ليس من السهل أن يترك المرء أرضه التي كبر فوقها وأهله الذين ترعرع واشتد ساعده بينهم، ويقصد بلدا آخر ولو توفرت الشروط وتيسرت الطريق إليه؛ غير أنه من الصعب أن يحيا هذا الإنسان داخل وطن يزخر بما يكفي من الخيرات والثروات وليس حظه منه إلا الظلم والبؤس والخوف.

قبل أشهر كتبنا ضمن سلسلة تقارير عن الفقر القاتل، تقريرا عن المغاربة الذين يركبون البحر ويخاطرون بأرواحهم عبر زوارق مطاطية هروبا من الظلمة بحثا عن النور، ومن اليأس بحثا عن الأمل، ومن الحكرة بحثا عن الكرامة… لكنهم وئدوا وأحلامهم تحت مياه البحر الأبيض المتوسط.

اليوم تغيرت الأوضاع، ليس كما يبغي الطامحون إلى الأفضل، بل كما يشتهي من لا يهمهم الأمر، فلم يعد البحر لوحده ينفرد بابتلاع شباب تائه داخل وطن مغتصب، بعدما دخلت أجهزة السلطة المسخرة لانتزاع الفتك والقتل من البحر الذي صار يستحيي أمام الكم الهائل من المهاجرين في تواصل المعادلة المكبية: حياة بئيسة هنا أو خلاص هناك دونه الموت.

ففي ليلة الثلاثاء 25 شتنبر 2018 أطلقت القوات البحرية الملكية بشمال المغرب الرصاص في عرض البحر قبالة شاطئ المضيق على زورق مطاطي للهجرة، كان على متنه بعض الشباب المغاربة من ضمنهم الشابة الطالبة حياة بلقاسم، كانوا في طريقهم إلى الضفة الإسبانية، فاخترق رصاص السلطة الغادر جسد حياة فأرداها قتيلة.

لم تهدد بلقاسم حياة السلطات الباطشة، ولم تكن تشكل حياة خطرا ولم تكن تهرب مخدرات أو أسلحة، بل كانت مسلحة بطموح البحث عن الأفضل ما دام وطنها سد في وجهها الأفق، كانت ببساطة في طريقها إلى بلد تبحث فيه عن مصدر رزق شريف تعيل به أسرتها البسيطة الفقيرة التي تعاني كما تعاني آلاف الأسر المغربية من سياسات التفقير والتجهيل والتنكيل.

لم يخف الجهاز المخزني جريمة قتله للشابة حياة، كما لا يخفي قتله لحياة المواطن المغربي بتفاصيلها وفي مختلف تجلياتها، فالقتل يتعدد وضحاياه يتشابهون، يقتل الأحلام والآمال داخل الحدود، ويقتل الهارب منها إلى الحياة، قتل مع سبق الترصد والإصرار على محاصرة الشعب وإذلاله وحرمانه من سائر حقوقه.