تمهيد

العالم يعيش هوسا وذهولا فكريا أبعده عن كل ما هو غيبي وكل ما هو إنساني. فطغت المادة وطغى العقل الغربي المعاشي، المعتمد على المادة دون التفكير في الروح أو الغاية الكبرى من الحياة ولدت الديمقراطية عنصرية، وولد العقل الغربي المتشبع بالقانونية الرومانية والأسطورية اليونانية وثنيا ماديا. ما خلصته النصرانية لأنها ما تخلصت بل تورطت وانغمست) 1 .

وتبقى الحداثة في واقع الإنسانية اليوم مشهدا من مشاهد هذا الهوس ومظهرا من مظاهر التفكير المادي.

يأتي كتاب الإسلام والحداثة) للإمام رحمه الله لتحليل هذا الواقع ولطرح معالم ومفاتيح لإخراج الإنسانية من هذا الكبد والفتنة والإعداد لمستقبل الإنسانية في ظل غذ الإسلام القريب.

الشكل

– الكتاب من الحجم المتوسط.

– عدد صفحاته: 322 صفحة.

– صدر الكتاب باللغة الفرنسية “islamiser la modernité” سنة 1998م ثم ترجم إلى اللغة العربية.

– تاريخ إصدار النسخة العربية: 1421 ه– 2000م.

– لون الغلاف أبيض: دلالة على الصفاء والطهر والسلام، تتوسطه صورة لمربع أخضر، كناية على الفطرة التي نحتاج جميعا إلى الحفاظ عليها حتى لا نكون ممن جذبتهم عواصف المادية الحداثية المهووسة، تتوسط هذا المربع صورة لسلم أو درج يشير إلى أن التغيير والتواصل مع الغير يحتاج إلى التدرج والتؤدة حتى نصل إلى بزوغ هلال العدل والسلام مع عالم يعيش تطورا مذهلا وحداثة أدهشت الكبير والصغير.

العنوان

العنوان يتكون من كلمتين “الإسلام” و”الحداثة”.

الإسلام هو دين الله الذي ارتضى لعباده وشريعته التي أمرنا سبحانه بتطبيقها وهو خضوع وولاء لرب العالمين. ثم إن الإسلام هو القوة المستقبلية التي ستنقذ العالم مما يتخبط فيه من هوس وكبد أثقلا كاهل الإنسانية جمعاء.

الحداثة هي الحل المادي الذي جاء به الغرب للتخلص من براثن التخلف الاقتصادي والسياسي والثقافي. الحداثة هي التطور العلمي والتكنولوجي. فالحداثة تساوي المادة أو العقلنة المادية.

فما علاقة الاسلام بالحداثة؟ ما موقف الإسلام من الحداثة؟ هل للإسلام والحداثة وجهتان متناقضتان أم يمكن أن نجد نقط التقاء بين الإسلام والحداثة؟

أسئلة يوحي بها العنوان لكل قارئ ويشجع على قراءة الكتاب وسبر أغواره.

خصوصية الكتاب

صدر الكتاب والأمة الإسلامية تعيش تراجعا على جميع المستويات:

– حركات إسلامية مضطهدة ومقموعة في جميع بقاع العالم الإسلامي (التجربة الموؤودة لجبهة الإنقاذ بالجزائر، الحصار المضروب على جماعة العدل والإحسان ومرشدها…).

– اقتصاد هشاشته ما زالت تزيد الفقير فقرا وتزيد الغني غنى.

– فساد أخلاقي على جميع المستويات.

– دولة فلسطين تعيش التهجير والسلب من طرف الصهاينة على مرأى من العالم.

القضية المركزية للكتاب

يُعرّف الكتاب الحداثة تعريفا مفصلا، ويضعنا في السياق التاريخي الذي أنتجها، ومدى تأثيرها على العالم جنوبا كان أم شمالا، كما يطرح أسئلة حول تعامل الإسلاميين، كقوة حاضرة في الساحة التغييرية، مع الحداثة. ثم يعطينا مفاتيح مهمة مستوحاة من الكتاب والسنة. والجديد الذي جاء به الكتاب هو مفهوم “تسليم الحداثة” أي جعل الحداثة في محور المشروع الإسلامي الكبير.

المصادر التي اعتمدها الإمام المجدد

اعتمد الأستاذ عبد السلام ياسين في هذا الكتاب استشهادات من عقر دار الحداثة، فكان يأتي بكلام لباحثين وفلاسفة أوروبيين ساهموا في تطوير الحداثة وسبروا أغوارها. حتى يشهد شاهد من أهلهم فتطمئن نفوس قد شحنها الإعلام الحداثي فامتلأت بغضا وحقدا على كل من يكتب أو يتفوه بكلام عن الغيب والوحي الإيمان.

المحاور الكبرى للكتاب
ما هي الحداثة؟

ظهرت الحداثة مع الثورة الفرنسية في عصر النهضة، ومن أهم مظاهرها: الإنجازات العلمية والتقنية التي كانت وراء ثورة صناعية رأسمالية قهرت بها دول الجنوب وبررت بها الاستعمار العسكري والاقتصادي.

وقد جاءت مناهضة للكنسية التي أخضعت العالم الأوربي في القرن السادس عشر لسيطرتها.

الحداثة حسب الغرب هي خضوع تام للعقل والعلم وكفر بما سواهما خاصة إذا كان أمرا غيبيا. كما يفسر ذلك عالم الاجتماع آلان تورين: إن الكائنات البشرية تنتمي إلى عالم تحكمه قوانين طبيعية يكتشفها العقل ويخضع لها في نفس الآن. ومن ثم يصبح الشعب مرادفا للأمة، لجسد اجتماعي يخضع اشتغاله هو أيضا لقوانين طبيعية، مما يلزمه بالتخلص من الأشكال التنظيمية غير العقلانية التي تحاول كسب الشرعية بالتمسح بوحي أو بقرار غيبي) 2 .

جاءت الحداثة إذن لترفض كل ما هو غيبي، ديني، عقدي، ولا تؤمن إلا بالعقل، والعقل المادي فقط.

ويبقى الإسلام أول المستهدفين وأول المرفوضين من طرف الحداثة لأنه يتمحور حول وحي مقدس. ولأنه يهدد مصالح الدول الراعية للحداثة.

صدرت الحداثة بجميع مظاهرها (منتوجات صناعية تبهر الشعوب المتخلفة، مناهج دراسية جديدة تمرر سموم الفكر الحداثي إلى شبابنا فتطمس فيه الهوية الإسلامية، أسلوب عيش حداثي يرمز إلى التحضر والتطور…) إلى المستعمرات الأوربية فتخربت عقول مسلمة ببث الشك فيها وفي هويتها وباقتلاع أسس الشخصية الإسلامية منها حتى أصبحت تُقمع ويضرب بها عُرض الحائط.

أما الحداثة فتزحف على الساحة الدولية بحماس علها تفرض فكرها الوحيد، واثقة بنفسها، واسمة كل معارض لها بالتخلف المعترض سبيل التقدم. فلتسقط التقاليد البالية وليعل المنطق الجميل، المنطق المهيمن: أنا أفكر إذن أنا… وحدي أفكر، أنا الفكر الوحيد) 3 .

نموذج الجزائر: نموذج الاستعمار السياسي والاقتصادي، والثقافي، والديني… نوعت فيها القوة العسكرية أساليبها الاستعمارية من تذبيح ونهب وتقتيل، بل وتفريق كان من أهم مظاهره الظهير البربري وسياسة التجنيس. فتخرجت طبقة سياسية حاكمة من مدرسة اللائيكية التي ارتبطت بالأرض والوطن عوض الارتباط بتاريخ الأمة والولاء لله سبحانه، كانوا هم الخلف للآلة الاستعمارية القمعية ليكملوا مسيرة تعذيب الشعب.

الجرح الفلسطيني: أعتى مظاهر الحداثة، فالحركة الصهيونية هي الوجه اليهودي لها، نهب للأرض وللهوية وتشريد وتجويع وقهر ولا من يحرك ساكنا، وصمة عار تاريخية في جبين الحكام المسلمين.

اللائيكية

هي محور الحداثة الأوربية، وهي فصل كل ما هو ديني عما هو عقلي.

واللائيكية تعتبر إنجازا عظيما عند الأوربيين، انبهر به عدد كبير من مثقفينا لارتباطها بالتطور التكنولوجي والانفتاح الثقافي وارتفاع مستوى العيش عند الغربي المنافح عن اللائيكية، فتنكروا لدينهم ولعقيدتهم. لكن في مقابل ذلك، رفضتها ثلة من المسلمين الذين تصدوا مقاومين للاستعمار مدافعين عن أوطانهم وهويتهم كأمثال: الأمير عبد القادر بالجزائر، وعمر المختار بليبيا…

يلاحظ الباحث الفرنسي فرانسوا بورغا التناقض بين نظرة الغرب للائيكية كمكسب وكقيمة مضافة للحداثة ونظرة المسلم (المعتز بإسلامه) السلبية هكذا أصبحت اللائيكية –هذا الحصان الطرداوي- مرادفا لأخبث الأسلحة الإيديولوجية الغربية، فهي التي وضعت أيام المغامرة الاستعمارية الأساس القانوني وضمنت التقدير اللازم لعملية إعدام النظام المعياري الإسلامي بحجة أن الرأسمال المعياري الموروث بعد حوالي أربعة عشر قرنا من الحضارة، لم يعد قادرا فجأة على تدبير المجتمع بأكمله) 4 . لكن الإمام المرشد ينبه إلى إغفال هذا الباحث السبب الجوهري لرفض المسلمين للائيكية ويقول: فإن المقاومين الأوائل للاحتلال الاستعماري -مثلهم في ذلك مثل الاستعماريين المعاصرين– كانوا ولا يزالون يرفضون الدخيل المهدد لمعنى وجودهم، لإسلاميتهم، لولائهم لله عز وجل وإيمانهم به) 5 . فكان لا بد من تبليغ صوت الإسلام وكلمة الإسلام رغم العقبات التي تضعها الحرب الصليبية اللائيكية أمام كل صحوة إسلامية، وخير مثال، ما جاءت به هذه اللائيكية داخل المستعمرات المسلمة من أجل تلقين شباب المسلمين كيف يمجدوا دين “التحضر اللائيكي” ويحتقرون هويتهم.

المعرفة

ترتكز الحداثة في تحليلها لمعنى الحياة على العقل المرتكز على التحليل العلمي المادي فقط، مرجعيته الأولى في ذلك: الفلسفة العدمية التي تعتبر الإنسان حيوانا (أصل الإنسان قرد) جاء من العدم ويناضل من أجل البقاء فقط.

مسلمة دوابية) هي كما سماها الإمام المجدد استنادا إلى قول الله تعالى: إن شر الدواب عند الله الصم والبكم الذين لا يعقلون 6 .

دوابية عدمية جردت الإنسانية من كرامتها، وفتحت الباب أمام انحطاط أخلاقي كبير لا يتجرأ أحد على مناهضته وإلا سيصنف بين الظلاميين.

يأتي الإمام المجدد بكلام عالم الاجتماع إدغار موران ليبين أن الدليل العلمي الذي تعتمد عليه الحداثة غير كاف لأنه قابل للخطأ. يقول إ. موران: إن أكبر اكتشاف في هذا القرن هو أن العلم ليس مملكة اليقين رغم أنه يقوم طبعا على سلسلة من اليقينيات المحددة مكانا وفضاء… النظرية العلمية لا تكون كذلك إلا إذا اعترفت بقابليتها للخطإ وبإمكانية تزويرها، أي تسلم بقابليتها للتلاشي) 7 .

إلى جانب إ. موران، يطرح الفيلسوف الفرنسي غيتون بشراكة مع الدكتورين: غريشكا وإيغور بوردانوف في الكتاب المشترك “الله والعلم” وبكل جرأة أسئلة كانت محضورة في عالم الحداثة أهمها: ما مصدر الكون؟ ما هو الواقع؟ أي علاقة بين الوعي والمادة؟ لماذا حلت الأشياء محل العدم؟ بعض المؤشرات تدل على أن الوقت قد حان لفتح مسالك جديدة تخرق إلى المعرفة العميقة متجاوزة المظاهر اللإوالية (mécanistes) للعلم، باحثة عن الأثر -الذي يكاد يكون غيبيا- لشيء آخر قريب وغريب، قوي وغامض، علمي ومستعص على التفسير في نفس الوقت، قد يكون هو الله) 8 .

استشهادات من بين ظهراني الحداثة تبين أن الله يداول الأيام بين الناس وأن العاقبة للفطرة التي فطر الله الناس عليها.

أقر العلم العقلي بعجزه ويأسه من إمكانية سبر أغوار الكون والوجود ليبقى الوحي هو المصدر الوحيد للمعرفة، المجيب الأول عن الأسئلة الوجودية التي أصبحت تطرحها الحداثة: لماذا وجدت؟ ما مصيري بعد الموت؟ ما واجبي؟

تسليم الحداثة

الإنجاز الفكري الذي جاء به الإمام المجدد، هو مصطلح “تسليم الحداثة”، أي جعلها في صلب مشروعنا التجديدي.

حرب شاملة، تدعونا إلى امتلاك وسائل الحداثة الإيجابية من جهة والتصالح مع فطرتنا من جهة أخرى من أجل تحقيق موعود الله ورسوله: الخلافة على منهاج النبوة.

تسليم الحداثة يبدأ من الأقطار الإسلامية. تضع الدولة يدها في يد الشعب من أجل إحياء الفطرة وتغيير الذهنيات الفاسدة. ولن تنجح في ذلك إلا إذا برهنت على قدرتها لاستيعاب الآخر بالمحبة والمودة والعناية.

نحتاج إلى الاهتمام بالطفولة كعنصر بشري قابل للتكوين وإعادة الصياغة. كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما من مولود إلا ويولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه” 9 ، وكشريحة أساسية لبناء مستقبل الإسلام على أساس تربوي وتكويني متين تم الاهتمام بمحور ومركز التربية: المرأة.

نريد امرأة مسلمة تتخذ القرآن دليلها ورضى الله همها، مناهضة للميوعة والانحراف.

يقول الإمام المرشد: وعن البناء العملي من الأساس تحدثنا ونتحدث حين نريد للمومنة تعميق إيمانها وتعلقها بربها وبالدار الآخرة، حتى تتأصَّل في أعماق روحها وفي أكناف قلبها إرادة العمل الصالح، مطمئنةً إلى أن الشريعة السمحة لاَ تظلمها مِن حقوقها شيئا إن جهَّلها الانحطاط التاريخي، وكَمّ فمها، وعزلها وراء الجدران، وحرم أن يظهر ظفرها في الوجود. )الأم المريدة وجه ربها، الخائفة منه، المشوقة إلى لقائه، الواثقة بوعده، المتعلمة العالمة بما لها وما عليها مِمَّا رسمته لها شريعته، العامِلة على ذلك، هي الأس، ومنها البناء) 10 .

وتكوين الشخصية المسلمة يحتاج منا إلى:

– مصاحبة كتاب الله لنجيب عن السؤال الجوهري: إلى أين أسير؟

– إحياء مظاهر الإسلام (الصلاة، الزكاة، الصوم، الحج…) والخروج من الإسلام الوراثي.

– قطع الحبال مع أجواء الرذيلة مع التحمل الرفيق لردود فعل الآخر.

– البحث عن صحبة روحية تأخذنا إلى الله تعالى نرتقي معها من إسلام إلى إيمان إلى إحسان.

– المساهمة من أجل بناء دولة الإسلام بذلا للنفس والمال والوقت والجهد.

– العمل على بناء دولة القانون، القانون القرآني ومناهضة عاهات الرأسمالية.

– بناء تصور جديد للحكم وللسياسة:

* تثبيت الرجل المناسب في المكان المناسب.

* الصبر والمدافعة.

* الاستطلاع اليقظ للمشهد السياسي.

خاتمة

في الختام أشير إلى أن الإمام عبد السلام ياسين يبني نظرياته التغييرية على تحليل الواقع في إطار التغيرات التاريخية التي ساهمت في بنائه مع فتح الباب للحوار والتواصل مع جميع الأطراف، أصدقاء كانوا أم خصوما مؤكدا قبل ذلك وأثناءه وبعده على القضية الجوهرية المتعلقة بمعنى وجود الإنسان ومصيره حتى لا يزيغ الحوار والتحليل عن الغاية المحورية، ألا وهي الولاء والخضوع لله سبحانه وتعالى. قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين.


[1] محنة العقل المسلم. الأستاذ عبد السلام ياسين.\
[2] A. Touraine. critique de la modernité.\
[3] الإسلام والحداثة ص 44.\
[4] L’islamisme en face édition la decouverte; p 70.\
[5] الإسلام والحداثة ص 74.\
[6] سورة الأنفال الآية 22.\
[7] La société en quête de valeurs; Laurent de Mesnil. Paris.\
[8] La société en quête de valeurs,Op.Cit, P.16.\
[9] رواه البخاري.\
[10] تنوير المومنات: الأمهات المومنات صانعات المستقبل.\