نصوص مؤصلة:

قال صلى الله عليه وسلم: ”أبشروا وأملوا ما يسركم”، وهذا منهاج نبوي للتفاؤل بالخير ورجائه والتبشير به. وكانت حياته صلى الله عليه وسلم مليئة بمثل هذه المواقف؛ فكان يحب التفاؤل بالخير والاستبشار والتبشير به، روى الإمام أحمد وابن ماجة وغيرهما بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ”كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الفأل الحسن ويكره الطيرة”، والطيرة هو التشاؤم بالشيء. وعند مسلم: ‘‘ويعجبني الفأل الصالح والكلمة الحسنة”. وفي فتح الباري نقرأ: ”كان صلى الله عليه وسلم يحب التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله لأنه يحب الفأل الحسن إذ أصحاب اليمين هم أهل الجنة”.

من مواقف الاستبشار في السيرة النبوية:

لما أخبر صلى الله عليه وسلم، في صلح الحديبية، أن ممثل قريش هو سهيل بن عمرو رد قائلا: ”سهل الله أمركم”. وحتى في أحلك الفترات التي مرت بها الدعوة النبوية مثل غزوة الأحزاب تراه صلى الله عليه وسلم متفائلا ويبشر بغد الإسلام المشرق؛ فكان كلما ضرب الصخر بالمعول صاح: “الله أكبر أعطيت مفاتح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا”… وفي غار ثور كان يثبت سيدنا أبا بكر قائلا له: ”ما ظنك باثنين الله ثالثهما”، وكأني به يعيد نفس موقف سيدنا موسى عليه السلام عندما وصل ببني إسرائيل إلى البحر ولحق بهم فرعون وجنوده فقال الله عز وجل على لسانهم: إنا لمدركون فأجاب الله عز وجل على لسان موسى عليه السلام إن معي ربي سيهديني. كل هذه المواقف النبوية محطات لتربية الجيل الأول ومن يعقبه من حملة مشعل هذه الدعوة أن الشدة يعقبها الفرج وأن مع العسر يسرا وأن الله غالب على أمره؛ قال تعالى: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا، فهي سنة الله الثابتة أن ينصر دعوته وأهلها ويستخلفهم في الأرض رغم كيد الأعداء وجسامة الخطوب… ففي ثنايا المحن ينبعث النصر.

البشارة دعامة من دعامات المنهاج النبوي:

قال الإمام المرشد رحمه الله في المنهاج النبوي ص 279: ”البشر والاستبشار والكلمة الطيبة، الكلام الواضح الهادئ الوقور، الإقبال على السائل وحسن الاستماع، الانبساط للناس، التبشير لا التنفير”… على هذه الأسس المنهاجية يجب أن تتأسس دعوتنا، نتعلمها في مجالسنا ولقاءاتنا بمصاحبتنا لمن تحققت فيهم من أكابر الجماعة ومسؤوليها من ذوي السابقة، أولئك الرجال الذين تشربت قلوبهم هذه المعاني وتمثلتها جوارحهم فاستحقوا القيادة والقدوة لمن معهم من المؤمنين. فهذه المعاني القلبية تسري بين القلوب عندما تلتقي الأشباح فيقتدي بعضها ببعض، ثم ينتقل هذا الخير إلى أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما تستحق الجماعة إمامة الأمة، وذلك هو اقتحام عقبة التغيير، فخلق البشر والانبساط وخفض الجناح هو من يضفي على علاقاتنا معاني روحية قلبية تعصمها من القسوة والجفاء. قال الإمام المرشد رحمه الله: “إن جند الله لا ينشأون نشأة عفوية على أخلاق الرجال وإيمان الرجال وعزائم الرجال وعبودية الرجال لله عز وجل. إنما تؤلفهم التربية، ويؤلفهم التنظيم، ويجمعهم ويوحدهم آصرة الإحسان… تربية جند الله وتأليفهم مقدمة لكل عمل جهادي ينبري للعظائم” (مقدمات لمستقبل الإسلام، ص: 43). أصرة الإحسان هي الصحبة والخلاص الفردي والجماعي من العظائم الموجبة للاقتحام.

العاقبة للمتقين والمستقبل لهذا الدين:

أخرج الإمام أحمد رحمه الله عن المقداد بن الأسود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ”لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر (الحاضرة والبادية) إلا أدخله الله كلمة الإسلام بعز عزيز أو ذل ذليل”؛ يعزهم بأن يجعلهم من أهله أو يذلهم فيدينون له. قال المرشد رحمه الله: ”هذا الحديث يبشر بظهور الإسلام وعزته وانتشاره في الأرض انتشارا يعم ظهرها. وهذا ما لم يحدث بعدُ. ولعل الله عز وجل يذخر للآخرين رجال الخلافة الثانية مِثلَ ما يسر على يد الأولين” (مقدمات لمستقبل الإسلام، ص: 32). كل هذا يحتاج من جند الله إيمانا صادقا يحيي القلب بحب الله ورسوله وبتصديق وعدهما والتحاب في الله الذي يجعل الصف متينا متماسكا قويا كالبنيان المرصوص ويرفع الصف إلى مصاف الذين سبقونا بالإيمان من الصحابة الذين نالوا الشرف الأول. ولا ينال الشرف الثاني، شرف تجديد الدين في أفق الخلافة الثانية، إلا من نسج على منوالهم. قال الإمام المرشد رحمه الله: ”أما من يحمل همم الرجال ويتصدى لمهمات الرجال ويحدث نفسه بمزاحمة الرجال على باب الله الكريم الوهاب فهي الغنيمة المثلى، أن يصبر في الواجهة ويقاتل نصرة لله مقتحما وهج نار الفتنة ولفيح التيار الجاهلي الغازي فيفوز بأجر خمسين منهم رضي الله عنهم” (مقدمات لمستقبل الإسلام، ص: 40-41).

الأخذ بالأسباب:

يلزم أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تتواصى على خلق الثبات والاستبشار وتعلم اليقين وحسن الظن بالله تعالى أن تأخذ بأسباب النصر والتأييد، وذلك بالتوكل على الله حسن التوكل، فالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يعلمنا عبر سيرته العطرة أن إعداد العدة يساعد على الثبات والاستبشار بالنصر، كما يعلمنا أيضا أن نصر الله لا يتنزل على الجبناء ولا على الكسالى، فقد استنفد صلى الله عليه وسلم كل الجهد تخطيطا وإعدادا وتحريضا ثم قبل كل هذا وأثناءه وبعده يرفع يديه إلى السماء ويدعو حتى أشفق عليه سيدنا أبوبكر رضي الله عنه. قال الإمام المرشد رحمه الله: ”فكلمة الله حق، ووعده صدق. خاب وخسر من في دُجْنَة الارتياب نام، ومن مَنَعه عادة القعود وخوف الناس من الهبة والقيام…. من على عينيه غشاوة الشك أنَّى يبصر تباشير الصباح، ومن في آذانهم وقر لا يغني فيهم النداء والصياح. شمس الإسلام در شعاعها، وقافلة الجهاد يتوالى سيرها وإسراعها. وعلى الطريق لا بد من رفيق. في كتاب الله الهدى، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم نفسي له الفدا. وإنما رُفقة الجهاد لرسم المنهاج، ثم لتذليل العقبات وخرق كل سياج”.  (مقدمات لمستقبل الإسلام، ص: 4).