يقول الراغب الأصفهاني في المفردات: “التربية هي إنشاء الشيء حالا فحالا إلى حد التمام” 1 وأشار الألوسي صاحب “روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني” إلى نفس المعنى حيث اعتبر أنها – أي التربية- “تبليغ الشيء إلى كماله بحسب استعداده الأزلي شيئا فشيئا” 2.

وإن الإمام الرازي قرر من خلال تبحره في تفسير الآيات التربوية الواردة في سورة لقمان أنه “من لا يكون كاملا لا يمكن أن يصير مكملا” 3 وهو ما نعبر عنه في المثال الشعبي الدارج ”فاقد الشيء لا يعطيه”، لذا فإن عملية التربية تدور رحاها على شخص المربي معلما كان أو ولي أمر، ومدى رقيه في مدارج التربية وتسلحه بوسائلها وتبحره في أساليبها وطرقها، فالولد يتشرب النقص أو الكمال من مربيه ووالديه إيمانا وخلقا وعلما.

وقد مر معنا في مقالات سابقة في هذه الشذرات مجموعة من الأساليب التربوية النبوية – النظرية والعملية- وكيف كانت نبراصا للمجتمع الإسلامي الأول ومنارة لأجيال الصحابة والتابعين، ووقفنا على مناهج الرسول صلى الله عليه وسلم التربوي في علاقاته مع أسرته الصغيرة والكبيرة، وكيف استطاع الحبيب صلى الله عليه وسلم الجمع بين فقه التربية وأساليبها وفقه تنزيل ذلك على الواقع. وما زلنا في الكلية النبوية نمتح من معينها الذي لا ينضب، وهذه المرة نقف على أسلوب تربوي راق، قلما انتبه له المربون، التحفيز.

 سنبين الحاجة التربوية لهذا الفن من خلال المطالب التالية:

المطلب الأول: التحفيز لغة واصطلاحا

1- لغة:

 التحفيز لغة من “حفزه يحفزه: دفعه من خلفه وبالرمح طعنه وعن الأمر أعجبه وأزعجه” 4.

 وجاء في المعجم الوسيط: “حفزه إلى الأمر: حث عليه5. ويقول الرازي في مادة (حفز) “الحفز مسك الشيء من خلفه سوقا وغير سوق… والحفز الحث والإعجال… وكل دفع حفز.” 6

وبهذا يكون فعل حفز بمعنى: دفع وحث وشجع، وعجل، وكلها تدخل في مجال رفع الهمة وشحذ العزيمة وتقدير الفعل والفاعل معا.

2-اصطلاحا:

إن مفهوم التحفيز يختلف ويتنوع حسب المجال الذي يستخدم فيه، فهناك مثلا التحفيز الذاتي والتحفيز المعنوي النابع من ذات الإنسان، يعني من روحه ووجدانه، وهناك تحفيز خارجي يكون بمؤثرات مادية أو معنوية خارجية، تشجع الإنسان على أداء عمله بإتقان وسرعة. وبهذا المعنى يكون التحفيز هو «شعور داخلي لدى الفرد يولد فيه الرغبة لاتخاذ نشاط أو سلوك معين يهدف منه الوصول إلى تحقيق أهداف معينة» 7.

أو هو “عبارة عن مجموعة من الدوافع التي تدفعنا لعمل شيء ما”.

وعرف التحفيز بأنه «عبارة عن مؤثرات خارجية، تحفز الفرد وتشجعه على القيام بأداء أفضل» وعرف كذلك بأنه «عبارة عن العوامل أو العناصر التي تشبع النقص في حاجات الأفراد»  8

 وتتعدد التعريفات لمفهوم التحفيز بتعدد مجالات الاستعمال حيث ذهب طارق سويدان ومعه محمد العدلوني في خماسيتهما؛ أن التحفيز هو “اكتساب الفرد مستوى الثقة بالنفس، وذلك للوصول إلى مستوى قدراتهم… وهو وصول الأفراد إلى حالة الشغف والتلهف والسرور بأعمالهم، ومحاولة إيصالهم إلى مرحلة القيام بكامل العمل ودون تدمر أو شكوى، وبلوغهم مرحلة الفداء بكل شيء في سبيل مصلحة العمل.” 9

وعرفه بعضهم بأنه «إحساس أو شعور أو عامل يثير المربي لخيارات سلوكية محددة؛ فما يختار المربي من أهداف للانجاز أو التحصيل وأنواع وكيفيات السلوك التي يتبناها في تحقيق هذه الأهداف تتأثر مباشرة بطبيعة ودرجة التحفيز والحوافز الإنسانية التي يخبرها»” 10.

وبهذا يكون التحفيز عبارة عن كل قول أو فعل أو إشارة تدفع الإنسان إلى سلوك أفضل، أو تعمل على استمرار الإنسان على ما فيه من فضل.

المطلب الثاني: التحفيز في القرآن الكريم

جاء التحفيز بصورة متعددة ومتنوعة في آيات القرآن الكريم نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:

1. قال تعالى: إِنَّ الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ إِنّا لا نُضيعُ أَجرَ مَن أَحسَنَ عَمَلًا 11 جاء الأجر هنا في الآية شاملا لكل المزايا التي يعطيها ويمنحها الله عز وجل لعباده الصالحين سواء أكانت مادية أو معنوية.

2. قال تعالى: وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خيرا يَرَه  12 الحافز هنا جاء بصورته الايجابية بمعنى الثواب، كما أن في الآية التي تليها الصورة السلبية بمعنى العقاب لمن عمل الشر ولو بمثقال ذرة.

3. يقول عز من قائلا: مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشرُ أَمثالِها 13 الحسنة بعشر أمثالها والسيئة فقط بمثلها،

4. وقال تعالى: وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّـهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّـهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِين 14 الآية تظهر التوازن التربوي الذي يحث عليه الإسلام ويحفز عليه، في تربيته بالجمع بين الجانب الروحي والمادي.

5. وقال سبحانه بعد ذكر عاقبة الظلم و الظالمين وَأَمّا مَن آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَلَهُ جَزاءً الحُسنى وَسَنَقولُ لَهُ مِن أَمرِنا يُسرًا 15 إشارة لابد منها وهي العدل والإنصاف في التحفيز.

هكذا يتميز التحفيز في القرآن الكريم في طبيعته عن أنواع التحفيز الأخرى، حيث ينفرد بمميزات وخصائص لا توجد في غيره. “وذلك لأن القرآن الكريم كلام الله المنزل من عنده على رسوله صلى الله عليه وسلم المتعبد بتلاوته، المحتكم بأحكامه، المتقيد بتعاليمه وتوجيهاته، يتضمن في آياته الكثير من الصفات المعنوية والتي رتب الشرع على الاتصاف بها الجزاء الأوفى، مما يبعث في النفس البشرية الحافز الأكبر على الاجتهاد في العمل حرصا على بقاء الصلة قوية بالله عز وجل” 16..

والإنسان بفطرته يتأثر بالعقاب كما يتأثر بالثواب، لهذا نجد أن القرآن الكريم، قد عني بهذا الجانب وجعل التحفيز به ظاهرة تسم الآيات القرآنية المبشرة بالأجر الكبير لمن آمن وعمل الصالحات ، قال تعالى: مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أَو أُنثى وَهُوَ مُؤمِنٌ فَلَنُحيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجزِيَنَّهُم أَجرَهُم بِأَحسَنِ ما كانوا يَعمَلونَ 17.

 ويعلق الإمام الشوكاني على الآية فيقول: “شروع في ترغيب كل مؤمن في كل عمل وهو مؤمن جعل سبحانه الإيمان قيدا في الجزاء المذكور، لأن عمل الكافر لا اعتداد به، ثم ذكر سبحانه الجزاء لمن عمل ذلك العمل الصال.” 18.

المطلب الثالث: أهداف التحفيز

مر بنا في مطلب التعريف أن التحفيز هو التحريك والدفع إلى الأمام، ويكون عبارة عن قول أو فعل أو إشارة تدفع الإنسان إلى سلوك أفضل، أو تعمل على استمراره فيه، وهي إما حوافز ذاتية داخلية كمراقبة الله تعالى، والرغبة والطموحات عامة، أو هي دوافع خارجية مثل المكافآت والعلاوات والسلوكيات والتنويهات والتشجيعات المادية والمعنوية.

 ويهدف التحفيز التربوي عموما إلى تحقيق نتائج من أهمها:

1- إتقان العمل:

إذا كان العمل الذي يؤديه الإنسان عبادة يتقرب بها إلى الله تعالى، فالحافز الذاتي الداخلي هو الذي يدفعه لإتقان العمل وتجويده حتى يكون صوابا ومقبولا في آن. يقول الدكتور يوسف القرضاوي: ”والمؤمن لا يكتفي بالاندفاع الذاتي إلى العمل، بل يهمه أن يجوده، ويتقنه ويبذل جهده لإحسانه وإحكامه” 19 الإتقان والجودة بمعنى الإحسان.

وتختلف أهداف التحفيز باختلاف مجالات العمل وتنوعها. فالوالد يحفز ابنه تقوية لشخصيته وإسهاما في ثقته بنفسه واستمرارا في الاجتهاد والتفوق الدراسي، والمربي المعلم يحفز تلامذته لتجويد التعلم والانتباه والانضباط في الفصل والاستمرار في المشاركة، ورب المعمل يحفز العمال لإتقان العمل وعدم الغش فيه وزيادة الإنتاج، والمدير والرئيس… وهكذا كل في مجاله يحفز بهدف إتقان العمل وتجويده، فقد كتب الله الإحسان في كل شيء ، وما يأتي بالرفق والتحفيز لا يأتي بالعنف والمحاسبة والمراقبة.

2- ديمومة العمل:

من أهداف التحفيز عموما هو تبات الأداء واستمرار العطاء، قال تعالى: وَاعبُد رَبَّكَ حَتّى يَأتِيَكَ اليَقينُ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ”خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل”  20

هذا في العبادة والتحفيز على الاستمرار فيها دون إفراط أو تفريط بوسطية واعتدال حتى نضمن الاستمرار، وهكذا هدف التحفيز في أمور الدنيا من عمل وتعليم وتربية أبناء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لو قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أحدكم ألا تقوم حتى يغرسها فليفعل” 21.

فلكي نضمن دوام النفع لا بد من التحفيز عليه، طاعة الوالدين وتحتاج لتحفيز، كما العبادة في الصغر تحتاج إلى تحبيب، دوام الاجتهاد والخلق الحسن من الوليد والتلميذ تحتاج إلى تحفيز بالكلمة والإشارة والهدية وغيرها.

3- سرعة إنجاز العمل:

في القرآن الكريم كثيرة هي الآيات التي نبهت على أهمية الوقت وأكدت على حتمية أداء العمل في وقته المناسب دون تأخير أو تقديم، قال تعالى في الصلاة: إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا 22 ومثل هذا في الصوم والحج… إن أساليب التحفيز التربوي تدفع المحفز، كيف ما كان، إلى المسابقة والمسارعة لإنجاز عمله بحماس وهمة عالية وسرعة فائقة، وهو وسيلة ناجحة وناجعة لمحاربة التسويف والكسل.

4- التميز في أداء العمل:

المتتبع لآيات القرآن الكريم، يظهر له جليا كيف حرص الكتاب العزيز على التحفيز على العمل من أجل التمييز والأخذ بالأحسن، قال تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ 23 ويقول سبحانه: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ 24 ويقول عز من قائل: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ 25 ومثل هذا كثير جدا في القرآن الكريم.

فالتحفيز له دور تربوي مهم وخطير في الآن، فغيابه يعرض كل الأعمال للخطر، ووجوده في الوقت المناسب والمكان المناسب، يساعد على التميز وتحسين الصورة أمام الجميع، سواء كانت شركة عمل أو أفراد أسرة أو تلاميذ في القسم، فالتحفيز هنا ”هو المحرك الأساسي الذي يدفع الأفراد لتحقيق وإرضاء رغباتهم، والإجابة على كل ما يطلب منهم” 26.

ويلخص الدكتور مرعي أهمية التحفيز فيما يلي:

أ‌- السبيل إلى المبادرة المستمرة والإبداع المتجدد.

ب‌- مقترحات تعالج جوانب القصور الحاصل في العمل.

ت‌- أداة للتغيير والتطوير والتصحيح.

ث‌- يؤدي إلى تحقيق التوازن الحيوي.

ج‌- يحدث رد فعل قوي في بيئة العمل الداخلية والخارجية. 27


[1] الراغب:” المفردات في غريب القرآن” تحقيق محمد سيد الكيلاني القاهرة 1961.
[2] شهاب الدين الألوسي “روح المعاني” ط دار إحياء التراث العربي د.ت.
[3] الإمام الرازي ، التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب دار الفكر. بيروت ط. 1995.
[4] القاموس المحيط محمد بن يعقوب الفيروز آبادي. ج 1 ص: 246 و ص:183.
[5] المعجم الوسيط. إبراهيم أنس وآخرون ج 1، ط 2 المكتبة الإسلامية، القاهرة د ت ص: 186.
[6] مختار الصحاح، محمد أبي بكر الرازي، مكتبة النوري دمشق(مادة حفز) ص: 53.
[7] الحوافز، عادل الجودة ،د ط المنظمة العربية للعلوم الإدارية 1983 ص: 13.
[8] السلوك التنظيمي، عبد المجيد عبد الغني الطجم، دار النوابغ جدة ص:93 .
[9] خماسية الولاء، طارق سويدان محمد العدلوني،ط1 قرطبة للإنتاج الفني الرياض،ص:16-17.
[10] تحفيز التعليم والتحصيل.. مفاهيم ونظريات تربوية. محمد زياد حمدان.ص:7 دار التربية الحديثة. جدة.
[11] سورة الكهف الآية: 30
[12] سورة الزلزلة الآية: 7
[13] سورة الأنعام الآية:160.
[14] سورة القصص الآية: 77
[15] سورة الكهف الآية: 88.
[16] حوافز العمل في الإسلام والنظريات الوضعية. محمد عقلة إبراهيم ص: 52-53
[17] سورة النحل الآية: 97.
[18] فتح القدير. محمد بن علي الشوكاني، ج 3، ص: 193.
[19] الإيمان والحياة، يوسف القرضاوي ص 274.
[20] الجامع الصغير المختصر، البخاري،ج5 مرجع سابق، ص 2201 حديث 5523.
[21] الأحاديث المختارة، عبد الواحد المقدسي، تحقيق عبد المالك بن دهش. ج 1 ط1 مكتبة النهضة الحديثة مكة المكرمة 1410 ص 264 رقم 2715.
[22] سورة النساء الآية 103.
[23] سورة آل عمران الآية 110.
[24] سورة الملك الآية 02.
[25] سورة الزمر جزء من الآية 17.
[26] المرجع المختصر في الإدارة ،عبد الرحمان إيمان ،شعاع للنشر والعلوم ط 1. 2005.
[27] التحفيز المعنوي وكيفية تفعيله في القطاع العام الحكومي الغربي، المنظمة العربية للتنمية الإدارية. 2003م ص :7.