كثيرا ما يبحث الفرد عن السُّبل التي يتحقق بموجبها الانسجام والاندماج في المجتمع كنسق اجتماعي مكثف. وكثيرا ما يطمح الإنسان إلى أن يجد لذاته مكانا في الأوساط القريبة منه، وتعتبر الأسرة المؤسسة والخلية الأم والوسط الأول الذي ننتمي إليه كمجتمع مصغر من بين الأنساق الاجتماعية ذات الأهمية الكبرى في التربية ورعاية النشء، حيث لكل فرد دوره في الجماعة، وهي النسق المتفاعل الذي يحث على التكامل والتآلف.

تعتبر العلاقة الأسرية من العلاقات التي لها الأثر البالغ في صنع وبناء شخصية الإنسان وسلوكه، وتعتبر تربية الوالدين لأبنائهم شكلا من الأشكال الأساسية للتنشئة الاجتماعية، وهي العملية المستمرةُ عبر مراحلَ الهدفُ منها تأهيل الفرد وإدماجه للمشاركة في نشاط جماعة معينة عن طريق اكتساب المعايير وتعلم الأدوار المعمول بها ضمن الجماعة المؤطرة لعلاقات الناس بعضهم مع بعض ،ويعتبر التكامل من بين المميزات الأساسية التي يجب على كل أسرة أن تتصف بها لتؤدي دورها في التنشئة، فلكل أسرة درجتها في الترابط والتماسك ولعل الباحث الاجتماعي الدارس لدرجات التكامل للأنساق الاجتماعية يلاحظ وجود فروق واختلافات في درجة التكامل بين نسق وآخر، فبعض الأسر مثلا تجدها تتمتع بدرجة قصوى في الانسجام خلافا لأسر عنوانها التفكك والاضطراب كونها تعاني من مشكلات اجتماعية شديدة، وذلك راجع إلى الوسط الاجتماعي المحيط بالفرد حيث الحياة في وسط سيئ التكامل أصعب من الحياة في وسط جيد، وكذا الوسط الاجتماعي ذي المستوى المرتفع من التكامل أجدر على مقاومة التفكك من الوسط السيئ التكامل، ومن هنا كان صلاح المجتمع رهين بصلاح الفرد وتغيير بنى المجتمع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية كفيلة بتغيير الإنسان، وصلاحه رهين بمدى نجاح المؤسسة الأسرية في أدائها للمهمة ففاقد الشيء لا يعطيه، فالأب راع والأم كذلك وكلامها مسؤول عن التنشئة الصالحة التي تبدأ منذ ولادة أول مولود بِكر لهما. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ”. (قال الحافظ في الفتح: كُلّ مَوْلُود أَيْ مِنْ بَنِي آدَم)).

فالأسرة مسؤولة عن صفاء السريرة النقية للولد، فأبواه يعلمانه تعاليم العقيدة الدينية ويُشْرفان على تنشئته الصالحة المعجونة من طينة الفطرة السليمة المستمدة صلاحها من الإسلام. والمراد بالفطرة: الإسلام كما جزم بذلك البخاري. إن البداية الحسنة نصف العمل ومن صحت بدايته أشرقت نهايته، وقياسا عليه فإن الإحسان في تربية الطفل فى السنوات الأولى من عمره هي نصف التربية. فما أحوج الأمة للأسر الصالحة وللأفراد الصالحين وللشخصية النموذجية المربية.

لعل الدارس لسيرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وأصحابه يخلص بأن خير الزمان زمانهم وأنهم نالوا خيرية الزمان بمعية الشخصية الكريمة بينهم التي احتضنت الولدان والشباب والشيب وغذّتهم بالرّوح والفكر الصالح المثمر فنالوا خير الدنيا والآخرة بتعظيمهم للجناب الشريف وتوقيره وتعزيره حتى ارتوت روحُهم من روحه، واستقى غصنهم من جذوره، فاتسمت معالم شخصيتهم بمواصفات انجمعت لها وفيها أشواق القلب ومحابه مع قدرات العقل واليد. أهم هذه المواصفات:

– الشخصية المؤمنة بالله المخلصة له المندمجة في الجماعة والمُحِبَّة للآخر والقادرة على المشاركة في الأمر العام.

– الشخصية المطمئنة المتعلقة بذكر الله المجالسة لأهل الله.

– الشخصية الصادقة المبرهنة المعول عليها في الرخاء والشدة.

– الشخصية المستعدة لبذل النفس والنفيس من أجل صلاح المجتمع وإقامة دين الله.

– الشخصية العالمة بعلم الحق المجتهدة المخترعة المطورة للعلوم الأرضية واستثمارها في إبطال الباطل وإحقاق الحق.

– الشخصية المتحركة الخفيفة العاملة لكل عمل يرضي الله ورسوله والمؤمنين.

– الشخصية ذات الحسن الطاهر الظاهر والباطن المتميزة والشّامة بين الأقران.

– الشخصية المتئدة الثابتة الرزينة العازمة المقتحمة الصعاب.

– الشخصية المنتجة القادرة على إدارة خيرات الأمة وثرواتها المقتصدة والمستقلة في مأكلها ومشربها وكسائها ورخائها.

– الشخصية المجاهدة القوية الحاملة للواء العدل المدافعة عن المستضعفين في الأرض المعلية كلمة الحق أمام الجور.

إنها مواصفات الشخصية المؤمنة وعلى ضوء ذلك يجب أن تطمح كل مؤسسة لتربية أفرادها ورعاية نشئها، وتتدارس شخصية النموذج الفريد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الراهب بالليل الفارس بالنهار الذي كان خلقه القرآن. قرآن يمشي بين أفراد مجتمعه.