لمناقشة موضوع الدخول السياسي لهذه السنة وما يحيط به من مظاهر الاحتقان الاجتماعي وخطاب الملك في افتتاح البرلمان، استضافت منشطة برنامج “حدث الأسبوع” الأستاذة هاجر الكيلاني عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان الدكتور عمر احرشان.

أوضح إحرشان في بداية حديثه حول مميزات الدخول السياسي لهذه السنة أن “مصطلح الدخول السياسي مرتبط بالأنظمة الديمقراطية، لأن السياسة فعل تطوعي فالسياسيون يأخذون استراحة لا تتعدى شهرا ثم يكون الدخول السياسي، في المغرب هناك مجموعة من الأمور تجعل الحديث عن دخول سياسي وراحة سياسية.. مسألة غير ذات موضوع”. ليستدرك قائلا: “مع ذلك سنتجاوز هذا ونقول، أن أهم ما ميز الدخول السياسي هذه السنة هو أنه دخول عادي لوضع غير عادي؛ فهو دخول سياسي متأخر، لأن الدخول السياسي في المغرب يرتهن دائما لخطاب الملك، والخطاب الافتتاحي للملك يكون في الجمعة الثانية من شهر أكتوبر، وهذا يؤدي إلى ضياع شهر ونصف تقريبا من زمن الفعل السياسي”.  

ويتميز أيضا هذا الدخول بكونه “مرتبط بأجندة أولويات غير قابلة للنقاش، لأن الخطاب الملكي في افتتاح الدورة الخريفية يتضمن مجموعة من التوجيهات، وبنص الدستور (الفصل 52) فهي غير خاضعة للنقاش على الإطلاق”، يقول إحرشان، ويضيف: “سيصبح الدخول السياسي عديم الجدوى لأنه في الخطاب الملكي ليوم الجمعة 12 أكتوبر تحدث الملك بصيغة معينة على مشروع قانون التجنيد الإجباري، نظرا للصيغة التي تحدث بها الملك هل يمكن أن نتصور فاعلا سياسيا في البرلمان سيعارض هذا القانون؟ أو سيرفضه أو يعدله؟ إذن فهو دخول سياسي بأجندات مفروضة غير قابلة للنقاش”.  

وهو أيضا “دخول سياسي لأوضاع غير سياسية، فالملاحظ أن المغرب على الأقل خلال الستة أشهر الأخيرة سيرى بأن المجتمع يغلي؛ مقاطعة البضائع، كثرة الاحتجاجات، ارتفاع منسوب الغضب.. ولكن بالمقابل ليس هناك ما يعكس هذا الغليان على مستوى مؤسسات الدولة، إن أخذنا مثلا مجلس الحكومة وجداول أعماله، لن نجد ولو اجتماعا استثنائيا واحدا قد نظم، ولا نقطة استثنائية في جدول عمله، الاستثناء الوحيد هو انعقاد مجلس حكومي يوم 20 غشت بالتوازي مع مجلس وزاري، لماذا؟ لأن الدستور يفرض أن تمر القوانين التي تخص المجال العسكري عبر المجلس الوزاري، فكان هذا هو الاستثناء الوحيد في هذه الفترة؛ فلم يظهر للحكومة إلا مشروع قانون التجنيد الإجباري الذي يجب التعجيل به، أما التشغيل وغيره فهي مسألة غير ذات أولوية ولا تستدعي استثناء سواء في وتيرة الانعقاد أو في جداول الأعمال” يبرز الفاعل السياسي.

وعرج إحرشان خلال حديثه على انتخابات تجديد هياكل مجلس المستشارين، معتبرا إياها “آخر ما يميز الدخول السياسي”، مبينا أن “مجلس المستشارين هو الغرفة الثانية، هذه الغرفة تحظى بالأولوية في دراسة المشاريع التي تتميز بخاصيتين؛ ذات الصبغة الاجتماعية وذات الصبغة المجالية التي هي قوانين الجماعات الترابية، كل الخطاب السياسي في المغربي يتحدث على غياب العدالة الاجتماعية وغياب العدالة المجالية، فبالتالي المفروض أن تحرص الأغلبية على حيازة رئاسة هذه الغرفة، هذا هو المنطقي، والذي نلاحظه أنه لا الحزب الذي يقود الحكومة المغربية “العدالة والتنمية” قدمت مرشحا، ولا الأغلبية التي من المفروض أن تكون ائتلافية قدمت مرشحا، بل الأكثر من هذا المرشحان اللذان من المفروض أن يتقدما للترشيح ينتميان للمعارضة، واحد من “البام”، ويقال أن حزب الاستقلال سيسحب مرشحه، وسيبقى مرشح البام مرشحا وحيدا. فأين هو إذن الدخول السياسي الذي من المفروض أن يكون تنافسيا. عندما تصبح الأغلبية الحكومية غير حريصة على أن تمثل رئاسة مؤسسة الغرفة الثانية للبرلمان، ماذا يعني هذا؟” ليؤكد أن هذه السلوكات هي “ما يدفع الشعب لفقدان ثقته في البرلمان”. وأن “عدم حرص الأغلبية على رئاسة هذه المؤسسة يدل على أن المؤسسة ليس لها دور”.

وفي محور ثان علق إحرشان على خطاب الملك لهذه السنة مبرزا الفروق بينه وبين خطاب السنة الماضية: “العنوان العريض هو أن الخطابات كلها تتسم باستمرارية في المضمون؛ في السياسات والاستراتيجيات، لكن هناك نوع من القطيعة على مستوى الشكل. فخطاب السنة الفارطة كان هجوميا في حين خطاب هذه السنة كان دفاعيا. في خطاب السنة الفارطة الملك كان يصدّر المسؤولية إلى المكونات الأخرى التي هي الأحزاب والمجتمع المدني والإدارة العمومية وغيرها، خطاب هذه السنة فيه دعم للأحزاب.. وهذا فرق مهم جدا. خطاب هذه السنة خطاب عاطفي حاول ما أمكن إذكاء حس الوطنية، وخطاب السنة الفارطة كان خطابا واقعيا أقر بفشل النموذج التنموي. خطاب هذه السنة خطاب تبريري، يحاول تبرير العجز المتفاقم للدولة في إقرار العدالة، ومع هذا التبرير كان خطاب هروب، فمقابل عجز الدولة استنجد بقيم التضامن والتماسك وتشجيع التبرع للقطاع الخاص والمجتمع المدني، مع العلم أنه شهور قبل هذا الخطاب كان النقاش منصبا حول كيفية ضبط الإحسان العمومي، ما دامت الدولة قد عجزت فيجب أن لا يتفكك المجتمع، لأن هذا سيؤدي إلى ارتفاع منسوب الغضب، فالحل هو الاستنجاد بقيم التضامن والتماسك التي تحتكم لمنطق الصدقة لا العدالة الذي يفترض أن تقوم به الدولة”.

وأضاف: “خطاب هذه السنة يؤجل قصد ربح الزمن، ونلاحظ أن عددا من الخطب حددت تواريخ تم تأجيلها، مثل خطاب النموذج التنموي. أضف إلى أنه منذ بداية حكم الملك محمد السادس وهو يتحدث عن ميثاق اللاتمركز، وحدد له شهر أكتوبر الجاري كسقف زمني، ولا كلام عنه الآن، بالتأكيد سيصاغ المشروع ولكن لن يكون للشعب علاقة به، ولا الفاعلين السياسيين اطلعوا عليه، وسيكون محط نقاش داخل قبة لا صلاحيات لها، وفي غياب نقاش مجتمعي”. أيضا “مقارنة مع السنة الماضية هناك تفاقم للأمور، فكنا نتحدث قبلا عن مشاكل التعليم والصحة.. الآن هذه المشاكل تتفاقم”.

ولفت إحرشان، وهو يعدد الفروق بين خطابي السنة الفارطة والسنة الحالية، إلى أن “الجديد في خطاب هذه السنة هو أنه حاول غض الطرف عن السلبيات، فغابت الانتقادات والغضب ليحل محلها خطاب يرصد الإيجابيات، لأن خطاب الملك في انتقاده للمؤسسات أصبح يعطي نوعا من الدلائل التي تستدل بها فئات واسعة من الشعب على مشروعية احتجاجاته”.

واعتبر أن خطاب هذه السنة “يظهر الأزمة العميقة، حيث اتسم بطابع الاستعجال، ومن المستحيل أن نحقق نموذجا تنمويا في ظرف ثلاثة أشهر، هذا سيعيدنا إلى أجواء 2011 حيث تمت صياغة الدستور في شهرين، وبالتالي فاللجنة المكلفة لم تكن لجنة حوار وطني بل كانت لجنة استماع وتقرير. النموذج التنموي يعني خيارات كبرى للدولة، فكيف يمكن في ثلاثة أشهر أن تحقق نموذجا تنمويا يجد فيه الإسلامي راحته، كما الليبرالي والاشتراكي.. هذا صعب جدا”. وأكد أن “صيغة الاستعجال هذه تعني أن الأزمة مستفحلة بشكل كبير وهناك محاولة قدر المستطاع لتجاوزها في أسرع وقت”.

وحول دلالات تعدد أشكال الاحتقان الاجتماعي، صرح إحرشان “أن المغرب يسير بإيقاعات مختلفة بل متناقضة، المجتمع يسير بإيقاع، والمؤسسات الرسمية للدولة تسير بإيقاع آخر، لأننا نعيش فعلا الأزمة السياسية، المؤسسات تدور في فراغ، فعي غير منتجة، وهناك سياسات عمومية غير ذات جدوى؛ لأنها لم تحقق لا عدالة اجتماعية ولا مجالية ولا تعددية ولا حرية.. إلخ، وبالتالي فنحنح نعيش وضع الأزمة السياسية”. مجليا أن “حالة عدم التوازن هذه تؤدي إلى بحث الشعب عن بدائل، وتطوير آليات. الآن الشعب يتوفر على ثلاثة بدائل: على المستوى التواصلي والاجتماعي طور الإعلام الاجتماعي، عوّض المؤسسات وجد الشارع، وعوض الترافع والملتمسات بالاحتجاج”. ليخلص إلى أن “المجتمع مصر على العدالة والديمقراطية..  وفي إطار الاستمرارية منذ 2011، الدولة في المقابل مصرة على تجاهل المطالب وعلى المناورة وعلى قمع الاحتجاجات والالتفاف عليها، وحتى إن حققت بعض المطالب فيمكن أن تتراجع عنها في أي لحظة”.

وكعادة منشطة البرنامج، ختمت حلقتها بالاستفسار حول المخرج من هذا الوضع، ليجيب إحرشان: “لهذا الوضع انعكاسين أحدهما إيجابي والآخر سلبي؛ الإيجابي يتجلى في كون الشعب أصبح يطور آليات أقل كلفة وأكثر نجاعة، والسلبي يتمثل في تزايد مشاعر الغضب وعدم الرضا عند الشعب ويصل أحيانا إلى اليأس التام”. ويضيف، باسطا مسارات الأحداث الممكنة “الدولة تتقوى الآن بسياق داعم لها، سياق دولي متسم بالحرب على الإرهاب ودعم الاستقرار وسياق إقليمي يدعم الثورات المضادة، ولكن السياقات تبقى أمرا غير ثابت، السياقات تعطيك إمكانيات، والشعوب مصرة لأنها تمتلك إرادة”.

واعتبر عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية أن الحل “لواقع لا يمكن أن نرتفع عليه؛ مفاده أنه عندنا مشكل نموذج تنموي الذي لا يمكن أن يحقق في ثلاثة أشهر ولا يمكن أن يُفرض، النموذج التنموي ينتج عن حوار، وهذا الحوار ينبغي أن يكون عموميا على مرأى ومسمع من الشعب. النموذج التنموي تلزمه المشاركة الواسعة، والتعبئة العامة والحوافز، وأهم حافز هو استرجاع الشعب للثقة، ليصل إلى هذا يلزمه ممثلين حقيقيين، وهذا لا يتحقق إلا بانتخابات نزيهة وحرة وشفافة، وهؤلاء الممثلون يتكلفون بمهام التشريع والمراقبة وتقييم السياسات العمومية.. ويجب على من يتولى أي سلطة أن يخضع للمحاسبة”، ليخلص إلى أنه “للخروج من هذا الوضع يلزمنا تعاقد، وهو ما نعبر عنه نحن بالميثاق، يوثق ما توافقت عليه كل الأطراف، في غياب هذا لنكن متأكدين أن الوضع سيبقى مستمرا، وستبقى الدولة (السلطة) معزولة عن المجتمع، وسيستمر منسوب الغضب في الارتفاع إلى أن يؤدي هذا الانفجار”.