6   +   7   =  
تقديم

ينتمي كتاب (حوار مع صديق أمازيغي) إلى سلسلة الكتب الحوارية التي ألفها الإمام عبد السلام ياسين، وخصصها لطرح مقارباته لكثير من القضايا الحساسة والمهمة التي هي مثار جدل واسع بين مختلف الاتجاهات الفكرية والسياسية داخل المغرب وخارجه.

أصل هذا الكتاب مراسلة فكرية بين صديقين مفكرين من مشربين مختلفين، جمعتهما الصداقة في مرحلة ما من مراحل الشباب، أحدهما هو الإمام عبد السلام ياسين المؤسس والمرشد العام لجماعة العدل والإحسان، والآخر هو المفكر والمُنظّر الأمازيغي المغربي الأستاذ محمد شفيق.

1 ـ قضية الكتاب

يناقش الكتاب قضية بالغة الأهمية أثارت نقاشا واسعا في المغرب وفي دول الجوار، خاصة خلال فترة التسعينيات من القرن الماضي، ولا زالت مثار جدل في الأوساط الفكرية والسياسية لحد الآن، وهي القضية الأمازيغية التي تأسست في البداية على مطالب ثقافية، ثم تطور نضالها ليطول المجال السياسي. والكتاب – موضوع القراءة – يتضمن مناقشة شيّقة، جريئة وعميقة، للأسس الثقافية والمبررات السياسية التي قامت عليها القضية الأمازيغية التي حاول الأستاذ شفيق الدفاع عنها بذكاء، في حين سعى الإمام عبد السلام ياسين لإبراز تهافتها.

2 ـ تعريف شكلي بالكتاب

صدر كتاب حوار مع صديق أمازيغي) في حجم متوسط، عن دار الأفق، الدار البيضاء، 1997 الطبعة الأولى في 304 صفحات. ويتكون في بنيته من تقديم موجز وجزأين، وينقسم كل جزء بدوره إلى فصول وفقرات.

3 ـ قراءة في مضامين الكتاب

استهل الإمام عبد السلام ياسين الجزء الأول من كتابه حوار مع صديق أمازيغي) بإيراد رسالة صديقه الأستاذ محمد شفيق كاملة، ثم جوابه عن مضامينها.

بدأ الأستاذ محمد شفيق رسالته بالثناء على الإمام عبد السلام ياسين بقوله: اعلم، أخي، أني واثق بصدق مسعاك وبخير مبتغاك، وحسن نيّتك ورسوخ إيمانك، ليس لك من أغراض الدنيا ما يمكن أن تلام عليه. وإنّي أعلم، فوق هذا كله، أنك لست من الذين يزكون أنفسهم، لأنك رجل ذكر ما تفتأ تقرأ قول الله عز وجل:)… هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض، وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم، فلا تزكوا أنفسكم، هو أعلم بمن اتقى 1 …) 2 . ثم أبدى بعد ذلك موافقته على أن تشخيص الإمام لحال الأمة الإسلامية وألمه على ما انحدرت إليه من ركود وتخلف على كل الأصعدة، وعلى ضرورة الدعوة إلى جعل الإيمان بالله خير نبراس للخروج من هذا التردي.

ومن جانب آخر حرص الأستاذ شفيق على إبراز الاختلاف مع صديقه حول تقدير قيمة العقل وأهميته. كما قدم نقدا لاذعا للفقه المتزمت واعتبره سببا رئيسا في ما أصاب العقل المسلم من جمود وركود. فضلا عن عرضه صورا متعددة لاستغلال الدين لأغراض سياسية. ودعا الإمامَ لاستمرار التمسك بنبذ العنف في فكره ودعوته. وانتقد، كذلك، الدعاية القومية العروبية معتبرا أنها تتمسح بالإسلام بعدما فقدت دعواها وبريقها وجاذبيتها بحثا عن تجديد قوتها واكتساب مشروعية جديدة.

وختم رسالته بتقديم نصيحة للإمام عبد السلام ياسين يطالبه فيها بعدم توظيف نسبه الإدريسي الشريف لاكتساب شرعية سياسية يقول: إني أربأ بك عن الانضمام إلى جحافل المنتحلين للنسب النبوي الشريف دونما حجة علمية ثابتة تزكّي ما خُطَّ لهم، أو ما خطّوه هم بأيديهم من (شجرة) ترقى بنسبهم إلى… آدم عليه السلام) 3 .

أماجواب الإمام عبد السلام ياسين على رسالة الأستاذ محمد شفيق فقد صاغه على شكل مقدمات وأربعة فصول.

في المقدمات عَبَّر عن احتفائه وفرحه برسالة صديقه محمد شفيق وعلَّق على بعض ما ورد فيها من أفكار، كما ذكّره ببعض لحظات تاريخ العلاقة بينهما. وفي الفصل الأول تحدث عما بعد انهيار الأنظمة الفاسدة الحاكمة في بلاد المسلمين، والتي شبهها بالسفينة المعطوبة التي يتربص بها الطوفان في كل حين وأوشكت على الغرق. ثم تطرق لأزمة الثقة في المستقبل؛ الثقة بين الناس، وثقة العامة بالنخب المتعلمة، وعن أهمية الحوار بين الفضلاء الديمقراطيين موضحا موقفه من الديمقراطية وخطورة سكوت المثقفين المسلمين عن تلازمها مع اللائكية وعن تناقضاتها في بلاد الغرب. ليتطرق بعد ذلك للحديث عن علاقة المثقفين بالدين في بلاد المسلمين طارحا التساؤل عن طبيعتها وكنهها.

بعد ذلك وقف لينتقد مفهوم العقل المُدْبِر الذي اعتبره كذلك لأنه ينكص عن دين الهداية والرفق والرحمة حين يختصر الإسلام في فهمه المتحجر الحَرْفي ويحوّله إلى دين نقمة وعذاب وتزمّت. كما وجه في الآن نفسه سهام نقده للعقل المُقبِل. حسب تعبير شفيق. وتساءل على ماذا يُقبل هذا العقل؟ هل على مخترعات الزمان وصنائعه وذكائه فقط؟ واعتبره محدودا وقاصرا عن إدراك الحقائق التي أودعها الله في ملكه. ليمتدح، في نهاية الحديث، العقل المُؤمن المتدبر المتفكر، عقل القلب والرأس معا مبرزا مزاياه وفضائله. وفي نهاية هذا الفصل وجه انتقادا للعقل المُخْترع، وأكّد على أنّه إذا بقي دائرا في فلك إنجازاته المادية فقط فسوف يموت مَوْتة غَبِيّة، لأنه لم يعرف الله، ولم يؤمن بلقائه.

وعَنْوَنَ الإمام عبد السلام ياسين الفصل الثاني بــمدخل سياسي للقضية الأمازيغية)، تناول فيه قضية ازدواجية الانتماء، وعَقَّب على وصف الأستاذ شفيق نفسه بـمسلم أعجمي)، حيث اعتبر الافتخار بالنسب يجب ألا يُشاكِس على الولاء للدين. ثم تساءل في عقب ذلك عن دلالة التعبير الذي وَظّفه شفيق، الأبعاد الإنسانية)، هل المقصود به الانفتاح الثقافي واللِّحاق بالركب الإنساني الحضاري والخروج من دائرة التخلف المادي واعتناق إنجازات الحداثة، أو هو مجرد تلقي تنويهات وجوائز عالمية من قبل النابغين من بني جلدتنا في الفنون والآداب لقاء ولائهم للآخر؟ وهل الدخول إلى عالم الحداثة يمكن أن يتحقق لنا مع احتفاظنا بهويتنا وشخصيتنا وشرف تاريخ أمتنا؟

كما وقف الإمام عند السياسة الثقافية وردَّ على مطلب شفيق بدسترة الأمازيغية بقوله: ما هناك ثقافةٌ ثقافيةٌ محضة بريئة، ولا هنالك سياسَة ثقافية باحثةٌ لا تحتضن اليومَ أو غدا، في هذا الجيلِ المؤسس أو بَعْدَهُ، الآمال السياسية) 4 . فإذا كان هناك تمييز بين المثقف الأمازيغي الذي كان يختص بالبحث في العمق التاريخي واللساني وبين المناضل السياسي ذي الثقافة السطحية فإنهما مع ذلك يلتقيان في المطلب السياسي. وفي هذا السياق، تساءل الإمام عند تناوله للعلاقة بين اللغة الأمازيغية واللغة العربية، لكن ما بالُ اللغةِ الأمازيغية يُراد لها أن تُرَسَّم في الدستور لغة وطنية ثانية؟ ما بالُ الثقافة الأمازيغية تغارُ من العربية وتنازعُها على أوقات الإعلام الرسمي في الإذاعة والتلفزيون؟ أي إعلام؟ وأي تلفزيون؟) 5 . مؤكدا تبعا لذلك أن اللغة العربية تتعرض لغزو منظم بهدف إقصائها وشَلّها عن أداء وظيفتها الدنيوية والأخروية معا، ملحا على أن لا وحدة لأمة الإسلام ولا قوة لها إلا بوحدة دينها وأهم روابطه: القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، ومفتاحهما الوحيد هو اللسان العربيُّ المبين. لغة شرفها الله واصطفاها وجعلها وِعاءً لكلامه المقدس، وأداة تعبير وتبليغٍ للرسالةِ الخالدة التي تخبر الإنسان عن معنى وجوده في هذه الأرض، وعن مصيره بعد أن يُدَسَّ بعد الموت في هذه الأرض) 6 .

أما الفصل الثالث فقد خصصه الإمام للحديث عن اللغة الهوية معلقا على جملة وردت في رسالة الأستاذ شفيق: أنا أتكلم إذن فأنا موجود)، بقوله: أنا أتكلم، فأنا موجود. ونوع وجودي وطعمه ولونه من نوع لغة قلبي وروحي وطعمها ولونها وما تحمله من حقائق أومن بها وآمالٍ تراود شِغافَ القلب) 7 . وفي هذا السياق وضع الإمام مقولة الأستاذ شفيق الخاصة في صيغة مقلوبة عن الأولى أنا موجود فأنا أتكلم) شارحا إياها بقوله: إن كان لِي وجودٌ ثابت راسخ مطمئنّ يتكلم، وكانت قضية حياتي ومماتي إيماني بالله ورسوله واليوم الآخر، فلا يضير قضيتي الكبرى، ولا يخدِش في إيماني، أن تعلَقَ بذاكرتي لغةُ طفولة، وأهازيجُ جدة، ونكهةُ لهجة، وتركيبة حِكمةٍ صاغتها عبقرية جدودي الشلوح، وجدودي الأمازيغ، وجدودي الريفيون، وسائرِ ما هنالك. وصاغتها عبقرية لغة. لا تنازع فِيَّ قضيةُ ثقافةٍ شلحيةٍ أمازيغيةٍ ريفيةٍ قضيتي الكبرى إلا كما ينازعُ فرعُ الشجرة جذع الشجرة) 8 .

وعلاوة على ما سبق، أبدى الإمام تخوفه من تحول المطالب الثقافية الأمازيغية إلى صراع ونزاع على البقاء والوجود وحربا أهليَّةً يُريدُ مُسيِّسُو الثقافة الأمازيغية ومسيَّسوها أن يجندوا لمعاركها ومواقعها الأجيال بتعميم اللغة الأمازيغية وترسيمها في المدارس؟ ما يشعرنا أن بعض الأمازيغيين الشغوفين بلغتهم الملهوفين لن تقول لهم حماستهم السياسية الثقافية كل ما يخدم الثورة الثقافية الأمازيغية فهو خلُقٌ وإنصاف ولو كان في ذلك خنق العربية وعرقَلة تقدمها؟) 9 . كما وقف عند الكارثة التي أصابت النظام التعليمي بالمغرب، واعتبر أن هذا المجال يمثل تحدّيا أمام المغاربة والمسلمين بمختلف قومياتهم. وأكد أنه لا يمكن أن نضع على السّكّة الصحيحة تعليما صحيحا بلغة مريضة. لا يَسير على السكة الصحيحة تعليم سياسته مترددة، ولغاته متنازعة متجاذبة. ومن ثَمَّ فلا تنميةَ تُرجَى إذْ لا عقولَ كُوِّنَتْ، ولا مهاراتٍ اكتُسبتْ، ولا درايات تُدُرِّبَ على إعمالها وإكمالها. ومن ثم فالركود والخمول والموت) 10 .

إن السياسة التعليمية هي المدخل الأساس لكل ازدهار اقتصادي أو قوة أو عِزّة لأمة من الأمم. وصحة التعليم من صحة لُغتِه، فهل تستطيع اللغة الأمازيغية أن ترفع التحدي وتجيب عن الأسئلة المُحْرِجة؟ وهل تَقْوى على تحقيق مطالب النهضة التعليمية والعلمية؟ وفي عقب ذلك، أكّد الإمام في نهاية هذا الفصل أنه لا يمكن تحقيق تنمية راسخة إذا لم يتحقق استقرار سياسي قائم على أصل أصيل، وهو الحق المنزل من عند الله على مَتن الاستقرار السياسي، وفي حِضنه، تعليمٌ يعبئُ الجهود، ثم تنمية تغذيها الأدمغة المتعلمة وتديرها وتسبَحُ بها في بِحارِ المنافسة العالمية وأمواجها. وعلى متن التنمية المتعلمة عدل شامل، وعلى متن العدل وحدة. وقد تأملنا الصرح فوجدنا اللغة أمّ الرغائب والمطالب) 11 .

أما عنوان الفصل الرابع فقد كان هو (لغة القرآن نسيج وحدتنا)، فقد استهله بإبراز عجز اللهجة الأمازيغية عن مجاراة اللغة العربية وعن القيام بأدنى الوظائف المطوقة بها بَلْه أن تُعبِّر عن رسالة الإسلام ومعاني لغة القرآن. فاللغة أُسُّ البناء وليست مجرِّدَ لسانٍ مُعبِّر عن ثقافة ما. ثم استطرد بقوله: ما في اللغة الأمازيغية ما يُعابُ ما دام الناطقون بها متمسكين بكلمة التوحيد. ما داموا يدافعون عن لا إله إلا الله كما دافع عنها من أجدادهم مومنون فرسانُ حرب وفرسانُ منبر) 12 . وفي سياق هذا الفصل، بَيَّنَ أن اللغة العربية ليست عاجزة في ذاتها ولا ضيِّقة في مداها ولا جدْباء في دلالاتها وهي التي حملت رسالة الله عز وجل لكنَّها عُجِّزَت وخُذِلَت أما التعجيز الأهمُّ فهو خذلان العربية، وإهمالُها، بهجر قرآنها ونبذ مصحفها، ثم بعرقلة مسيرتها إلى اقتناء العلوم، والتعبير عن العلوم) 13 .

ومما زاد الأمرَ سوءًا تمزّقُ دول العرب وتشاكُسُها سياسيا وعدم وحدتها. كما انتقد الإمام اعتماد السياسة التعليمية بالمغرب للتعريب الفج دون توفير شروط اقتصادية واجتماعية لنهضة التعليم. وأكّد على أن للغة ارتباطا عضويا بالفكر، والشعور، ومظاهر الحياة المادية، وبواطن الحياة الروحية، وبالسلوك، والأخلاق، وبالعلوم، وبالعدل، والتنمية، ونظام الحكم. والأمازيغية الثقافية ضعيفة البُنية، قليلة الكفاءة، قاصرةٌ عن الربط، وتقويم الخُلُق، والنهوض بأعباء التنمية وترويض العلوم. وما لَعِبُها، ولعبُ العربوفونية القومية اللادينية، في ساحة المحجورين المُهَمشين عن ميدان الفعل والتصرُّف إلا تسلية وسُلوان) 14 .

وفي بداية الجزء الثاني من الكتاب ساق الإمام عبد السلام ياسين رسالة جوابية لصديقه الأستاذ محمد شفيق ـ سجل فيها هذا الأخير إحدى وعشرين ملاحظة وتعليقا على ما ورد في مناقشة الإمام لأفكار رسالته الأولى. حيث طالب في البداية بضرورة تحديد منطق الحوار بينهما مميزا بين المنطق الديني، الذي ينطلق من المطلق ولا يمكن إلا رفضه باعتباره تسلطيا، وبين المنطق الجدلي الذي ينحصر في النسبي، ولا يمكن إلا تبنيه باعتباره مفضلا.

ثم وضّح، بعد ذلك، تصوره لمفهوم اللائيكية بقوله: فِي أكثر من مكان في جوابك تهاجم “اللائيكية” وَ”التَّلْيِيك”. فما اللائيكية؟ هِي أن لا يكون الإنسان راهباً. تَنَبَّه، أخي العزيز، إلى أنّ الإسلام يتنافى والرهبانية، أوَّلاً، وَإلَى أنَّ الإسلامَ لا ينبغي لَهُ أنْ يُسلِّط على المؤمنِينَ “إكليروساً” يتصرّف في ضمائرهم؛ الإسلامُ، أخي، هُوَ الَّذي ابتكر “اللائيكيّة” دونَ أن يُسَمِّيَها. “اللائيكية” هِي مَبْدَأ أولاً ﴿لاَ إكْرَاهَ في الدِّينِ﴾، وممارسة ثَانِياً، ممارسة الحوار والجدال ﴿بالتي هي أحسن﴾، فَلاَ قَهْرَ وَلاَ إرهَابَ. و”اللائيكية” بعد هذا مجالٌ للاجتهاد غيرِ المحدود المكانِ وَلا الزمانِ. أمَّا أن يُقالَ -كما يقول بعض “علمائنا الكبار” – أنَّ بابَ الاجتهاد قد أغلق، فذلك تعسّف عن جادة الفِكْرِ الإسلاميّ، مِنْ ورائه تشبّث بما يُعتَبَرُ “حُقوقاً اجتماعية مكتسبة”. وَاللائيكية هِيَ أن لاَ يُوجَدَ بَيْنَ المؤمنين من يُنَصِّبُ نَفْسَه مُفَتِّشاً للضمائر باسم الأمر بالمعروف وَالنهي عَن المنكر، معروفه هو وَمُنْكَرُه هُو) 15 .

وفي سياق ذلك، اعتبر الأستاذ شفيق أن المسؤول الأول عن مآسينا هم فقهاؤنا وسياسيونا ومسؤولونا. رافضا النقد الذي وجّههُ الإمام للديمقراطية الغربية مذكرا ببعض مزاياها، ملحا على أن لفظة الديمقراطية ليست إلا اسما أعجمياً للشورى التي نص عليها القرآن.

كما انتقد الأستاذ شفيق تسمية الإمام لظهير 1930 بالظهير البربري بقوله: أنت أيضا تُسَمِّي (ظهير 16 ماي 1930) ب(الظهير البربري)! هنا تظهر عصبيتك للعروبة بصفتك (شريفا إدريسيّا). بأيّ مبرِّر يُنسَبُ ذلك الظهير إلى (البربر)؟ هل حرّروه وكتبوه؟ هل استصدروه؟ هل قبِلُوا فحواه وَمضمونه؟ لقد كانَ أكثرُ رجالهم إذ صدر ذلك الظهير إمّا في خنادق الجهاد، وإمَّا في غيابات السجون الاستعماريّة، وإمّا في أقصى المنافي) 16 .

وفي ختام رسالته الثانية أعلن الأستاذ شفيق وجود اختلاف في المنطلقات بينه وبين الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين، لكن ذلك لم يمنعه من كيل المديح له، والإشادة به والشهادة له بالتقوى والورع والزهد في الدنيا: أخي عبدَ السَّلام، أريد أن أكون أوَّلَ شاهدٍ يَشهَدُ أمام الله أنَّكَ إنسان طاهر المَظْهَرِ وَالمخبَر. إنَّ قلبَك لمُفعم بالإيمان القويِّ الجيَّاش؛ وفي الوقت نفسِه يُراوِدُ ذِهنَك حُلم جميل، أتمنّى، بِصِدْقٍ، أن يتحقّق) 17 .

أما تعقيب الإمام عبد السلام ياسين فقد صاغه رحمه الله في ثلاثة فصول، تحدث فيها عن تعريف العلم والإسلام، وعلاقة الهوية بالتاريخ، وعن حقيقة تَمزيغِ المغرب وأبعاده.

ففي الفصل الأول تحدث الأستاذ ياسين عن تصوره لمفهوم العلم مُبرِزا أنه ألَّف في ذلك كتابا عنونه بــمحنة العقل المسلم). ثم عَرّف الإسلام بأنه: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيمَ الصلاة، وتوتِيَ الزكاة، وتصومَ رمضانَ، وتحجَّ البيت إن استطعت إليه سبيلا. هكذا علَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعرابيَّ وأخبر الصحابة أن الأعرابيَّ أفلح إن صدق) 18 . الإسلام اختيار حياة واختيار موتة واختيار مصير. الإسلام المكتمل التزام بحدود الله عز وجل في الحلال والحرام، وقيام بالواجب الذي فرضه الله عز وجل، وبالسنة التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم في تصرف المرء وضبط أعمال سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله وبطنه وفرجه) 19 .

ثم ذكّر صديقه بمؤلف قديم كان قد صدر له سنة 1972 عَنْونَه بــأفكار متخلفة) دافع فيه عن الإسلام وتعاليمه، وحاجَجَ منكري الآخرة بعقلانية الفيلسوف واستدلاله المنطقي. وتحاججهم بآية (كما بدأنا أول خلق نعيده). تحاجج بعقلانية الفيلسوف ومنطقه وبآيات القرآن ومعانيه بعد أن سَخِرْتَ من “الدعاوِي الفكرية العاجزة، دعاوي الأنظمة الفلسفية التي تشبه ولا شك تعافت الفراش في الفضاء اللانهائي للزمان والمكان”) 20 . ثم ذَكَّرَ بأهمية الصلاة ومكانتها في الإسلام وأولويتها في التدين. ووقف الأستاذ المرشد عند قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبة خطبها في مكة يوم فتح مكة: “يا أيها الناس! إن الله قد أذهب عنكم عُبِّيّةَ الجاهلية وتَعاظُمَها بآبائها. الناس رجلان: بَرٌّ تقِي كريم على الله عز وجل، وفاجر شقي هيِّن على الله عز وجل” 21 …) 22 . ليعقب شارحا: العُبِّيّة من العِبْءِ وهو الثِّقْلُ. ثِقْلٌ ثقيل في ذاكرة العصبية القبلية يُخْلِدُ بها إلى الأرض، لا يرفعها إلى السمُوِّ الإيماني الذي يَسموه المومنون بالله واليوم الآخر المصلون أهلُ المسجد) 23 . ومُنبِّها لخطورة دعوى الجاهلية أيا كان مصدرُها أمازيغيا أو عربيا مُبرِزا خطورتها على مستقبل المسلمين ونكايتها في واقعهم لتمزيقها أواصر الأخوة الدينية والولاء الإيماني ليوضح في نهاية الفصل أن الإسلام لا ينكر البناء القبلي والعُرف واللغة ما دامت لا تناقض الإسلام. بل يشجع روابط العرف واللغة والقوم إن كانت تفتِل في حَبل القوة الإسلامية وتشدُّ من عضدها) 24 .

أما الفصل الثاني المعنون بـهوية وتاريخ)، فقد بدأه الأستاذ المرشد بالحديث عن مفهوم الهوية معتبرا إياها تمثل حقيقة الإنسان أو حقيقة قوم أو جماعة إليها ينتمون، وبها يعتزون، وبها يتميزون لأنفسهم ولغيرهم عن غيرهم) 25 . ثم ميز بين أصناف من الهُويات مقارنا إياها بالهُوية الأصيلة للمسلم يقول: إن كانت هويتي أرضية فأنا أعتزي وأعتز بما يملأ أنانيتي عظمة، ويشبِع دنياي جاها ورئاسة ومصالح ومنافع. لا أصغي إن كانت هويتي أرضية تاريخية قوامُها لغة الأجداد وتاريخ الأجداد إلى واعظٍ يتحدث عن الإسلام والصلاة والجاهلية والعُبِّيَّة والرايات العُمِّيَّة. لا أسمع وأذن عقلي وقلبي ترن فيها أصداء الهوَية المجيدة. لاَ أبصِرُ ومرمى نظري أينما توجهت هُيامي بتاريخي ولغتي وتطلعي لمستقبل حر كريم. لا أسمع ولا أريد أن أسمع!) 26 . أمّا إن كانت هُوَيّة المسلم وانتماؤه وفخره وعزه وتاريخه تبدأ من لا إله إلا الله محمدا رسول الله، من إله خالق رازق قاهر مُحْيٍ مميتٍ أنا عبده، من آدم عليه السلام الذي كرمه الله وكرَّم بنيه، ومن بعثة الرسل والأنبياء إلى خاتمهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فأنا الأمازيغي لا هوَيّة لي تنبثق من المطلق. هويتي هي المطلق. هي القيمة العليا. هي المثل الأعلى الذي أحيى به وله) 27 .

وبعد ذلك عَرَج على تاريخ الشعب الأمازيغي مُبرِزا بعض صفاته النبيلة كالشجاعة والكرم مُستنتجا أن أمجاد الأجداد لا تبرر التعصب لقوميتهم. فالهوية تنشطر وتتمزق ما بين الولاء لتاريخ الأجداد والولاء للإسلام يقول: هوية انشطارية تقسم الفرد قسمين متشاكسين متداخلين متصالحين متنافيين: لغة الأجداد تُرَجِّعُ أصداء الثقافة الأجنبية الوثنية، وفي أعماق بعض أبناء الأجداد صوت المؤذن الخافت يدعو: الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح) 28 .

وفي هذا الاتجاه، وقف الأستاذ المرشد عند سيرة ثلاثة من الشخصيات الأمازيغية الفَذّة في تاريخ المغرب. الأول هو العالم العبقري الأمازيغي الحسن اليوسي رحمه الله واصفا إياه بــمعلم الخير قوال الحق المجاهد الكبير، مجدد وقته وعابد زمانه كما وصفهُ علماء زمانه. شيخ الإسلام المجتهد الفذ الذي ضاهاه ابن الحاج بحجة الإسلام الغزالي) 29 ، مبرزا فضله وإمامته مستشهدا ببعض شهادات معاصريه كابن زاكور وابن الحاج. كما بين الأستاذ عبد السلام ياسين أن الحسن اليوسي يُمثّل نموذجا للشخصية الأمازيغية المُعْتَزّة بدينها والمُنْفتحة على العلوم الكونية والدينية والتي لم يُشاكس على هويتها الإيمانية انتماءٌ للأجداد الأمازيغ.

أما الشخصية الثانية فهو القائد الأمازيغي الكبير عبد الكريم الخطابي الذي كان مومنا يجاهد في سبيل الله. كان شعاره (الإيمان، والإيمان وحده). كان رجلا يتكل على الله قبل اتكاله على العَدَدِ والعُدَدِ) 30 . مؤكدا في سياق ذلك، أنه لو كانت نفس الخطابي وَضيعةً ضَعَة طلاَّب الرئاسات ونافخي النار في حطب العصبيات لما استحق من التاريخ البشري إلا التفاتة عابرة كما يُلتَفَتُ إلى رؤساء العصابات. لكن الرجل كان مربِّيا عالما بدينه مخلصا لله رب العالمين. وكان معلما انتشل قومه الريفيين من وهْدة الجهل الجاهلي ورفعهم إلى مَراقِي الإيمان بالله، والصدق مع الله، وبذل النفس والنفيس في سبيل الله) 31 .

وإلى جانب ذلك وقف الإمام رحمه الله مع شخصية أمازيغية ثالثة بارزة هو العلَّامة النابغة المختار السوسي الذي خَدَم اللغة العربية بإخلاص حيث كان الزعيم علال الفاسي رحمه الله يلقب المختار بـ(فقيه الجرومية) لرُسوخ قدم السوسي في علوم العربية، ولغيرته على اللغة العربية. كان معه دائما فائدة وسؤال وتنبيه وعويصة من قواعد العربية يطرحها في مجالسه، ويقترحها ويتدرج منها بحث لغوي أو تحليل شعري أو مسألة أدبية) 32 . ليخَلَص الأستاذ المرشد إلى أنّه ما كان أمازيغ اليوسي وريفيو الخطابي وشلوح السوسي يعرفون لأنفسهم هوَية وتاريخا إلا في الرابطة الإسلامية التي يُحَبُّ فيها ويحترمُ (أجرام)، ويُستفْتَى فيها الفقيه، وتشاد فيها مدارس لتعليم القرآن ولغة القرآن) 33 .

أما الفصل الأخير، فقد عنونه الإمام في هذا الجزء الثاني من كتابه –قيد القراءة- بــ(تمزيغ المغرب وتمزيقه) متحدثا في بداياته عن وجود مخططات ومشاريع لتمزيق وحدة المغرب والجزائر وليبيا خاصة مع تدويل الأمازيغية، ووجود تمويل أجنبي لبعض مناضليها وجمعياتها مثل (الكونغرس الأمازيغي) العالمي. كما شرح رحمه الله أسباب تشكل الإحساس لدى المناضلين الأمازيغيين بمظلومية هويتهم بقوله: تضافرت تربيةٌ دجَّنت العقول والنفوس مع واقع ظلم وتحقير فتكاملت الظروف الذاتية والموضوعية لميلاد مطالبة ثقافية هي السُّلَمُ لمطالبة دستورية سياسية، تكون بدَوْرِها المطية الصعبة المراس لنضال، فقتالٍ، فحربٍ أهلية تتفانى فيها أمتان في المغرب والجزائر وليبيا: أمةٌ عريقةٌ في الوطن الأمازيغي لها رأسُمالها الرمزي التاريخي العتيد، ولها لغتُها وهويتها. وأمة عربيةٌ (غازية مستَعْمِرَةٌ) يجب دفعُها وإخمادُ أنفاسها) 34 . وفي هذا الاتجاه أيضا بَيَّن أن ذلك يمثل مُرَكّبا خطيرا غذَّاهُ الاستعمار الفرنسي ولا زال يستثمره بحيث لا مخرج منه إلا بالالتفاف حول الولاء لله ورسوله، موضحا أنه لا يضر تعدد اللغات واللهجات أمة إن كان ما يوحدها في اعتقاد الناس وفكرهم ومشروع حياتهم أسمَى وأشرف وأعز من الهوَية الخاصة) 35 .

وفي نهاية الفصل أبرز الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله أن مستقبل الإسلام هو إلى وحدة إسلامية يناصر فيها العرب والعجم هذا الدّين ويبنون قوته.

وفي خاتمة الكتاب عرض لثلات رسائل كان قد بعث بها إليه الأستاذ شفيق سنة 1974 وعقَّب على ذلك بقوله: رسائلك هذه الثلاث ذكرتني بالمشروع الذي كنت اقترحته عليك يومئذ لِما رأيت من براعة كتابتك بالفرنسية. ولما رجوتُ أن يَكون (ما يقوله المؤذن) إعلانا عن كتاب يُفيد الناس) 36 .


[1] سورة النجم، الآية: 32.\
[2] محمد شفيق، من رسالة موجهة للأستاذ عبد السلام ياسين، نقلا عن حوار مع صديق أمازيغي، مطبوعات الأفق – الدار البيضاء، 1967، ص12.\
[3] نفسه، ص. 26.\
[4] عبد السلام ياسين، حوار مع صديق أمازيغي، نفسه، ص. 77.\
[5] نفسه، ص. 83.\
[6] نفسه، ص. 85.\
[7] نفسه، ص. 93.\
[8] نفسه، ص. 95.\
[9] نفسه، ص. 99.\
[10] نفسه، ص. 104.\
[11] نفسه، ص. 114-115.\
[12] نفسه، ص. 124.\
[13] نفسه، ص. 127.\
[14] نفسه، ص. 133.\
[15] محمد شفيق، من رسالة موجهة للأستاذ عبد السلام ياسين، نقلا عن كتاب “حوار مع صديق أمازيغي”، ص. 143.\
[16] نفسه، ص. 146.\
[17] نفسه، ص. 152.\
[18] عبد السلام ياسين، حوار مع صديق أمازيغي، ص. 160.\
[19] نفسه، ص. 166.\
[20] نفسه، ص. 167.\
[21] رواه الترمذي عن عبد الله بن عمر بسند حسن.\
[22] عبد السلام ياسين، حوار مع صديق أمازيغي، ص. 191.\
[23] نفسه، ص. 191.\
[24] نفسه، ص. 202.\
[25] نفسه، ص. 205.\
[26] نفسه، ص. 206.\
[27] نفسه، ص. 206.\
[28] نفسه، ص. 214.\
[29] نفسه، ص. 215.\
[30] نفسه، ص. 221.\
[31] نفسه، ص. 222.\
[32] نفسه، ص. 227.\
[33] نفسه، ص. 228.\
[34] نفسه، ص. 241.\
[35] نفسه، ص. 249.\
[36] نفسه، ص. 286.\