ليث الإسلام، نور الدين الشهيد، الملك العادل، تقيّ الملوك… ألقاب تزين سيرة نور الدين محمود بن عمادِ الدِّين زَنْكِي. نذكّر به في هذه الأسطر، في الذكرى 900 لميلاده (1118 م).

أنجبت أمتنا على مدار تاريخها الطويل رجالات تتردد أسماؤهم على الألسن، وتحمل ذكراهم القلوب، وتحن إلى فعالهم الأرواح، وتتخذها الأجيال قدوة ومثالا. وما كان لهؤلاء الرجال أن يحوزوا هذا الفضل لولا ما كان يحركهم من صدق مع الله، وحرقة على مقدسات الأمة، ورغبة في استرجاع هيبتها بين الأمم.

ولد نور الدين فجر الأحد 17 شوال 511ه، وتعلم القرآن الكريم ونشأ على الفروسية والرمي، وعرف بالشهامة والشجاعة والحصافة ورجاحة العقل وعلو الهمة، وبمحبة السنة والحرص على اتباعها، وبحسن الخلق. فقد قال ابن عساكر في “تاريخ دمشق”: “ولقد حكى عنه من صحبه في حضره وسفره أنه لم يكن يُسمع منه كلمة فحش في رضاه ولا في ضجره، وإن أشهى ما إليه كلمة حق يسمعها أو إرشاد إلى سنة يتبعها”. 1

نوع نادر ونفيس من القادة هو، لم يسجل التاريخ اسمه في صفحاته عبثا. لم يكن كجملة الحكام الذين يحكموننا على امتداد خارطة العالم الإسلامي، من فسدت أخلاق معظمهم فأزكم الأنوف نتنها، وجعلوا الحكم مغنما لمآربهم ومآرب عوائلهم وخدامهم المقربين فازداد الفقير فقرا والغني غنى، وجمعوا في يد واحدة بين سلطة المال وسلطة الحكم، وفرطوا في الأرض وفي المقدسات، وكانوا تبعا لمن يحمي كراسيهم من شعوبهم، حتى أصبحنا في ذيل الأمم. روى أبو شامة قائلاً: “وبلغني من شدة اهتمام نور الدين رحمه الله بأمر المسلمين حين نزل الفرنج على دمياط أنه قرئ عليه جزء من حديث كان له به رواية، فجاء في جملة تلك الأحاديث حديث مسلسل بالتبسم فطلب منه بعض طلبة الحديث أن يبتسم لتتم السلسلة على ما عرف من عادة أهل الحديث، فغضب من ذلك وقال: إني لأستحي من الله تعالى أن يراني مبتسماً والمسلمون محاصرون بالفرنج” 2

حاكم كان يجمع الفقهاء والعلماء والمشايخ والصوفية ويكرمهم ويعظمهم، وكان يحب الصالحين ويجلهم، يعجز قلبه عن أن يشير إلى شفتيه بابتسامة عارضة، حياء من الله تعالى وبعض المسلمين في محنة حصار عابر، وحكام يجودون على أعداء الأمة بالابتسامات وبالأحضان وبالقبل وبأموال المسلمين طلبا للرضا، ويعبسون في وجوه شعوبهم بل يذيقونهم من ألوان التفقير والتضييق والاستعباد ما لا تتسع العبارة للاستفاضة فيه. أذلة على الخصوم والكافرين، أعزة على المسلمين المستضعفين…

أما شجاعته فحدث ولا حرج؛ فقد قال الحافظ ابن كثير في “البداية والنهاية”: “وأما شجاعته فيقال: إنه لم ير على ظهر فرس أشجع ولا أثبت منه”، وقال: “وكان شجاعاً صبوراً في الحرب، يضرب المثل به في ذلك. وقال له يوماً قطب الدين النيسابوري: بالله يا مولانا السلطان لا تخاطر بنفسك؛ فإنك لو قتلت قتل جميع من معك وأخذت البلاد، وفسد المسلمون؛ فقال له: اسكت يا قطب الدين فإن قولك إساءة أدب مع الله، ومن هو محمود؟ من كان يحفظ الدين والبلاد قبلي غير الذي لا إله إلا هو؟ ومن هو محمود؟ قال فبكى من كان حاضراً رحمه الله”.

شجاعة الرجل في مواجهة الأعداء، هي وجه من أوجه شجاعته في تحمل المسؤولية، وفي الدفاع عن الدين والأرض والعرض. فأين منه من ينصبون أنفسهم حكاما ملهَمين لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم، ويحرصون على الظهور بمظهر الكبر المقيت والعظمة الخادعة التي أودت بفرعون من قبل أسفل سافلين؟

فتح الله على يدي زنكي ما كان يرزح تحت حكم الصليبيين من مناطق ومدن وحصون وقلاع وتلال خاصة في الشام، وأدرّ على الضعفاء والأيتام الصدقات، بحسب ما حكاه ابن عساكر، ف“تعهد ذوي الحاجة من أولي التعفف بالصلات، حتى وقف وقوفاً على المرضى والمجانين، وأقام لهم الأطباء والمعالجين، وكذلك على جماعة العميان، ومعلمي الخط والقرآن، وعلى ساكني الحرمين ومجاوري المسجدين، ورفع عن الحُجّاج ما كان يؤخذ منهم من المكس، وبنى الجسور في الطرق والخانات، ونصب جماعة من المعلمين لتعليم يتامى المسلمين، وأجرى الأرزاق على معلميهم وعليهم وبقدر ما يكفيهم، فما من بلد منها إلا وله فيه حسن أثر، وما من أهلها أحد إلا نظر له أحسن نظر، وحصل الكثير من كتب العلوم ووقفها على طلابها، وأقام عليها الحفظة من نقلتها وطلابها وأربابها، وجدد كثيراً من ذي السبيل وهدى بجهده إلى سواء السبيل”. 3

أما تواضعه واحتقاره لنفسه فهو دليل على زكاة ذمته وأصالة تربيته؛ قال ابن كثير: “كان نور الدين عفيف البطن والفرج، مقتصداً في الإنفاق على أهله وعياله في المطعم والملبس حتى قيل: إنه كان أدنى الفقراء في زمانه أعلى نفقة منه، من غير اكتناز ولا استئثار بالدنيا… وبلغه أن زوجته تطلب إليه الزيادة في مخصصاتها المالية، “فتنكر واحمر وجهه ثم قال: من أين أعطيها، أما يكفيها مالها؟ والله لا أخوض نار جهنم في هواها! إن كانت تظن أن الذي بيدي من الأموال هي لي فبئس الظن! إنما هي أموال المسلمين، ومرصدة لمصالحهم، ومعدة لفتق ـ إن كان ـ من عدو الاسلام، وأنا خازنهم عليها فلا أخونهم فيها، ثم قال: لي بمدينة حمص ثلاثة دكاكين ملكاً قد وهبتها إياها فلتأخذها! وكان يحصل منها قدرا قليلا، نحو عشرين ديناراً” 4

هذا الزهد في الدنيا، وهذا التطلع لما عند الله في الآخرة، وهذا الخوف من تبعات المسؤولية، كان ثمرة سلوكه التربوي، ونتيجة إقباله على الله تعالى بالعبادة والتبتل والمناجاة؛ فقد “كان أكثر الليالي يصلي ويناجي ربه، مقبلاً بوجهه عليه، ويؤدي الصلوات الخمس في أوقاتها، بتمام شرائطها وأركانها وركوعها وسجودها… وكان كفّار القدس يقولون: إن نور الدين له مع الله سر! فإنه ما يظفر علينا بكثرة جنده وعسكره وإنما يظفر علينا بالدعاء وصلاة الليل، والله يستجيب دعاءه ويعطيه سؤله وما يرد يده خائبة، فيظفر علينا” (الروضتين لأبي شامة)، و”كان من عادة نور الدين أنه كان ينزل إلى المسجد بغلس، ولا يزال يركع حتى يصلي الصبح” 5 ، وقال ابن الأثير: “حدثني صديق لنا بدمشق كان رضيع الخاتون زوجة نور الدين فقال: كان نور الدين يصلي فيطيل الصلاة، وله أوراد في النهار، فإذا جاء الليل وصلي العشاء نام، ثم يستيقظ نصف الليل، ويقوم إلى الوضوء والصلاة والدعاء إلى بكرة، ثم يظهر للركوب ويشتغل بمهام الدولة” 6

عبادة وتزكية روحية لازمت هذا الرجل حتى صارت روحه شفيفة رقيقة متعلقة بربها، متهممة بأمتها، حريصة على دين الله، فكان المدد الرباني شلالا يتدفق على صاحبها بركة وتأييدا ومعية وسوقا إلى سبل الخير والصلاح والفلاح في الغيب والشهادة معا. “رأى النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة واحدة ثلاث مرات، وهو يقول له في كل واحدة منها: يا محمود أنقذني من هذين الشخصين، لشخصين أشقرين تجاهه، فاستحضر وزيره قبل الصبح فأخبره، فقال له: هذا أمر حدث في مدينة النبي صلى الله عليه وسلم ليس له غيرك، فتجهز نور الدين وخرج على عجل بمقدار ألف راحلة وما يتبعها من خيل وغير ذلك، حتى دخل المدينة على غفلة، فلما زار طلب الناس عامة للصدقة، وقال: لا يبقى بالمدينة أحد إلا جاء، فلم يبق إلا رجلان مجاوران من أهل الأندلس نازلان في الناحية التي قبلة حجرة النبي صلى الله عليه وسلم من خارج المسجد عند دار آل عمر بن الخطاب، قالا: نحن في كفاية، فجدّ في طلبهما حتى جيء بهما فلما رآهما قال للوزير هما هذان، فسألهما عن حالهما وما جاء بهما، فقالا لمجاورة النبي صلى الله عليه وسلم، فكرر السؤال عليهما حتى أفضى إلى العقوبة، فأقرّا أنهما من النصارى ووصلا لكي ينقلا النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الحجرة الشريفة، ووجدهما قد حفرا نقباً تحت الأرض من تحت حائط المسجد القبلي يجعلان التراب في بئر عنهما في البيت. فضرب أعناقهما عند الشباك الذي شرقي حجرة النبي صلى الله عليه وسلم خارج المسجد وركب متوجهاً إلى الشام راجعاً، فصاح به من كان نازلاً تحت السور واستغاثوا وطلبوا أن يبني لهم سوراً يحفظهم فأمر ببناء هذا السور الموجود اليوم”. 7

حياة استغرقها صاحبها في العبادة والتبتل والزهد وطلب ما عند الله، فكان لجهاده معنى موصولا بالغاية العظمى، ولهذا كان جهادا مباركا فاعلا في الميدان، لا يزال أثره بعد أجيال وقرون متمثلا قائما يرجع إليه الناس لاستلهام العبر من أحد صناع التاريخ في هذه الأمة. ولئن ذكر التاريخ جهاد صلاح الدين الأيوبي وعمله في استرجاع المسجد الأقصى من يد الغاصب الصليبي، فإن جهاد نور الدين زنكي كان الشرارة الأولى والمنطلق والأساس الذي بنى عليه صلاح الدين جهاده الذي توج باسترجاع أولى القبلتين وثالث الحرمين.

لقي نور الدين زنكي ربه يوم الأربعاء 11 من شوال سنة 569.

رحم الله هذا القائد الكبير رحمة واسعة.


[1] تاريخ مدينة دمشق – ج 57 – مأمون – مسعدة.
[2] مختصر كتاب الروضتين في أخبار الدولتين لأبي شامة، اختصار د. محمد بن حسن بن عقيل: 140.
[3] مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر – الجزء الرابع و العشرون ص: 124.
[4] التاريخ الباهر في الدولة الأتابكية لابن الأثير: 165.
[5] المرجع السابق:1/ 459.
[6] التاريخ الباهر في الدولة الأتابكية لابن الأثير: 164.
[7] شذرات الذهب: 4/230-231، والكواكب الدرية: 72-73.