كرونولوجيا التناوب

لتناوب 1998 بدايات ومسلسل معقد أفضى إلى تشكيل هذه الحكومة. وقد تم هذا المسلسل على ثلاث مراحل: المرحلة الأولى انطلاق مسلسل التناوب بعد انتخابات سنة 1992. المرحلة الثانية اتسمت بالتأجيل 1 المرحلة الثالثة تم إنجاز المسلسل..

هذه حلقاته الرئيسية:

– 22 أكتوبر 1992 استقبل الملك زعماء المعارضة واقترح عليهم التناوب.

– 9 يوليوز 1994 يصدر الخطاب الملكي العفو عن المعتقلين السياسين والمنفيين.

– 14 أكتوبر 1994 يقترح الملك على المعارضة تشكيل حكومة أقلية يضمن لها الاستقرار لمدة ثلاث سنوات على الأقل.

– 11 يناير 1995 بلاغ من الديوان الملكي بتأجيل التناوب بسبب خلاف حول بقاء السيد إدريس البصري في منصب وزير الدولة في الداخلية.

– 1995 صدور تقرير للبنك الدولي حول المغرب والذي أحال عليه الملك الحسن الثاني في خطابه حول السكتة القلبية.

– 20 غشت 1996 أعلن الملك عن مراجعة الدستور.

– 13 شتنبر 1996 الدستور الجديد المراجع المحدث لبرلمان بغرفتيه والمصادق عليه بالاستفتاء.

– 28فبراير 1997 توقيع التصريح المشترك بين الأحزاب والحكومة.

– 14 نونبر 1997 الانتخابات التشريعية.

– 5 مارس 1998 انتخاب أعضاء مجلس المستشارين.

– 14 مارس 1998 عين الملك السيد عبد الرحمان اليوسفي في منصب الوزير الأول. 2

15- تشكلت حكومة اليوسفي من 7 أحزاب من اليمين واليسار الوسط. 3

وضمت الحكومة 41 وزيرا. وزيران للدولة، 23 وزيرا، 7 وزراء منتدبين، 3 كتاب الدولة من بينهم امرأتان، احتفظ النظام فيها بما يسمى بوزارات السيادة: الخارجية والعدل والداخلية والأوقاف، إضافة إلى الأمانة العامة للحكومة.

وقد لازم الأمل قواد هذه التجربة حيث تحدث الوزير المعيّن عبد الرحمان اليوسفي في تصريح أمام البرلمان 4عن أن “مقدم حكومة التناوب حدث تاريخي في مجرى السياسة الوطنية. واقترح ميثاقا لحسن التدبير، طبقا لهذا الميثاق ينظم الوزراء عملهم حول ثلاث أوليات: أولية أخلاقية تروم محاربة جميع أشكال الانحراف والشطط في استعمال السلطة واللاعقاب، أولية تتعلق بالتسيير الحازم والمقتصد للمال العام، وأولية تهم العلاقات: مبنية على الإنصات وخدمة المواطنين والمقاولة”. أما في الرسالة التي وجهها إلى وزرائه تحت عنوان الميثاق من أجل التغيير 5 فقد حدد الوزير الأول مجمل برنامجه، حيث قال فيها “يجب أن يتجه التغيير نحو تعميق المسلسل الديمقراطي وتدعيم دولة القانون ومكافحة البطالة وتحسين مستوى المعيشة، يجب أن يتجسد في المقام الأول في تطهير المحيط المؤسساتي من خلال إصلاح الإدارة والقضاء كما يجب أن يتجلى عبر الإسراع في التنمية الاجتماعية وتدعيم تنافسية اقتصادنا” 6.

بداية نهاية التناوب

مع توالي شهور عمر حكومة التناوب، بدأت تلوح في الأفق خيبة الأمل لدى جل شرائح المجتمع، يوازيه حديث عن أن الوزير الأول لم يتمكن من استغلال الهامش الضئيل الذي تمنحه إياه الوثيقة الدستورية، بل أصبح يوظف قربه من رئيس الدولة أكثر من عمله باختصاصاته الدستورية وهو ما جعل الحكومة هيئة ثانوية 7لا تتمتع بالسلطة اللازمة لممارسة مهامها خاصة إزاء الموظفين السامين ورجال السلطة. 8

في المقابل نجد تفعيل المؤسسة الملكية للعديد من المؤسسات الموازية. وهو ما أكده السيد عبد الله ساعف أحد وزراء هذه الحكومة حين سئل: عن أن هناك من يتحدث عن الأداء الملكي المتميز بالمبادرة الجريئة والقوية وبالسرعة، ويعتبر الأداء الحكومي خجولا وبطيئا، فأجاب أن “الموقع الذي يتحرك منه الملك هو موقع معروف وواضح وواسع جدا يتجاوز كل الفاعلين والموقع الذي تتحرك منه الحكومة موقع آخر محدد واللغة فيه مسطرة” 9.

أدى إحساس الحكومة والائتلاف الحكومي بالأزمة وأمام الضغط الاجتماعي المتواصل ومسلسل الحركات الاحتجاجية المتعددة الأشكال، أدى كل ذلك إلى توجيه الأنظار صوب الانتخابات التشريعية المنتظرة. حيث انتقلت أحزاب الحركة الوطنية وهي تقود حكومة التناوب من الاحتجاج على سير انتخابات تجديد ثلث مجلس المستشارين سنة 2001 إلى الدفاع المستميت عن أحقية الحكومة من خلال وزارة الداخلية، على اعتبار أنها مجال من مجالات السيادة (وزارة السيادة) وهو ما يعني الإلتفاف حول هذه الوزارة بالذات والتماهي معها دون ترك أية مسافة بين الحزب والحكومة والدولة والانتخابات. 10

هذا السلوك السياسي الغريب عن الأحزاب، التي كانت وإلى عهد قريب تقود المعارضة، كان تعبيرا عن الضعف الذي وصلت إليه هذه الأحزاب من جهة، ومن جهة أخرى عن التشردم الحاصل بين هذه الأحزاب وهي تتصاراع حول “مولة نوبة” حسب خطاب حزب الاستقلال في تعيين الوزير الأول من داخله.

وبالتالي جاءت انتخابات 27 شتنبر 2002 والتي كان من أبرز مظاهر، علاوة على أنها أول انتخابات في عهد الملك محمد السادس، اعتماد أسلوب جديد للاقتراع، وهو الاقتراع النسبي مع أكثر البقايا، والتوافق الحاصل حول الكوطا المتعلقة باللائحة الوطنية، حيث ولجت 30 امرأة مجلس النواب، ثم بروز متغير جديد في الحقل السياسي المغربي يتجلى في صعود حزب العدالة والتنمية ذي التوجه الإسلامي إلى مصاف القوى السياسية “الفاعلة” فيه، وذلك بعد حصوله على المرتبة الثالثة ب 42 مقعدا مقابل 50 و48 لكل من الاتحاد الاشتراكي والاستقلال في المرتبتين الأولى والثانية على التوالي.

لفد جاءت هذه الانتخابات بخريطة سياسية أقرب إلى البلقنة منها إلى إفراز قوة سياسية أبرز حضورا وأكثر حيازة للأصوات، خاصة مع ما عرفته من دخول قرابة عشرة أحزاب جديدة السباق الانتخابي. 11

وهذا ما مهد إلى دخول هذه الأحزاب في حكومة ائتلافية (تقنو حزبية)، بل وقادها إلى المساهمة في التخلي عن آلية التناوب، والاستعداد تدريجيا للتنكر لواقعها كأحزاب حركة وطنية. لينتهي التناوب وينهي معه مفهوم الحزب وطريقة تكوين الحزب كما وضعته الحركة الوطنية نفسها، بل إن السلطة والنظام الحاكم “حقيقة” قام بإدماج نخب الأحزاب المنعوتة بالوطنية في ظرف زمني سريع، قوبل باستعداد سيكولوجي لدى قياداتها.

تعزز ذلك بهيمنة تداول خطاب سياسي نقدي منذر ليس فقط بإقبار التناوب التوافقي بل أيضا بموت النخب والديمقراطية وبإبادة السياسة… إلخ، وبدا المشهد كما لو أن الأمر يتعلق بتأبين جنائزي لآمال جماعية كبيرة بكاملها، كان المجتمع المغربي البسيط قد علقها على تجربة التناوب التي عم الإحساس بدخول مرحلة توديعها إلى غير رجعة. 12


[1] كان السبب في التأجيل إصرار القصر على الاحتفاظ بالسيد البصري على رأس وزارة الداخلية.
[2] عبد الكبير الخطيب: التناوب والأحزاب السياسية، عز الدين الكتاني الإدريسي منشورات عكاظ الرباط.
[3] يصعب على الدارس للحقل السياسي بالمغرب تصنيف الأحزاب السياسية نظرا لعوامل متعددة؛ منها ما هو مرتبط بطبيعة التشكيلات الاجتماعية، ومنها ما يتعلق بتدخل الدولة بخلق أحزاب موالية لها وشق أخرى لعصيانها سواء كانت يسارية أو يمينية. كما أن الدارس يلمس أن سلوك الأحزاب غالبا ما يتناقض مع خطابها الإديولوجي والسياسي.
[4] نشر يوم 8 أبريل 1998.
[5] نشرت يوم 27-3-1998.
[6] عبد الكبير الخطيب –المرجع السابق.
[7] المسار الذي أكده الوزير الأول نفسه في تصريح له، بعد خروجه من الحكومة.
[8] عبد الرحيم المنار السلمي مجلة وجهة نظر 23 خريف 2004. تجربة التناوب في المغرب متاهات الانتقال في المجتمع السياسي.
[9] د. عبد الله ساعف: أحاديت في السياسة المغربية مشورات الزمن العدد 33.
[10] عبد الرحيم المنار السليمي المرجع السابق.
[11] نشأت ما بين 2001 و2002 أحزاب (الحزب المغربي الليبرالي، الاتحاد الديمقراطي، القوات المواطنة، حزب العهد، حزب المؤتمر الوطني للاتحاد، مبادرة المواطنة والتنمية، التجديد والإنصاف، اليسار الاشتراكي الموحد، رابطة الحريات…).
[12] مصطفى حسن: في التنمية السياسية مقدمة في سوسيولوجيا الإصلاح والتحديث والتحول الديمقراطي في المغرب المعاصر، ص113.