قريبا من اليوم الوطني للمرأة المغربية، وبالضبط يوم الأربعاء 26 شتنبر 2018، وبدم بارد وبصلافة المستبد الذي لا يراعي حرمة ولا ذمة، “الآمن” في سرب المستبدين ما دام ليس ثمة من يحاسب ويعاقب، وأثناء تدخل عنيف للقوات العمومية لمنع مسيرة سلاليي وسلاليات آيت مروول بإقليم آزرو، عمد أحد عناصر قوات “الأمن المفقود” إلى لف الراية المغربية حول عنق سيدة مشاركة في المسيرة “فضيلة عكيوي” ليرديها قتيلة خنقا أمام أنظار أفراد من عائلتها وكل من كان حاضرا في المسيرة، فأزهق التسلط روح نفس بريئة ووأد معها جنينها المطمئن في أحشاء أمه؛ فقد كانت هذه السيدة (38 سنة) المشتغلة في إحدى الضيعات الفلاحية حاملا في شهرها الثالث قيد حياتها.

تحمل الحادثة/الفاجعة دلالات كثيرة، أبشعها إطلاق يد رجال “الأمن” في التعامل مع المتظاهرين بكل الأشكال؛ فمن البديهي أن تخضع قوات الأمن بجميع ألوانها لتكوين يخول لها التعامل مع مختلف الوضعيات التي تحتاج تدخلها، والبديهي أيضا أن يفرق هؤلاء بين مجرم خطير يتابعونه ويخافون على الناس منه، على أساس أن عملهم الأساس هو حفظ الأمن والسلامة للمواطنين، وبين وقفة أو مسيرة احتجاجية سلمية مسقوفة بوقت معين وتؤدي هدفا معينا يكون في الغالب التحسيس بمعاناة فئة معينة، وقد رأينا في غير ما شريط تقنيات خاصة يستعملها متدربون على فض الاحتجاجات في البلدان التي تحترم مواطنيها بعيدة كل البعد عما نراه من همجية والعنف في فض الاحتجاجات والمعتصمات عندنا. فليس من المقبول أبدا وتحت أي ظرف أن يعمد رجل من القوات العمومية إلى خنق محتج، والأنكى من ذلك أن يكون العلم الوطني هو أداة الجريمة.

إن عمل رجل الأمن هو إيصال “المجرمين” للعدالة لتقول كلمتها، أما إن أصبح يمنح نفسه حق إصدار الحكم بالإعدام وتنفيذه على الأرض، فهذا لعمري شطط ما بعده شطط وظلم مؤذن بالخراب، وهو الفعل الذي يعكس، للأسف الشديد، بنية جهاز بأكمله يعيث في الأرض فسادا كيفما شاء دون رقيب أو حسيب، في تحد سافر للقوانين التي يفترض أن يكون رجل الأمن أحد حلقات تثبيتها. وفي أحسن الأحوال، وكما دلت وقائع سابقة، يعلن عن فتح تحقيق لا تعلم سيرورته ولا نتائجه، وقد تتخذ تدابير عقابية مخففة لا تناسب شناعة الجرم المرتكب أمام عشرات الشهود لو كان جهاز القضاء مستقلا وعادلا، وهو ما لم يعد يثق فيه أحد بقوة الواقع.

ولنعد إلى المرحومة فضيلة، امرأة اكتوت بنار ظلم الوضع الاجتماعي المتردي، حيث أرغمتها ظروف العيش المريرة على الانسلاخ عن دفئ البيت والخروج إلى وهج عمل غير مهيكل لا وقاية فيه من حرّ أو قرّ، هي مثال لنساء كادحات معيلات لعائلات في ظل أوضاع اقتصادية واجتماعية متردية فرضت على جزء من الرجال أن يصبحوا “قواعد” بيوت ومقاهي وأزقة لتقوم مقامهن في البحث عن مصدر الرزق النساء، وفرضت على جزء آخر العمل بأجور زهيدة لا تكفي لإعالة أسرة، ناهيك عن تلك التي فقدت معيلها، لتجد نفسها مضطرة لتقمص أدوار الرجل والمرأة وفي ظروف قاسية، بعد أن تخلت الدولة عن هذه الفئة الهشة، وكان الأولى أن تحفظ لهن كرامتهن وحقوقهن عن طريق استحداث صناديق خاصة بالتكافل الاجتماعي وتفعيلها وإيجاد بدائل تنموية، وهو الورش الذي طالما تشدقت به أطراف في الدولة والذي مني بفشل ذريع ما مأساة فضيلة إلا واحد من تجلياته. حتى إذا أعيى المرأة هذا الضنك وخرجت تطالب بحقها في خيرات أرض أجدادها اعتبر قاتلها الأمر جرما قبيحا تستحق عليه الإعدام ونفذ حكمه في الحال دون تردد أو خوف أو وجل ولا انضباط لمقتضيات مهنته.

أما أداة الجريمة، العلم المغربي كما أخبرت بذلك شقيقة الشهيدة ومجموعة من الشهود، فهي تقطع ذاك الوتر، الذي لم يعد للدولة/السلطة مخرج إلا هو بعد فشل السياسات التدبيرية للخروج من الأزمات تباعا، وهو التوسل بحس الوطنية والمواطنة. فعن أي مواطنة نستطيع التحدث مع كل هذا الاستهتار بحياة المواطنين وبراية الدولة التي أصبحت وسيلة للخنق. هي صورة جلية لوطن يخنق أبناءه.

ثم إن المرأة كانت تخرج ضمن العشرات من بني قبيلتها مطالبة بحقها في ملف ما يعرف بالأراضي السلالية بآيت مروول، حيث سلمت فرق القبيلة “أيت بوبكر” و”أيت حدو وعلي” أراض سلالية بـ”عين عرمة” بإقليم مكناس في إطار مبادلة بأراض في ملكيتها بـ«أداروش»، لتتفاجأ الجماعة السلالية باستيلاء لوبيات على أراضيها، إذ تم كراء ما يقارب من 155 هكتارا من الأراضي الفلاحية لمستثمر بمبلغ 1750 درهما للهكتار، لمدة 39 سنة، وشكك أعضاء الجماعة أن الكراء شابه تلاعب، مقدرين ثمنه الحقيقي في 3000 درهم، مما دفعهم إلى المطالبة بإلغاء عقدة الكراء أو مراجعتها لتتماشى مع مقتضيات القوانين الجاري بها العمل، وخوض هذا الشكل الاحتجاجي. في تجل آخر من تجليات الفساد الذي يعم مفاصل الحياة العامة والخاصة، حيث أضحى للفساد بنية قائمة بذاتها، تتحكم في مقدرات وأرزاق الشعب تحت أنظار أصحاب الحق، وبدل الوقوف على حقائق الأمور وفتح تحقيق في الموضوع وإشراك الساكنة في الأمر حتى يحصل لديها الاطمئنان، تم التضييق عليها والحؤول ضد احتجاجها في محاولة لخنق أصوات المطالبين بحقهم، وكأن الفساد قدر مقدور لا يجوز الاعتراض عليه.

يحق لنا، تبعا لما نعيشه من التردي والفشل والجنوح نحو إخماد الأصوات الحرة بشتى الوسائل حتى القتل منها، أن نتساءل: ألا تكفي عدد الأرواح التي أزهقت حتى الآن من النساء والرجال لتجعل أجهزة الدولة تجنح للتخلي عن سياساتها الفاسدة في التسيير وعن استبدادها في تجميع جميع السلطات ومقدرات الدولة في يد واحدة؟