محسن فكري شاب مغربي، مثله مثل الشريحة الكبرى لشباب المغرب، لم تسعفه الظروف الاجتماعية القاسية التي عاشتها أسرته، ويعيشها المغاربة جراء عقود من استفحال الاستبداد والفساد وإهدار مقدرات الوطن واحتكارها دون مستحقيها الحقيقيين، من استكمال دراسته فغادرها مكرها، متنقلا بين أعمال بسيطة وهامشية متسلحا بالتفاؤل والأمل رغم قسوة تلك الأعمال، ليظفر بعد كد وجهد بدبلوم بحار، اشتغل به برهة من الزمن، ليعود لممارسة نشاطه التجاري، هذه المرة في الأسماك.

وما إن ظن محسن أنه بدأ يعوض عن نفسه وعائلته تعاسة الطفولة، حتى وجد سبب تعاسته يقف في وجهه مرة أخرى، كأنه أريد له أن يظل في فقره معدما، فقد قامت السلطات المحلية لمدينة الحسيمة يوم الجمعة 28 أكتوبر 2016، بطريقة استعلائية جبروتية، بمصادرة أسماكه التي أعدها للتجارة لترمي بها في شاحنة للأزبال، فما كان منه إلا أن ارتمى في تلك الشاحنة محاولا إيقاف هذا الحقد الأسود، ليصدر أمر طحن الشهيد وأسماكه بدم بارد وقلب ميت. وكأن رسالة الطاحن تود أن تقول لمحسن وشعب محسن: “قدركم أن تعيشوا محرومين من خيرات وطنكم، التي هي حقنا كأسياد عليكم، وما فضل عن حاجتنا منها فنرميه في حاويات الأزبال عوض أن يذهب إليكم”.

بعد استشهاد محسن هبت الحسيمة وأحوازها ومعهما الشعب المغربي، ليصرخ الجميع في مسيرات وتظاهرات دامت أكثر من سنة، أن قاتل محسن قتل قبله عددا ولا زال يقتل أعدادا أخرى من المغاربة، يقتلهم الفقر والتهميش، يقتلهم الفساد ونهب ثروات البلاد، يقتلهم غياب التوزيع العادل لثروة الوطن، يقتلهم زواج السلطة بالثروة، يقتلهم تحالف الفساد والاستبداد لعقود على احتكار مقدرات الوطن.

وعوض أن تلتقط الدولة رسالة شعب تكررت مرارا وتكرارا تقول أن دوام الحال من المحال، وأنه قاد آن الأوان لتعود ثروات الوطن لكافة أبنائه، زجت السلطة بالمحتجين في غياهب السجون لقرون، وكممت أفواه الصحفيين، وكسرت عدسات المصورين، وكأن الاستبداد لا يريد أن يرانا إلا أمواتا في القبور أو معتقلين في السجون أو ذليلين صامتين..

ما وقع لمحسن، ومي فتيحة وحياة وفضيلة… وكل الأسماء المغربية نالها حظ من الظلم السلطوي التسلطي، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، تعبير عما وصل إليه بلدنا للأسف من مهوى خطير بسبب سياسات مدبري شؤونه، سياسات مبدأها ومنتهاها أن يرتع القلة الممسكون بزمام الحكم في خيرات الوطن دون رقيب أو حسيب أو شريك، بينما أريد للسواد الأعظم من الشعب أن يقبع في دركات الفقر والقهر والاستبعاد والقتل.