شكلت القضية الفلسطينية نقطة ارتكاز في فكر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، وهو يبسط المنهاج النبوي لتحرير الأمة وبناء الخلافة، حيث خصص لها مساحة كبيرة فيما كتب ومكانة عليا فيما نظر، ومجالا فسيحا في ما عمل وشيد، لكن للأسف لم يحظ فكره في هذا المجال بالدراسة والبحث. ولذلك أتوكل على الله محاولا فتح هذا الباب والوقوف على هذا الثغر، ليس لأني خير من يتصدى له، بل لأني من أكثر من تطوقهم المسؤولية والواجب نحوه، وفاء وخدمة لمشروع الإمام رحمة الله عليه، سائلا الله التوفيق والسداد، وأن يجد فيه القارئ ما يشفي غليله والباحث ما يلبي حاجته.

ومن الموافقات الإلهية أن ينشر هذا البحث في هذه الأيام التي تجمع بين شهر المولد النبوي والذكرى الخامسة لرحيل الإمام وانتفاضة الأمة في العالم الإسلامي ردا على قرار ترامب الجائر والصادر في الذكرى المائوية لوعد بلفور والذكرى الخمسين لاحتلال القدس.

إن هذا الموضوع وهو يتتبع القضية الفلسطينية في فكر الإمام، يضع بين يديك باقة عطرة من النصوص المقدسية للإمام، وبعض معالم رؤيته للقضية الفلسطينية، ويحدد لك موقعها في نسق المنهاج.

وعليه سأتناول الموضوع في ثلاثة محاور رئيسية هي كالآتي:

المحور الأول: فلسطين الأهمية والمكانة.

المحور الثاني: فلسطين ونظرية التغيير.

المحور الثالث: فلسطين والتنفيذ.

المحور الأول: فلسطين.. الأهمية والمكانة

حدد الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله موقع القضية الفلسطينية في خط التدافع واقتحام الأمة نحو وعد الله المبشر لها بالنصر، قائلا: “قضية فلسطين بداية المواجهة الحاسمة بين الحق والباطل، بين الجاهلية والإسلام. مع الجاهلية تنَبؤٌ يهودي بمملكة صهيون الألفية. ومع الإسلام وعد الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه بالنصر المبين، وبالخلافة على منهاج النبوة، وبظهور هذا الدين على الدين كله ولو كره المشركون، ولو كره الكافرون.” (سنة الله ص 126). إنها كلمات حبلى بالمعاني والحقائق، تختزل موقع القضية في المشروع، نجعلها منطلقا نستخلص منها الحقائق التالية:

1- فلسطين، المواجهة بين الإسلام والجاهلية:

القضية الفلسطينية في نظر الإمام هي في قلب الصراع الدائر اليوم بين الأمة وأعدائها، فهي تجسد المواجهة بين الجاهلية والإسلام، والتدافع بين الحق والباطل. فالحروب المعلنة سواء أكانت عسكرية أو سياسية أو اقتصادية، وسواء أكانت مباشرة أو بالوكالة، مردها إلى هذه المواجهة وإن اتخذت لها شعارات وأقنعة وأشكالا وألوانا للتورية عن حقيقتها. صراع له جذوره التاريخية منذ الحروب الصليبية، التي تم استئنافها في حروب الاستعمار والتي توجت بغرس الكيان الصهيوني في قلب أرض المسلمين بفلسطين، بعد تقتيل أهلها وتشريدهم، إنها صدمة الاستعمار التي تكالبت فيها الأمم على أمتنا من أجل نهب خيراتها وضرب مقوماتها وتقتيل وتشريد أهلها وإعاقة نهضتها. مواجهة تستمر اليوم تحت نظرية الفوضى الخلاقة، فبعد مجازر فلسطين وغزو أفغانستان، ومذابح البوسنة والهرسك، تعم الفوضى الأمة بإحراق العراق وإشعال فتيل الحرب بسوريا واليمن وتغذية النعرات العرقية والقبلية من أجل تقسيم المقسم وتجزيء المجزأ ومواجهة كل ثورة أو نهضة تحررية. وتكتمل الصورة في بورما ووسط إفريقيا من خلال التطهير العرقي والإبادة الجماعية.

2- فلسطين قضية مصيرية:

يعتبر الإمام رحمة الله عليه قضية فلسطين قضية مركزية، حيث يجعلها بداية المواجهة الحاسمة بين الإسلام والجاهلية، فهي بداية وبوابة ومنطلق حسم هذا الصراع التاريخي، وليست قضية محلية ولا هامشية ولا ثانوية، بل هي قضية مركزية ومصيرية. يقول الإمام رحمه الله: “ليست “قضية فلسطين” قضية محلية، بل هي قضية مصيرية.” (سنة الله ص118).

فالقضية الفلسطينية تختزل أبعاد الصراع العقائدي والسياسي والاقتصادي والفكري بين الأمة وأعدائها، كما أن أرض فلسطين بعمقها وغناها التاريخي ورمزيتها وقداستها الدينية وإستراتيجية موقعها الجغرافي تعتبر بوابة الحسم على المستوى الفكري الإيديولوجي وكذا المستوى الواقعي الميداني.

3- فلسطين بين وعدين:

فلسطين تجسد صراعا عقائديا بين مشروعين: الأول يتأسس على نبوءة اليهود بمملكة بني صهيون الألفية التي ستقوم على جبل “صهيون” الحقيقي بأرض فلسطين، عقيدة تلتقي فيها اليهودية بالنصرانية البروتستانتية الداعمة للمشروع الصهيوني. مملكة صهيون والأرض الموعودة يقول عنها الإمام رحمه الله: “لكن “الأرض الموعودة” المسترجعة ليست سوى مرحلة انتقالية نحو “إسرائيل الكبرى” التي ترسمها الخرائط الصهيونية والتي تحتوي جزءا كبيرا من المشرق العربي، الأردن وسوريا والعراق ومصر”. (الإسلام والحداثة ص127). ويبين رحمه الله طمعهم في أبعد من ذلك: “لكنهم لم يَنْسَـوا أبدًا هذا الفصل من تاريخ شعبهم (يقصد طرد الرسول صلى الله عليه لليهود من المدينة بعد خيانته)، ولذا لا يقنع الصهاينة بالطمع في الأراضي التوراتية الممتــدة من فلسطين إلى سوريا والعراق ومصر، بل يرنون ببصرهم إلى المدينة المنـورة حيث موطن الأجداد من قينقاع وقريضة والنضير. فلا حدود لجشع الدويلة الإسرائيلية”. (الإسلام والحداثة ص139).

والمشروع الثاني يقوم على أساس وعد الآخرة وبشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي سطرت مراحل صيرورة الأمة، من النبوة إلى الخلافة الثانية على منهاج النبوة بعد الملك العاض والملك الجبري. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت.” إنها بشارة نبوية بظهور الإسلام رغم كيد الأعداء ومكرهم.

4- فلسطين وحتمية النصر:

يؤكد الأستاذ ياسين رحمه الله على النتيجة الحتمية لهذه المواجهة، هي النصر والتمكين للمسلمين. حتمية هذا المصير يستمدها الإمام من يقينه في وعد الله، وبشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنة الله التي لا تبديل لها، بأن الله ينصر المؤمنين ما آمنوا وأخذوا بالأسباب.

ما فتئ رحمة الله عليه يبشر بها ويزفها لأجيال الأمة الصاعدة حتى تنهض من كبوتها ونكستها، لتشرئب أعناقها لوعد الله بالنصر والتمكين. التربية على اليقين في الله عز وجل ووعده ووعد رسوله صلى الله عليه وسلم، كانت همه الأول وهدفه الأسمى، في وقت طغت فيه الغفلة عن الله، وتمكنت ثقافة الهزيمة والاستسلام من العقول والنفوس.

عن تميم الداري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزاً يعز الله به الإسلام وذلاً يذل الله به الكفر”.

5- فلسطين ووعد الآخرة:

نصر يؤكده وعد الله ووعد الآخرة بتحرير القدس ودخول المسجد الأقصى، قال تعالى: إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُم وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (سورة الإسراء الآية7).

إن الله يخاطب بني إسرائيل، أنه إذا جاء وعد المرّة الآخرة من مرّتي إفسادهم في الأرض بعث الله عبادا له أولي بأس شديد ليسوءوا ويقبحوا وجوههم، ويدمروا ما علو تدميرا وليدخلوا المسجد الأقصى كما دخلوه أول مرة فاتحين، وهو الفتح العمري. يقول الإمام رحمه الله عن وعد الآخرة بعد قراءته التجديدية لمطلع سورة الإسراء: “إن “وعد الآخرة”، وقد ذكره الله عز وجل في سورة الإسراء مرتين، حدث ضخم ينتظره المؤمنون. ليس موقعة جزئية ولا معركة جانبية كما يحسب العرب المكبوتون المغلوبون في فلسطين. قضية الإسلام واحدة، واجهتها الصدام المحتوم مع الجاهلية. وما فلسطين وأفغانستان إلا مقدمتان لوعد الآخرة. واليهود فص الجاهلية وروحها.” (سنة الله 155).

. إنها المواجهة الحتمية وإنها فلسطين المقدمة، وإنه النصر الموعود. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ» (رواه مسلم)

6- فلسطين والقوة:

لن يكون الدخول الثاني إلا كما كان الدخول الأول، بتحقق شرطين أساسيين، يخرجان الأمة من غثائيتها، شرطان بينهما الحق جل وعلى وجعلهما سببا الفتح الأول: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا (سورة الإسراء الآية 5). فالشرط الأول تحقيق العبودية لله تعالى، التي بها يتم تطبيب القلوب من الوهن الذي أصيبت به الأمة جراء غثائيتها، والثاني إعداد القوة الشاملة والبأس الشديد الذي يرهب أعداء الله.

إنها النظرة الاستراتيجية المستقبلية لدى الإمام لحركة الأمة على ضوء المنهاج النبوي ووعد الآخرة، فشتان بين من لا يتجاوز نظره أنفه، فتذهله وتتخبطه الأحداث، ويفقد البوصلة، ويستسلم لليأس والهزيمة، وبين من يثق في موعود الله وبشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقرأ كل الأحداث على ضوء الوعد والبشارة وسنة الله، فتزيده الأحداث يقينا وعزما وهمة وتصديقا.

إنها القدس وفلسطين في قلب المواجهة الكبرى بين الإسلام والجاهلية، وفي صلب مسيرة الاقتحام إلى الله، وحركة التدافع بين الحق والباطل، إنها القضية المركزية المصيرية المحورية في نظرية التغير، فالمنهاج النبوي هو الطريق لتحريرها في أفق بناء الخلافة على منهاج النبوة.

المحور الثاني: فلسطين والنظرية

إن أهمية القضية في فكر الإمام وموقعها داخل نظرية التغيير ومنهاج التحرير وخط الاقتحام، كما بسطناه في الفقرة السابقة، انعكست على المساحة التي احتلتها القضية في كتاباته رحمه الله، حيث خصص لها صفحات معتبرة من كتاباته. يمكن رصدها فيما يلي.

1- سنة الله:

كتاب سنة الله، أعتبره كتابا خاصا وفريدا في القضية الفلسطينية، فهو أجمع وأعمق ما كتب في الموضوع، فقد تناول فيه الإمام القضية الفلسطينية من زاوية سنة الله وفي إطار غثائية الأمة. وعرض فيه أحداث الأمة المأساوية والمحزنة باقتضاب ليتفرغ “لقراءة البرنامج الصهيوني والنفسية الصهيونية والأساليب الصهيونية استعدادا لوعد الآخرة” (سنة الله ص 107). قراءة القضية في إطار سنة الله بأن “ينصر الله رسله والذين آمنوا، إن آمنوا وعملوا الصالحات، لا إن أخلوا بالشرط الجهادي حالمين بالمدد الإلهي الخارق للعادة، وهو مدد لا يتنزل على القاعدين بل يخص به الله من قام وشمر وتعب في بذل الجهد، وأعطى الأسباب حقها.” (سنة الله 107).

جاء الكتاب في أربعة فصول تعالج القضية بتشخيص واقع الأمة وتحديد طبيعة العدو ورسم خط التحرير على ضوء سنة الله. والفصول هي: “القاسية قلوبهم” و”روح الجاهلية” و”الصحوة الإسلامية” و”من الشكوى العاجزة إلى الوعود الناجزة”.

2- الجرح الفلسطيني:

خصص رحمه الله فصلا كاملا في كتابه الإسلام والحداثة سماه “الجرح الفلسطيني”، ليعرض القضية الفلسطينية في سياق هدف الكتاب، والذي كتب باللغة الفرنسية واستهدف الفئة المغربة، والغرب بصفة عامة، بمقاربة تخاطب الضمير الإنساني والقيم الحقوقية وكرامة الإنسان وتحاور الآخر، ولا تنفك عن التذكير بسنة الله، يقول الإمام رحمه الله في ختام هذا الفصل: “حاولنا في الصفحات السابقة فتح ملف النـزاع بين الإسلام والحداثة. منهجية ضرورية لتجاوز الاعتراضات المتبادلة والإفلات من الجمود الذي يعترينا حين تلهينا معارضة الآخر عن غاية الوجود البشري فوق الأرض وتصبغ أفقنا بالسواد.”.

تضمن الفصل خمس فقرات وهي: “فلسطين المشروع” و”فلسطين الابتلاء” و”فلسطين، وأسلمة التاريخ” و “أبناء إسرائيل العاقون” و”علو وقسوة”. فصل بسط فيه المشروع الصهيوني وأهدافه وجرائمه، وأسس نشأته وأسباب دعم أوروبا وأمريكا له، و تداعي تواطؤ أمريكا البروتستانتية مع الصهيونية على القضية، وكيف تشكل فلسطين ابتلاء وامتحانا عسيرا للأمة من خلال النكبات والانتكاسات التي عرفتها، وحاجتنا لأسلمة التاريخ حتى ننظر لابتلائنا في سياقه التاريخي النسبي، وكيف أن طبيعة بني إسرائيل العقوق والعلو والفساد. وإذا كانت الصهيونية هذه خصائصها، فهل من إمكانية للجلوس واللقاء مع الذين قالوا: إنا نصارى لمعالجة مشاكل العصر من بؤس وحروب، “علنا نمتِّعُ كل بلد في العالم، كل شعب بل كل إنسان بل كل كائن بالإحسان العالمي، بالسلام الكوني، بمحبة الآخر، بكل فضيلة يحض عليها شرعنا ويأمر بها كتابكم” (الإسلام والحداثة ص 141).

3- تحرير القدس:

 فقرة عنونها ب”تحرير القدس” ضمن فصل “جذور العلمانية” من كتاب “الإسلام والقومية العلمانية”. والحقيقة أن الفصل بكامله يعالج القضية الفلسطينية بمقاربة تخدم إستراتيجية الكتاب من خلال قراءة في الحروب الصليبية وطبيعة النصرانية وتحولاتها، وتجلياتها ودورها في الوقت الحاضر، والفتح الصلاحي للقدس، وخصوصيات المرحلة وتحديات التحرير القادم مقارنة مع التحرير الصلاحي.

 وهكذا حملت فقرات الفصل عناوين لها دلالتها، من مثل: “من هم النصارى ؟”، “شبح الحروب الصليبية”، “حقيقة الحروب الصليبية اليوم”، “تاريخ الحروب الصليبية”، و”تحرير القدس”…

وكل ذلك في ارتباط القضية بالقومية، يقول الأستاذ المجدد رحمه الله:

“حول الأرض المقدسة، حول فلسطين المحتلة كيانات عربية هزيلة، قومية ووراثية عشائرية، لكن اليهود لا يطمئنون، وهم دولة طائفية، إلا إن قامت حول فلسطين دويلات طائفية موازية متحالفة خادمة ممتدة كالسرطان في جسم العرب والمسلمين.” (الاسلام والقومية ص 111).

4- فلسطين وبقية المسطور:

 لا يخلو كتاب من كتبه رحمة الله عليه إلا والقضية حاضرة وهذا طبيعي بالنسبة لفكر نسقي يعتبر القضية الفلسطينية قضية مركزية ومصيرية بالنسبة للأمة. نعرض على سبيل المثال بعض النصوص المعتبرة، من بعض الكتب تفاديا للإطالة، المجسدة لبعض معالم النظر للإمام في القضية الفلسطينية:

أ- فلسطين وضرورة المنهاج:

كتاب المنهاج النبوي عرض فيه الإمام المنهاج أو نظرية التغيير، ولهذا نختار فقرة يربط فيها الإمام بين النظرية وتحرير فلسطين. يقول رحمة الله عليه وهو يعرف المنهاج والنظرية: “أقصد علما وتعليما يصارع الواقع الحالي، ويخطط لمستقبل المسلمين.

أقصد نظرة اجتهادية إسلامية شاملة شمولية تبين للمثقف والعامل والفلاح، والرجل والمرأة، والصديق والعدو، كيف يصبح القرآن، وهو طلبة المسلمين المستضعفين، قانونا عمليا يوجه الحياة اليومية، ويقسم الأرزاق، وينظم الاقتصاد، ويصنع البلاد، ويسلح العباد، وينصر دين الله في الأرض.

أقصد علما وإعلاما وتطبيقا لإسلام العدل، لإسلام الكرامة، لإسلام الخبز اليومي وأسباب الكسب الشريف، والتحرر من التبعية، وهزم جيوش الاحتلال، وإعادة فلسطين، وأفغانستان وبلاد الإسلام”. (المنهاج النبوي ص 402).

فتحرير أراضي المسلمين وفي مقدمتها القدس هدف المنهاج ومطلب نظرية التغيير. كما يفهم ألا تحرير لبيت المقدس بدون منهاج وبدون تخطيط استراتيجي وبدون علم ومعرفة. فللعدو مخططاته وإستراتيجيته للاحتلال، أحرز بها الهدف المنشود، ففي المؤتمر الصهيوني الأول قال هرتزل ستقوم إسرائيل بعد خمسين سنة وكذلك كان، قامت إسرائيل بعد خمسين سنة. ويبقى المسلمون يعبرون عن آمالهم وأحلامهم عاطفة لا تتحول إلى مخطط عملي استراتيجي، وهذا ما كرس الإمام حياته من أجل بلورته.

ب- فلسطين والاستعمار:

 يقول الإمام رحمة الله عليه: “لا تناقض إذا بين النوايا المعلنة منذ أربعة عقود ونيِّف وبين التطبيقات والإجراءات العالمية الفعلية المتجلية في طرد العرب من فلسطين، وتثبيت أقدام الشتات اليهودي في فلسطين، ومحرقة بغداد، ومجازر البوسنة والهرسك الرهيبة. وفي التطبيقات العالمية الفعلية الإجرائية منذ أربعة عقود ونيف ما يثبت أن الاستعمار الذي أملى إعلان الحقوق والحريات هو نفس الاستعمار قبل إعلانها، بل هو بعد الإعلان أشد ضراوة.” (كتاب حوار مع الفضلاء الديمقراطيين ص222)

 وهذا ما تأكد في الواقع بعد مرور مائة سنة على وعد بلفور ونصف قرن على احتلال القدس، حيث احتفلت بريطانيا بذكرى الوعد المشؤوم بدل الاعتذار للعرب والمسلمين عن المجازر والانتهاكات الحقوقية التي ارتكبت في حق الشعب الفلسطيني طيلة قرن. وبعد وعد بلفور أصدرت الولايات المتحدة الأمريكية قرار ترامب الذي يعترف بالقدس عاصمة للدولة اليهودية الصهيونية. إنه التواطؤ بين اليهودية الصهيونية والنصرانية البروتستانتية، التي لا يتوارى قادتها عن البوح بالنزعة الصليبية كما فعل بوش. يقول الإمام رحمه الله: “وبعد تسعة قرون، وبعد حروب بين النصارى انتهت بحربين عالميتين يتصالح أهل الكفر ويحتلون الأرض المقدسة في فلسطين يسكنون فيها حلفاءهم اليهود. ويخطب الرئيس بوش الخطاب الصليبي بلهجة عصرية ليبلغ قومه وملته نفس الرسالة الصليبية. عجز نصارى أربان، وهم اليوم يبطشون بنا في فلسطين وبغداد والبوسنة”. (تنوير المومنات ص85)

ج- فلسطين وحقوق الإنسان:

كثيرا ما يكشف الإمام زيف شعارات حقوق الإنسان من خلال واقع القضية الفلسطينية يقول رحمه الله: “خذَلَ الرأيُ العام العالمي مسلمي فلسطين، وطاح شعار “حقوق الإنسان” الذي لا ترتفع صيحاتُه إنْ تكلم اليهود. وخذَلهم إخوانهم المسلمون، عجزا لما هم تحته في مشارق الأرض ومغاربها من معاناة للحكم الجبري القومي اللايكي.” (كتاب الإحسان ج2- 446ص) وفي هذا السياق تطرق الإمام إلى كيل أمريكا بمكيالين في قضية فلسطين قائلا رحمه الله: “تتدرع الولايات المتحدة الأمريكية نصيرة حقوق الإنسان بالقانونية الدولية وإجماع مجلس الأمن الموالي لإرادتها، وأخلاقية الفضيلة العالمية، لتفرض بالحديد والنار وجهة نظرها وقضاء مصلحتها على الشعوب المستضعفة. كأن فلسطين، واحتلال اليهود لربوعها، وتشريدهم لشعبها حق. وكأن إبادة المسلمين في البوسنة والهرسك حق. تتدخل هناك منذ خمس وأربعين سنة لتتمم صنع الاستعمار البريطاني، وتمسك هناك تاركة للصرب المتوحشين مهمة المجزرة.” (محنة العقل المسلم ص 80)

وهاهي أمريكا اليوم تستعمل حق التحفظ في وجه قرار مجلس الأمن ضد إعلان ترامب القدس عاصمة إسرائيل، ومن خبث النظام المصري أن مشروع القرار الذي تقدم به لم يكن ضد قرار أمريكا مما سمح لها بحق استعمال حق التحفظ.

د- فلسطين والتحدي المستقبلي للدعوة:

بجانب هذه المكانة البارزة للقضية الفلسطينية، نجد الإمام رحمه الله، ينبه إلى التحدي المستقبلي للدعوة بعد التحرير ليضع الأمور في نصابها فيقول: “ليسَ التحدي الثقيل الذي ينبغي أن تتجند له الدعوة وتواجهه من قبيـل…كسب العلوم وترويض التكنولوجيا … ولا هو ينتهي في حدود الجهاد لأداء «فاتورة» المديونية… ولا هو واجبُ تنمية بلاد الإسلام وتحريرها من التبعية. ولا هو هذا المعضل المحوري المركزي، الهم الدائم، هم فلسطين وكارثة فلسطين.

التحدي المستقبلي الثقيل في حق الدعوة هو حمل الرسالة لعالم متعطش. وزنُنا السياسي، ولو ثقُلَ بعد زوال وصمة الغثائية، لا يوازي وزننا الأخلاقي الروحي بوصفنا حملة الرسالة الخالدة. بوصفنا مبلغين عن رب العالمين وعن رسوله الأمين.” (العدل ص 68).

إنها القضية، المعضلة، المحورية، المركزية، الهم الدائم. وإنه التحدي المستقبلي في حق الدعوة بعد التحرير هو حمل الدعوة إلى الله للعالمين للإنسانية المتعطشة.

هـ-  فلسطين بين الشعر والنثر:

لم يكتف، رحمة الله عليه، بالكتابة عن فلسطين نثرا بأسلوبه الأدبي البديع، بل كتب عنها شعرا، ليفي الشعر بما عجز عنه النثر. يقول رحمه الله في قطوف 44:

فِلِسْطينُ فلسطينُ بَجَنْبِ العُرْبِ إِسْفِينُ

ولَوْ للعُرْبِ تمييز وفُلْكُ العُرْبِ مشحونُ

لأَلْقَوْا مِن شِعاراتٍ لها بالدينِ تهوينُ

وقالوا: نحن إسلامٌ لنا بالدين تمكينُ

وقُدْسُ اللهِ نَفْدِيه فَقُدْسُ الله مسجونُ

جِهادُ الكُفْرِ مذهبُنا ومفروضٌ ومسنونُ

صلاةُ الله نُهديها مِنَ الأملاكِ تأمينُ

المحور الثالث: فلسطين والتنفيذ

لم ينحصر حضور القضية الفلسطينية عند الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله في التنظير، بل كانت حاضرة في عمله وجهاده وبنائه، ونعرض نماذج لهذا الحضور على مستويات ثلاثة.

على مستوى الخطاب، وعلى مستوى المواقف، وعلى مستوى البناء.

1- فلسطين والخطاب:

أ‌- فلسطين واقتحام العقبة:

لم يكن الإمام رحمه الله يقتصر على الكتابة والتنظير للقضية، بل كان يتكلم عنها في مجالسه ولقاءاته، مربيا ومعلما ومستنهضا للهمم، ففي مجالسه الأولى التأسيسية التي كان يعقدها ببيته، في بدايات الثمانينات، وكانت تسمى مجالس المنهاج النبوي، قال رحمه الله في المجلس الرابع المنعقد يوم الثلاثاء 19 رمضان سنة 1401 ه تحت عنوان اقتحام العقبة: “أما اليوم، فالمسلمون مستعبدون تحت الذمة. من يحكم المسلمين؟ تحكمهم أمريكا وروسيا واليهود. من يحكم الضفة الغربية؟ من يحكم فلسطين المحتلة؟ من يحكم القدس؟ الصهاينة أعداء الله؛ فنحن عبيد بحاجة إلى من يفك رقابنا.

فبالله عليكم كيف نلقى الله عز وجل، فيسألنا الملائكة: فِيمَ كُنتُمْ؟ أفيُقْبل منا جواب: كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ؟ في حرم الله في القدس الشريف اليهود يحكمون، يقتلون أولياء الله، يقتلون العلماء، ينكلون بالمسلمين والمسلمات، يهتكون الأعراض. لكن ما دام أذنابهم يحكمون سائر أرض المسلمين، مادام أذنابهم يمثلون الاستعمار الصهيوني والغزو الصليبي والغزو الفكري بين ظهرانينا ونحن ساكتون فلن يكون إلا هذا! لا يرفع الله عز وجل عنا هذا الذل ونعود إلى المستوى الذي يريده الله عز وجل لنا ونكون نحن الأحرار، نحرر الإنسانية ونفك الرقاب، إلا عندما نغير سلوكنا، عندما نسير إليه تائبين متقربين مجاهدين. ولن يغير الله ما بنا حتى نغير ما بأنفسنا. وهذا يرجع بنا إلى العقبة النفسية التي قال فيها الإمام الحسن البصري: عقبة والله شديدة!”. فالفترة الزمنية لهذه الكلمة، وهي بداية التأسيس، والسياق الذي جاءت فيه، وهو الحديث عن موجبات اقتحام العقبة، يؤكد تهمم الرجل بالقضية وأولويتها في تفكيره وحمله لعبئ استنهاض الأمة لاقتحام العقبة تحريرا للأرض والرقاب دنيا وأخرى على المنهاج النبوي.

ب‌- تحرير فلسطين بتحرير الأوطان:

في تصريح للإمام رحمه الله لقناة الحوار بمناسبة الحصار على غزة 25-1-2009، يسأل المذيع الأستاذ عبد السلام ياسين ماذا تعني كلمته: “ينبغي أن نساعدهم بكل قوة” ما هي هذه المساعدة على الأرض التي يمكن أن نقدمها للفلسطينيين المحاصرين بعيدا عن الشعارات خاصة أننا لم نسمع أن مصر ستفتح المعبر وأن العرب سيكسرون رسميا الحصار في قمة الكويت؟

فأجابه رحمه الله: “على المدى القريب نعمل كل ما نستطيع، لكن هذا لا يكفي، ينبغي للأمة أن تنظر إلى أصل البلاء، من أين أتونا هؤلاء المنافقون ليحكموا علينا ولكي يحكموا في صالح الأعداء، هؤلاء ليسوا منا بل مدسوسون في الأمة، من أين أتانا هذا الدس، من سكوتنا عن فساد الحكم، الحكم العاض والجبري الذي حذرنا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاءنا وخلط الأوراق وجعل الأمة تسير مع كل ناعق. ينبغي أن نصحح، على المدى البعيد، المبادئ التي نبدأ بها، وهو أن يكون الحكم صادرا منا وألا نترك للمنافقين مجالا يعيثون فيه فسادا ويتحالفون فيه مع الأعداء. على المدى القريب كان هناك فرقان بين المنافقين والصادقين، بين المجاهدين والقاعدين، لكن على المستوى البعيد ينبغي أن نصحح المسار من أوله وألا نترك مجالا للمنافقين ليحكمونا. هؤلاء العاضون هؤلاء الجبريون هؤلاء المنافقون ينبغي أن تتخلص الأمة منهم، ينبغي أن تتخلص الأمة منهم”. كلام قوي يضع الأصبع على مكمن الداء ويرسم خط التحرير، بأن تحرير فلسطين رهين بتحرر الأوطان، وأن أي عمل في إطار محاربة الاستبداد والفساد هو عمل في طريق تحرير فلسطين والقدس الشريف. وهو النداء الذي تعالت به أصوات الشعوب العربية في الميادين في الربيع العربي، فكانت الدول المحررة خير معين لشعب فلسطين، خاصة مصر وقادتها إبان الثورة وأثناء العدوان، مما دفع جحافل الفساد للانقلاب العسكري على خيار الشعب مدعمة من طرف قوى الاستكبار، عجل الله بالفرج عن القابعين في سجون الظلم صامدين غير مبدلين ولا مغيرين، وإنها جولة للباطل يأتي النصر بعدها قريبا إن شاء الله.

2- فلسطين والصدع بالحق:

في رسائل الإمام الشهيرة لحكام المغرب، كانت القضية حاضرة بموقف قوي وشجاع، وبكلمة حق صادعة لا تخشى في الله لومة لائم.

أ‌- الإسلام أو الطوفان:

 ففي رسالة “الإسلام أو الطوفان” التي أرسلها، رحمه الله، إلى الملك الحسن الثاني في بداية السبعينيات، وقضى على إثرها ثلاث سنوات ونصف معتقلا بين مستشفى المجانين ومستشفى الأمراض الصدرية، تحدث رحمه الله عن الصهيونية في مواطن ثلاثة، عند إشادته بالإمام حسن البنا رحمه الله وجهاد الإخوان المسلمين للمستعمرين والمحتل، وتنديده باضطرار الحاكم للتحالف من أجل الحماية والأمن الشخصي، مقابل فتح الاقتصاد الوطني للمال الصهيوني، وفتح المجال السياسي للدعاية الصهيونية.

وبعد ذكر انتصار الجيش المغربي في حرب 1973 بالجولان والسمعة الطيبة التي خلفتها بطولاته على جبل الشيخ الاستراتيجي، ومحاولة الملك توظيف ذلك في التعبئة لتحرير الصحراء، يقف رحمه الله للتأكيد على أن الأمر يحتاج إلى ثقة الأمة بقائدها، وتغيير جذري في هيكل الدولة. مع التأكيد على وجوب تحرير بلاد المسلمين، قال رحمه الله: “وإن حرباً مع إسبانيا إن تمادت في تهديد بلاد المسلمين واقتصاد الأمة المغربية، واستمرت في احتلال أرض الإسلام وثغور المسلمين لضرورة إسلامية كضرورة قتال أعداء الإسلام على القدس وعلى كل بلاد المسلمين أينما اضطهدوا حين تتوحد الدول الإسلامية على لواء الإسلام.” (الإسلام أو الطوفان).

ب‌- مذكرة إلى من يهمه الأمر:

أما مذكرة إلى من يهمه الأمر التي أرسلها الأستاذ ياسين رحمه الله إلى الملك محمد السادس، فبعد الإقرار بما أشارت إليه الرسالة الموجهة للملك الوالد تلميحا في السبعينيات، حين كان الأمر سرا، لكنه أصبح اليوم علنا ومكشوفا، كشفته الصحافة الأمريكية من مصادقة ومساندة وتَوادّ مع الصهيونية العالمية واهتمامه الكبير بها دعت الملك الابن: “يجب أن ينعتق محمد السادس بتبرئه الصادق الواضح من حماقات والده المهينة للدين والخلق.. ومن الخطايا القاتلة التي لن يمحوها إلا توبة صادقة إلى الله.

وإن مجافاة هذه السياسة الممقوتة التي تقوم على خيانة الشعب الفلسطيني الذي تجمعنا به الأخوة الإسلامية لن تكون مهمة سهلة.” (مذكرة إلى من يهمه الأمر ص: 25)

3- فلسطين والبناء:

أسس الإمام رحمه الله تنظيما قويا يتكفل بتنزيل النظرية على أرض الواقع ويسير على خطى المنهاج النبوي. ومادامت القضية الفلسطينية مركزية في التنظير، فقد كانت حاضرة بقوة في التنفيذ والتنظيم، من خلال تربية جند الله على حب فلسطين والدفاع عنها تعبدا لله لا رياء ولا بطرا، واستنهاض الأمة لنصرتها وتحريرها بكل الوسائل الممكنة والمشروعة.

ونعرض بعض جوانب النصرة التي اضطلعت بها جماعة العدل والإحسان سواء بمفردها أو بالمشاركة مع أطراف أخرى، إذ تعتبر القضية الفلسطينية قضية جامعة والعمل على جمع كل المكونات من أجل نصرتها شكل من أشكال النصرة:

أ– أسست الجماعة مؤسسة داخلية تنهض بمهمة التضامن والنصرة تعليما وتأطيرا وتدافعا، لها برامجها ولجنها وإنجازاتها المشهودة. سميت ب”هيئة النصرة” وهي تابعة للأمانة العامة للدائرة السياسية. كما أن مكتب العلاقات الخارجية للجماعة لا تغيب القضية عن اهتماماته وبرامجه وفق أدواته وآلياته.

ب– نظمت الجماعة المسيرات المليونية بمشاركة مكونات المجتمع المغربي، حيث عرف المغرب العشرات من المسيرات في قلب العاصمة الإدارية أو الاقتصادية، مسيرات حررت الشارع المغربي رغم قرارات المنع في بعض الأحيان. مسيرات قال عنها أحمد ياسين رحمه الله: “مسيرة في المغرب بالرباط تعادل عندي عملية استشهادية في تل أبيب”، وكان الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله يقول للمشاركين فيها فيما معناه: “انظروا إلى فضل الله وكرمه عليكم، كتب لكم أجر المجاهدين بأقل جهد”.

ج– تنظيم تظاهرات وجمعات الغضب تلبية لنداء النصرة للمسجد الأقصى، والتي تشهد العشرات من المظاهرات، قد تتجاوز أحيانا مائة مظاهرة في اليوم الواحد بمساجد مدن المغرب، تنديدا بالعدوان وتضامنا مع المحاصرين والمضطهدين من أبناء فلسطين.

د– تنظيم المهرجانات والملتقيات والندوات تنويرا للعقول، واستنهاضا للهمم، وتضامنا مع المقاومين، في المدارس والجامعات والفضاءات العامة والخاصة والبيوت، كملتقى القدس الذي ينظم بالجامعات بتنسيق بين الاتحاد الوطني لطلبة المغرب والهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة.

هـ– مشاركة وفود الجماعة في قوافل كسر الحصار، سواء شرايين الحياة أو أميال من الابتسامات، أو أسطول الحرية، الذي حرص الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله على استقبال المشاركين فيه، قبل الذهاب وبعد العودة، يمدهم بنصائحه وتوجيهاته.

و– تأسيس إطارات تنسيقية جامعة مع فاعلين في المجتمع تهتم بالقضية الفلسطينية، مثل مجموعة العمل الوطني من أجل فلسطين، شباب من أجل القدس، والمرصد المغربي لمناهضة التطبيع، والائتلاف المغربي للتضامن، والائتلاف المغربي من أجل فلسطين ومناهضة التطبيع…

ز– المشاركة في الائتلافات والمنظمات الدولية الخادمة للقضية الفلسطينية، كمؤسسة القدس الدولية، والائتلاف العالمي لنصرة القدس وفلسطين، والهيئة الدولية لإعمار غزة.

ح– كما أن قيام الهيئة الدولية العربية لإعمار غزة، ببناء مؤسسة للعلوم الشرعية بغزة، باسم الإمام المجدد عبد السلام ياسين، معلمة شاهدة على ارتباط الرجل بالقضية، على مستوى الفكر والفعل.

خاتمة: كان همي في هذا البحث التأكيد على أهمية القضية وموقعها في فكر الإمام رحمه الله وتتبع حضورها في كتاباته وأعماله، على أمل أن يخصص بحث آخر، إن شاء الله، لعرض معالم القضية في فكر الإمام، والتي عرجنا على بعضها عرضا. وأسأل الله أن أكون قد وفقت في تحقيق المراد، وحفزت القلوب والعقول والأقلام، لتعكف على هذا الإرث الضخم، لدراسته وتفصيله وعرضه على أبناء الأمة والأجيال القادمة تنويرا للقلوب والعقول واستنهاضا للهمم والعزائم.

والحمد لله رب العالمين.