مع هبوب رياح الربيع العربي مطلع عام 2011، وعلى غرار ما حصل في تونس ومصر واليمن… خرج المغاربة إلى الشوارع والميادين في مسيرات ووقفات سلمية احتجاجا على استفحال الفساد وتغول الاستبداد، بعد أن بلغت الأزمة مبلغا لم يعد ينفع معه سكوت أو ركون، وبعد أن أكدت الأعوام والأحداث للشعب أن من ينتظر ممن بيدهم مقاليد الأمور أن يراجعوا حساباتهم فيصلحوا ما أفسدوه إن هو إلا كمن ينتظر من السراب أن يجود بالماء.

وكان من أسباب خروج الشعب إلى الشارع للاحتجاج، سياسات التفقير الممنهج، والتهميش المقصود، خاصة في صفوف الشباب الذين حصلوا ما حصلوا وحازوا ما حازوا من شهادات، ثم وجدوا أنفسهم خارج حسابات الدولة وعلى هامش الاهتمام وفي صلب المعاناة الاجتماعية.

ظلت احتجاجات 20 فبراير وفية للسلمية التي طبعتها من أول يوم، وظل المخزن وفيا لمنهجه وأسلوبه وخطه وعادته في مواجهة الاحتجاجات مهما كانت مطالبها محقة، حتى جاء يوم الأحد 29 ماي 2011 حيث ارتكب النظام الحاكم جريمته النكراء في حق الشاب كمال عماري رحمه الله.

عُرف عن الشهيد كمال عماري أنه كان عضوا فاعلا في شبيبة جماعة العدل والإحسان بآسفي، وناشطا فاعلا في حركة 20 فبراير بالمدينة، فاستحق بهذا أن يكون هدفا لانتقام المخزن، وأن يظل على رأس لائحة المطلوب تحييدُهم، إلى جانب المناهضين للفساد والاستبداد، فأصبح في مرمى السهام المخزنية في ذلك اليوم، فلقي ربه يوم الخميس 2 يونيو 2011 متأثرا بمضاعفات الإصابات الخطيرة التي تعرّض لها في الرأس والصدر والعين والرجلين، بعد التدخل العنيف للقوات المخزنية التي أشبعته ضربا عنيفا أثناء المسيرة الشعبية السلمية ل 29 ماي، حيث عانى ثلاثة أيام من آلام شديدة بسبب الإصابات البليغة، ودخل على إثرها في حالة غيبوبة في مستشفى محمد الخامس بالمدينة، ليسلم روحه إلى بارئها، شهيدا شهيدا شهيدا…

لم يكن الشهيد كما عماري يمثل نفسه حين خرج للاحتجاج على الفساد والاستبداد، بل كان يمثل أجيالا وأفواجا من الشباب الذين أفنوا شبابهم في التحصيل الدراسي ولكنهم صُدموا في نهاية النفق بباب مسدود لا مخرج له. ولم يكن خروجه إلى الشارع للاحتجاج انسياقا أعمى بين الجماهير خلف ما لا يدري، بل كان خروجه خروجا واعيا قاصدا سديدا، وجهته مواجهة الفساد الذي غمط حقه في الشغل، وغايته إسقاط الاستبداد الذي منعه حقه في الاحتجاج.

سيظل الشهيد كمال عماري أيقونة للشباب المغربي الذين يعانون سياسيات التفقير، ومثالا للأجيال التي تكابد في معركة مواجهة خطط التجهيل، ونموذجا للأحرار الذين لا ترهبهم التهديدات المكتِّمة الأنفاس. وسيظل إلى جانب محسن فكري وفضيلة عكيوي وحياة بلقاسم و… حججا على دولة مستبدة ونظام فاسد لا يكتفي بالضغط على جراح الشعب الغائرة، بل يمنعه حتى من رفع صوته تعبيرا عن آلامه.