رغم مضي بضعة مواسم دراسية على إحداث المسالك الدولية للباكالوريا المغربية، لا يزال الجدل مستمرا حول مآلات هذه التجربة وأثرها الفعلي على جودة التعليم، خصوصا فيما يتعلق بتدريس المواد العلمية التي تشهد تراجعا مستمرا وانتكاسة حقيقية عرتها الاختبارات الدولية التي وضعت التلاميذ المغاربة في مراتب جد متدنية مقارنة بأقرانهم في كثير من الدول المحسوبة على العالم الثالث.

ما يثير في هذه الخطوة أنها لم تتسم بالوضوح والصراحة اللازمة، فالجهات الرسمية لم تكن صادقة في كل ما روجته بصددها، وحادت عن الأهداف المقررة لها لتتحول الباكالوريا الدولية من فرصة للمتعلم لتنويع خياراته والمساهمة في انفتاحه على لغات أخرى وفتح آفاق جديدة أمامه كما كان يروج إلى توجيه قسري له نحو خيار بعينه أجهز على منافسيه في مهدهم وأصبح يهدد القديم، مستعينا بما راكمه القطاع الخاص من قوة ومن نفوذ لتنزيله بالتدريج، وصولا نحو جعله خيارا أوحد أمام التلاميذ المغاربة.

هذا أمر لم يعد مخفيا وتجاوز مرحلة الهواجس، فخيار العودة لتدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية الذي تدعمه الجهات الرسمية بات يدافع عنه علانية من طرفها، كما أنه لا يحظى بمعارضة شعبية كبيرة، لاسيما من طرف الطبقة المتوسطة التي أصبحت تتسابق لتسجيل أبنائها في هذا الخيار الجديد تسليما بالأمر الواقع حتى وإن رفضت الخطوة من الناحية المبدئية.

 فمنذ التعريب الجزئي للمنهاج الدراسي المغربي الذي استثنى المرحلة الجامعية أصبح الطلاب المغاربة أمام عائق إضافي أثر على مردودية الكثيرين منهم، لكن وبدل المطالبة بالتعريب الشامل لكافة الأسلاك والتخصصات التعليمية اختير الخيار غير المكلف والاستسلام للنفوذ الفرنكفوني في البلاد.

ما يدعم هذا الاتجاه حالة العجز المزمن الذي يشعر به المتعلم المغربي في تحصيله للمواد العلمية الذي عجل بالتغيير، غير أن هذا التغيير التهى بالقشور وترك جوهر الأزمة، فالمدخل اللغوي وإن كان مؤثرا يظل هامشيا إذا ما قورن بالمطبات الكبرى التي يرزح تحتها النظام التعليمي المغربي الذي أفرز تحصيلا علميا رديئا.

أزمة تدريس المواد العلمية عميقة وهي مرتبطة أساسا بغياب أي طموح علمي متقدم من جانب الدولة، وهو ما سبق أن اعترف به الحسن الثاني في إحدى أواخر خطبه، الشيء الذي انعكس على المنظومة التعليمية التي لم تكن مبالية بمخرجاتها في التخصصات العلمية والتي أهملت كل المشاكل والعثرات التي اعترضت المتعلمين فيها، بل وتركتها تتفاقم دون معالجة جدية، فلم تكن الدولة مهتمة بغير احترام الأشكال على حساب المضمون، فلا يهم مستوى الأطر التي تخرجها الدولة بقدر ما يهمها عددها لملء فراغ أجهزتها الإدارية وقطاعات الدولة الحيوية من أجل تقديم وجه عصري للبلد ليس إلا .

وهكذا تركت الفصول الدراسية تعاني من الاكتظاظ المهول الناجم عن غياب البنيات والتجهيزات اللازمة والموارد البشرية الكافية، حيث تبدأ معاناة التلميذ المغربي من سلك الابتدائي بكتب مدرسية عقيمة ذات بعد تجاري أكثر منه تربوي ومعرفي، وفي ظل غياب مدرسين متخصصين في المكونات العلمية التي تهمش ويتعاطى معها كملحقات لمادتي اللغة العربية واللغة الفرنسية، ما يجعل التعلمات الأساسية المرتبطة بها تنتقل له بشكل مشوه ليصل إلى السلك الثانوي عاجزا عن مسايرة مستوى المواد العلمية المتقدم، فلا يجد أمامه غير الدروس الخصوصية، التي رسخت لديه أسلوب الحفظ والتلقين، لترقيع معارفه ومداركه العلمية.

 كما أن الدولة تسامحت مع ظاهرة الغش في الامتحانات التي عرفت طفرة ملموسة بفعل استخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة، حتى وإن حاولت أن تروج العكس بخطوات انتقائية محدودة من باب رفع العتب. هذا دون أن ننسى كذلك ما يجري في مرحلة التقويم من عبث سواء فيما يخص المراقبة المستمرة التي يستفيد فيها جل المتعلمين من نقاط غير مستحقة أو في الامتحانات الإشهادية التي أضحت نسخا مكررة تصمم لمجاراة مستواهم المتدني.

نتجاوز كل هذه الحزمة المعقدة من المشاكل ونتشبث بمسألة سطحية؛ فحتى لو كانت لغتنا الأم هي الفرنسية أو الإنجليزية بظروفنا وأساليبنا المعتمدة ما تغير وضعنا كثيرا، وحتى لو قبلنا بسيادة اللغة الفرنسية على لغتنا الأم فإن المقاربة المقررة لتطوير تدريس العلوم غير صائبة، ذلك أن الاتجاه نحو تدريسها باللغة الفرنسية لا يحل الأزمة بل يكرسها، فإذا كان الطالب الجامعي الراشد مصدوما من الانتقال للدراسة باللغة الفرنسية مع نضجه وخبرته في مراجعته لدروسه، فكيف سيكون حال تلميذ الثانوي والإعدادي وربما الابتدائي حين تجتمع عليه صعوبتين فندمج تعثره في استيعاب المادة العلمية بمستوى لغته الفرنسية البائس الشيء الذي سيؤدي إلى شله وإفشاله مبكرا، مما يبقي الرهان على تعوده على التعلم باللغة الفرنسية بهذا الأسلوب رهانا سخيفا لا يستند لأي منطق.

الحقيقة أن المشكلة الأساسية مرتبطة بالطرائق المعتمدة في تدريس اللغة الفرنسية التي تجعل المتعلمين غير متمكنين منها رغم أنهم يدرسونها في سن مبكرة، ولو حققت أهدافها وكفاياتها المسطرة ما وجد الطلاب صعوبة كبيرة في الانتقال إلى الدراسة بها فيما بعد الباكالوريا تماما مثلما يحدث لعدد من الأنظمة التعليمية العالمية التي ينتقل طلابها للدراسة بلغة أجنبية عنهم دون أن يطرح ذلك كل هذا اللغط الذي يحدث عندنا.

ذلك أن اللغة الفرنسية لا تقدم باعتبارها لغة أجنبية يمكن أن تعطي قيمة مضافة للطلاب في مسارهم العلمي لأنها لا تزال عاجزة عن مغادرة الحقبة الاستعمارية مما يجعل الأساليب المعتمدة في تدريسها منفرة للتلاميذ وبعيدة عن واقعهم وعن اهتماماتهم.

بعودتنا إلى تدريس العلوم بالفرنسية يثبت القائمون على نظامنا التربوي أنهم في حالة شرود عميق عن مشكلاته الحقيقية التي يصرون على تجاهلها مستمرين في ارتجاليتهم وفي تدبيرهم العشوائي لهذا القطاع الحيوي والحساس.