ألقى الدكتور بوبكر الونخاري، الكاتب الوطني لشبيبة العدل والإحسان، كلمة خلال افتتاح أشغال مجلسها الوطني المنعقد يومي 20/21 أكتوبر 2018 بالقنيطرة. وفيما يلي النص الكامل لهذه الكلمة:

بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الإخوة والأخوات.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ينعقد اجتماعنا في وقت يكاد كل مغربيٍ غيورٍ على مستقبل بلده يضع يدَه على قلبه: عدمُ وضوح في الرؤية، وشبهُ استقالةٍ من الدولة، وعجز مكشوف عن احتواء المشاكل، وفشل في الكثير من السياسات العمومية التي يقرّرها المخزن، بشهادة أعلى سلطة فيه.
هذا الوضع صار مقلقا ومَبعثا للارتياب لدى دوائر كبيرة إلى الأمس القريب كانت تصدّق الروايات الرسمية عن النماء المضطرد والإصلاح في ظل الاستقرار، ومغرب الاستثناء، قبل أن تتبدّد الكثير من الأوهام، ويجد كثير ممن كانوا يتعالون على الواقع أنفُسَهم أمام حقائقَ مستجدّةً وصادمةً وغير قابلة للتجاوز، وتزداد وضوحا يوما بعد يوم.
من محسن فكري، إلى حياة، إلى صابر، وغيرهم من شهداء الكرامة، ومن بينهم ضحايا قطار بوقنادل أخيرا، ينفضح الاستبداد أكثر وأكثر، لذا فإن موقفنا السياسي ثابتٌ بشأنه، نحمّله المسؤولية السياسية عن كل هذا الفشل الذريع، لأنه احتكر القرار والثروة، وصادر كل حقوق الناس في التعبير عن أنفسهم، وفي الحد الأدنى المطالبةَ بحقوقهم.
نجتمع اليوم وشباب حراك الريف يُسجن بموجب أحكام قرُونية تعبّر عن طبيعة النظام الموغلة في التخلف والعنف. لا ننسى شباب جرادة ونساءها ورجالَها وأطفالها الصابرين على القسمة الضيزى في بلد الواجهتيْن البحريتيْن والتنوع الجغرافي والتاريخ، لكن لا ينالهم منه إلا الحطّ من الكرامة والقمع والسجون لشبابهم كلما رفعوا الرأس ليطالبوا بحقهم في الوجود ككل شعوب الدنيا.
وهي مناسبة لنطالب بإطلاق كلِّ معتقلي الرأي، وكلِّ معتقلي الاحتجاجات، فلم يعد مقبولا كلٌّ هذا التغول من السلطة، لأنه لن يوقف حركة التاريخ، ولن يؤخر أقدارَ الله المقدَّرة، بل هو دليلٌ على كساد وبوار برامج الاستبداد، وأيضا دليلٌ على يقظة الشعب وبداية تحركه ليقرر بنفسه قرارَه.

يقول الشاعر:

يا دولةً من بقايا الظّلمِ طاف بها…***عادي الفَناء فأمْسَى نجْمُها غَرْبا
عِنايةُ الله لا تُبقي على دٌولٍ***يلْقى الخلائقُ منها الويلَ والحَرْبَا

الإخوة والأخوات..
إن الواقع أفدح من أن يداريه هذا النظام بمزيد من الوعود صار لا يصدقّها حتى من يُطلقها، فضلا عن أن يصدقها الشعب الذي ملّ من الانتظار.
الواقع لا يرتفع مثلما يقال، لذلك تتفجّر الاحتجاجات بطول وعرض الوطن، ولا جواب عليها إلا العنف والمزيد من العنف، وبعض التسويف والوعود الكاذبة التي سرعان ما تتحول إلى وقود جديد لاحتجاجات جديدة، لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد.
بعد سنوات قليلة من إقرارٍ مغشوشٍ لدستورٍ ممنوحٍ يقف الجميع أمام حقائق عارية: دولة تسير بدون رهانات، سياسيةً كانت أو اقتصادية، أو على صعيد التنمية.
هذه الحالة المؤسفة تعبّر عن نفسها من خلال إنتاج النظام المخزني خطابا متماهيا في جزء منه مع الخطاب المعارض، لكنه خطابٌ صار يستدعي قدرا كبيرا من السخرية والتهكم، لأنه بدون معنى، ولأنه، مثلما صار يعرف القاصي والداني، أن المخزن يمسك بكل شيء، ولا يترك لا واردة ولا شاردة إلا أحصاها، ومع ذلك ينتقد ويزيد في الانتقاد، إمعانا في الإرباك الذي يعبّر عنه ويريد إشاعته.
إن تمام المسؤولية هو تحمّل المسؤولية عن الفشل أولا قبل التفاخر بالنجاح، وإعدادٌ عناصرَ جوابٍ تُقدَّم للمجتمع بشأن إشكالاته، لا ترديدٌ كلام عَوَامِّ الناس في مسرحيات صارت مضحكة مبكية في آن واحد، تبعث على الكثير من الأسى، لأن الزمنَ المهدورَ كان يمكن أن يٌستثمر لبناء هذا الوطن بعيدا عن التخريبيين حقا، ومنتجي العدمية الحقيقيين.

أيها الإخوة والأخوات..
جماعة العدل والإحسان تأسست على الوضوح ولا تزال عليه. تأسست على المعارضة الجادة للظلم ولا تزال على خطها السياسي. ملتزمةٌ بالحضور بين فئات الشعب، وكذلك كان ويكون.
المسؤولية التي تنهض بها الجماعة اليوم، ومن موقع حضورها الدائم بين مواطني هذا الوطن، ودوامِ الاستماع إلى نبضهم، تستدعي أن نقول قولا نؤديه على سبيل الدين والنصيحة الواجبة شرعا: الاستبداد أصل الداء، وسبب كل هذا الفساد، واستمراره مكلفٌ للوطن، حاضرا ومستقبلا.
لا نماري في هذا الكلام ولا نداري، قولا واحدا قاله الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، ونكرره اليوم مادام الظلمُ والاستبداد واقعا، وعهدا سنبقى متمسكين به، نقوم به وله، ولا نرجو إلا وجه الله، مقاما كريما عنده سبحانه.
لا يمكن لهذا الاستبداد أن يستمر إلا في بيئة يشتغل على الدوام لضمان استدامتها: تفقيرٌ لا يترك للناس مجالا إلا التفكير في لقمة العيش. وفاعلون سياسيون إما إلى الموالاة طعما أو رهبا، يمعن في إذلالهم ولا يسترعون، أو فاعلون سياسيون يجري التضييق عليهم بأساليب متخلفة، لأنهم رفضوا ويرفضون هذا العبث المعمّم وهذا التخريب الذي صار نهجا سياسيا. كما أن القوى المؤمنة بالتغيير لاتزال مشتتة ومتنافرة، وهو أمر يٌسْهم في إطالة عمر الاستبداد ويمنحه هوامشَ للتحرك والمناورة، عبر اللعب على خلافات كان يمكن تجاوزها.
إن بداية الحل اقتناع الصادقين في هذا الوطن أن موقعهم الطبيعي إلى جانب الشعب، حضورا دائما، واستماعا عاقلا، ومواكبة لمجمل التحولات الطارئة، بالرصد الواعي، وبالنسبة لنا كل ذلك وفي كنف يقين في موعود الحق أن نصر الله آت، وأن للحق جولات وصولات، وأن الظلم إلى انكفاء. يقينا لا يتزحزح.

يقول الشاعر:

لا بد للشّعب والأحداثٌ تأخذه***من غضبةٍ تفزع الأفلاك والشُّهُبا
ما أيّد الملك واستبقى نضارته***كالرّفق والعدل ما داما وما اصطحباَ

لا سبيل إلى الخلاص إلا بتوفيق من الله أولا، وبجبهة مجتمعية، تصدر عن الشعب وتعبّر عنه، وتشتغل وفق أجندته، لا وفق أجندة الاستبداد والمنتفِعين من الاستبداد.
إن الأمر ليس هَيِّنا، ولا نزهة، بل عمل دؤوب وحرص مستمر، واجتماعنا اليوم، وفي كل الأيام، لأجل هذا، لأن المغرب يعنينا، لأنه وطننا ولا وطنَ لنا غيرُه، سنكافح لأجل كرامة أهله، ولأجل العدل والحرية. ودوننا وذلك، تربية ثم تربية فتربية، واهتمام بالمصير بعد الموت، وحرص على نيل رضى الله، إلى أن ينقطع النفس.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.