغيرها من المحاور.

تلتها جلسة ختامية تُلي فيها البيان الختامي، ثم ختمت الأشغال على أحسن العزائم؛ تفان في خدمة قضايا المرأة خصوصا والأمة عموما، استشرافا لغد أفضل، غد الحرية والكرامة، غد العدل والإحسان.