9   +   10   =  

ركز السؤال الأخير من الحوار الذي أجراه موقع العربي21 مع الناطق الرسمي باسم جماعة العدل والإحسان، على تقييم تجربة مشاركة الإسلاميين في حكم عدد من الدول العربية، والاستفسار عما إذا كانت تأتي ضمن مسلسل من التراكم المفضي إلى الانتقال الديمقراطي أم لا. فكان جواب الأستاذ فتح الله أرسلان شاملا ودقيقا ومتسلسلا كالآتي:

مشاركة الإسلاميين في حكم عدد من الدول العربية تباينت وجاءت في سياقات مختلفة، ولكن الأقرب إلينا زمنا هي التجارب الفعلية التي جاء بها الربيع العربي قبل أن يتم الانقلاب على أغلبها، والتي رغم تنوعها واختلاف مساراتها إلا أنه يمكن تسجيل عدد من السمات العامة التي تفيد في تقييم التجربة:
ـ أثبت الإسلاميون أنهم مع صناديق الاقتراع ومع الآليات الديمقراطية، يحترمون اختيار الناس ويقبلون بالمنافسة مع الآخرين على نيل ثقة المواطنين وأصواتهم، ومن تم بددوا المخاوف التي كانت تدعي أنهم ضد الديمقراطية وحرية الاختيار.
ـ واجه الإسلاميون مقاومة شديدة من قبل الدولة العميقة ومؤسساتها وهياكلها، وبقيت النواة الصلبة لإدارة الدولة وتدبير الحكم خارج سلطتهم بل معرقلة لهم في مرحلة ومواجهة لهم في مرحلة أخرى. وبالتالي لم تمنح لهم فرصة تنزيل مشاريعهم التي صوت المواطن العربي عليها حتى يتاح الحكم على مدى نجاعتها، أي إن القول بكون الإسلاميين فشلوا في تدبير السلطة قول غير منصف ولا عادل ولا موضوعي.
ـ لم يحسن الإسلاميون، وقبلهم باقي التيارات والحركات اليسارية والليبرالية، تدبير المرحلة الانتقالية التي كانت تحتاج التوافق، ولا فهم متطلباتها ومستلزماتها، ودخل الجميع في حرب أيديولوجيات والتدافع على هوية المجتمعات ناهيك عن الصراع على مراكز النفوذ والقوى، وهو ما انتهزته قوى الثورة المضادة المحلية والإقليمية والدولية لطحن الجميع.
ـ ينبغي على الإسلاميين وغيرهم من التيارات، بالنظر لطبيعة المرحلة واستحقاقاتها وأولوياتها، إعطاء الأسبقية للبحث عن أرضية مشتركة رصينة بين كل طلاب الحرية والكرامة ورافضي التسلط والاستبداد، وإرجاء الخلافات الأيديولوجية والهوياتية وإشكالاتها التي ينبغي أن تخاض في مرحلة لاحقة وفي أجواء هادئة ومن قبل عقلاء مكونات الشعب حتى يتحقق أكبر قدر من الإجماع حول هوية الأمة الجامعة التي لا ينبغي أن تلغي هويات الأقليات المتنوعة.
ـ على الإسلاميين، ونحن منهم، كما على الآخرين، تعميق النظر والبحث أكثر في البدائل والمقترحات السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية والتنموية، التي يلزم أن تملأ الساحة في مرحلة البناء على أنقاض ما يخلفه الاستبداد والفساد. 
ـ أثبتت التجربة أن الحكم ليس نزهة، ولا نهزة، ولا مغنما، وأن تحدياته عظيمة والعقبات التي تعترض أصحابه الشرفاء جمة وأبرزها: الشعب وطلباته المستعجلة، والفرقاء وتدبير الاختلاف وتعدد القراءات والاقتراحات، والمنتظم الدولي ودفاعه المستميت عن مصالحه ورفضه تمتع المنطقة بتجربة ديمقراطية حقيقية، والبناء الاقتصادي والتنموي مع الحفاظ على التماسك الاجتماعي، وتفكيك بنية الدولة العميقة وشبكاتها المصلحية لصالح تأسيس دولة المجتمع…. كلها، وغيرها كثير، تحديات أكدت التجربة أنه يلزم التفكير القبلي فيها والتأمل في سبل التعامل معها وكيفيات تدبيرها حتى لا تفجأ الأحداث المستقبلية قوى التغيير.
إن حركة التاريخ تتقدم إلى الأمام، وسنة الله ماضية في الأمم، واللحظات المفصلية والمؤثرة في المسارات لا شك تشكل لبنة تبنى عليها لبنات التغيير الآتية، والتجربة العظيمة التي سارت فيها شعوب المنطقة مع الربيع العربي، والتي تشتغل كل الجهات المناوئة لإرادة ومصالح شعوبنا بشراسة لتحويلها إلى خريف مكفهر. لكنها، بكل يقين، ستكون حلقة جوهرية في مسار متسلسل من التراكمات التي تمضي بإذن الملك الوهاب إلى إنهاء الاستبداد والفساد في آخر المطاف وتمكين الأمة من مسيرها الواعد نحو مصيرها الموعود، هذه هي سنة الله في الكون وتاريخ حركات الشعوب والأمم.
ـ على الإسلاميين أن يستصحبوا معهم، وهم يخوضون في تجارب السياسة وحريقها اليومي وهمّها الذي لا ينتهي، بوصلة المشروع وسؤال المنطلق، حتى لا تضيع الوجهة وتفتقد الغاية أمام حجم الإكراهات وجَلَبة الواقع. ذلك أنه يُخشى الانسلاخ عن الذات والتخلي عن الرسالة التي منها كان المبتدأ؛ فالدعوة والتربية هما المهمة الأساس للحركة الإسلامية والعمق الحقيقي للتغيير الذي يستهدف البنى بقدر استهداف الإنسان.
من نحن؟ وماذا نريد؟ سؤالان لا ينبغي أن يضمرا أو يضيعا أمام ضغط وزحمة وإكراه البحث في الكيف والوسائل.