الأمازيغ شعب مؤمن بالفطرة، اختار الإسلام عقيدة وشريعة منذ أن وصلتهم دعوته في أواخر القرن الأول الهجري، فكان لهم فضل كبير في إكمال فتوح المغرب ونشر الإسلام في دول غرب إفريقيا، وحمل لواء الدعوة الإسلامية إلى أوربا، فاصطبغت حياة الأمازيغ بتعاليم الإسلام وآدابه في كل نواحيها خاصة الناحية الاجتماعية، فجوهر أعرافهم وأسس علاقاتهم تستمد أصالتها من تعاليم الإسلام وشريعته، لأنهم على وعي تام بأن التمسك بالدين ضمان وحدتهم واستمرار حضارتهم ووجودهم. وهكذا أبدع الأمازيغ في تكييف الكثير من تقاليدهم وأعرافهم الاجتماعية مع مبادئ الإسلام وشرائعه، فاستأنفوا بذلك فصلا جديدا من حضارتهم في كنف الإيمان وأخلاق الإسلام.

ويتضح من خلال رصد وتتبع المناسبات الاجتماعية الأمازيغية رسوخ مظاهر التدين في عاداتهم وأعرافهم وتخليد مناسباتهم الاجتماعية: كالزواج والعقائق والختان، وحتى الممارسات الحياتية التي تعتبر من ضرورات الحياة؛ كالحرث والحصاد والدرس وغزل الصوف والطحن بالرحى يجعلها  الأمازيغيون مناسبات لذكر الله والصلاة على رسول الله والدعاء والابتهال، فلا تكاد تجد شأنا من شؤون حياتهم ومعاشهم إلا وفيه للدين بصمة واضحة ومظهر جليا. فضلا عن ممارسة الشرائع الدينية كالصلاة والصيام والزكاة والحج والتمسك بالسنن الصحيحة والشرائع الثابتة.

وهكذا نجد الموروث الثقافي الأمازيغي حافل بأذكار ومرددات جماعية، أبدع فيها الأمازيغيون ذكورا وإناثا في ذكر الله ومدح رسول الله والتغني بشمائله العطرة. سأحاول من خلال هذه المقالة أن أقف عند بعض تلك الأذكار خاصة تلك التي تردد بشكل جماعي في بعض الأعمال التي تتطلب تعاونا وحضورا جماعيا كالحرث والحصاد والدرس وجني الثمار وجمع المحاصيل.

وأنصع دليل على عمق التدين ورسوخه في الحياة الاجتماعية عند الأمازيغ أن بعض الممارسات الحياتية البسيطة جدا يذكرون فيها الله بالصلاة على المصطفى، أسوق لذلك مثالين بسيطين:

الأول عند إعداد الشاي الذي يعد لازمة أساسية في كل المناسبات الأمازيغية -ولهم في إعداده طقوس خاصة- في مرحلته الأخيرة عند صبه في الكؤوس يصدع المكلف بالإعداد بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ويرددها معه كل الحاضرين حتى يفرغ من صبه، وهذا في اعتقادي نوع من شكر النعم وتعطير المجالس بذكر الله حتى لا تكون كلها مجرد كلام ونقاش.

الثاني أن المرأة الأمازيغية في البوادي حين تريد عجن الطحين تتشهد وتصلي على رسول الله وتقول (كملحاس شهادتنس يان تيزران ءيكافات يان تيشان ءيقديت) أكملت له شهادته كل من رآه أو أكله يكفيه، وهذا فيه دعاء بالبركة.

والأعمال الكبرى التي ينجزها الأمازيغ بشكل جماعي وتقتضي التعاون على إنجازها تسمى (تيويزي) أي التعاون على الإنجاز في الحرث والبناء والحصاد والدرس وجمع المحاصيل بعد جني الثمار أو حمل شيء ثقيل أو إطفاء الحرائق، وتيويزي تقتضي تحفيز المشاركين ورفع حماستهم، لذلك تصدع حناجرهم بالبسملة وطلب العون من الله والصلاة على رسول الله جماعة بقولهم (اللهم صل عليك ءارسول الله واجاه النبي) توسلا برسول الله لاستمداد العون من الله.

وللنساء في ترديد الأذكار والابتهالات حظ لا يقل قيمة من الأذكار الذكورية إن لم تفتها كثرة وجودة في كل شؤونهن الحياتية، عند غزل الصوف والحصاد والطحن بالرحى ونسج الزرابي وكل الأشغال الشاقة، في البيت وخارجه وفي المناسبات كالأعراس والعقائق والختان والمآتم. فغالبا ما يفتتحن أذكارهن بالبسملة والصلاة على الرسول والتوسل بالأولياء الصالحين واستمداد العون من الله:

“باسم الله ءايوال نربي اديسون بدوح، سلمح فراسول الله ولا كولولانبيا”:

باسم الله كلام الله به أبدأ وأسلم على رسول وكل أنبياء الله.

“سيدي ربي ءا يحنين ءاموغريح

ءالعار نسيدي النبي

ءاييءيسمد الرجا”:

ناديت باسم الله الحنان متوسلا بسيدي النبي أن يحقق لي رجائي.

“نكي ءورتنيح نجمح

ءورتا نسين ما سنجاوب ءيربي

ءيحمدان لايام ءينو”:

أنا لا أقول نجوت لأني لا أدري ما سأجيب ربي عند فناء عمري.

“ءاتيرعمين تومللين

تلي مونين دوبردي

ءاويامت سلام ءيرسول الله ءولالصحابى”:

يا نوق البيض السائرات في الطريق بلغي سلامي لرسول الله وصحابته.

“ءالصلاة والسلام عليك ءانبي بولبوراق ءايشفيع ءارسول الله نرجا ءاييدك نموني”:

الصلاة والسلام عليك يارسول الله أيها النبي صاحب البراق أيها الشفيع أرجو أن أصاحبك.

“ءالله يامولانا ءالله يا مولانا دوايي،

دوايي سلحب ن رسول الله دوايي،

لحرما نمّنا عيشة د الرقية،

لحرما ن الزعيم رسول الله”:

 الله يا مولانا داويني، داويني بحب رسول الله داويني، بحرمة أمنا عائشة ورقية وحرمة الزعيم رسول الله.

“باسم الله ءاسبديح ءورءيلي ما تنيوفن،

 كان الصواب ءارءيتزويرءيوالون،

باسم الله ءسبديح كان لقنديل ءارءيسفيوءيغارسن،

 نبدا سربي كولومادريخنلكمتن،

 نزّل فوحبيب الشفيع لومّانس،

نغرايك ءا النبي ءينيي نعم ءا الشجيع النبي كيي كا فنسييح”:

باسم الله أبدأ خير الكلام هو الصواب في بداية كل كلام، باسم الله هو المصباح الذي يضيء كل الدروب، بدأت باسم الله فوصلت إلى غايتي ثم صليت على الحبيب شفيع أمته. ناديتك أيها الشفيع فأجبني بنعم، طلبا للقياك أيها الشجاع سحت في الأرض.

“ءاماريوفان ءايمونتاكوت ن صباح ءيمون دو صميد،

ءاديك بيت الله اسموسو ليزار،

ءيغراكءارسول الله”:

يا ليتني أستطيع أن أسافر مع نسيم الصباح والرياح حتى أزور بيت الله وأتشبت بغطائها وأنادي على رسول الله.

ولا تخفى مظاهر التدين والذكر والدعاء في كل مراحل العرس الأمازيغي من بدايته الى نهايته؛ حيث يلزم فيه ختم القرآن الكريم (السلكة)، وترديد الأمداح النبوية بقراءة بردة الإمام البوصيري وهمزيته وسائر المرددات التي يمدحون فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعربية أو بالأمازيغية. والنساء عند زف العروس يرددن  ابتهالات وأهازيج ودعوات بألحان شجية وأصوات عذبة حزينة تسمى (تانكيفت) وهي مزيج من الذكر والصلاة على رسول الله والدعاء والوصية للعروس والتماس الصبر لذويها ومواساة أمها من ألم الفراق، وفيها تبث الأم حنينها وحزنها على فراق أبنتها وتوصيها بالتحلي بفضائل الأخلاق والصبر على أعباء الحياة الزوجية، وتختمها بالدعاء وتتوسل إلى العريس وأسرته بإكرام ابنتها وصون كرامتها، ولا بد في هذه الأجواء المفعمة بالعواطف الجياشة من البكاء والنحيب، وغالبا ما تكون تانكيفت طويلة وتختلف أشعارها من منطقة إلى أخرى، أسرد بعض أبياتها المتداولة في سوس:

“بسم الله الرحمن ءادسولح،

بسم الله ءين ربي يانتكان دلفال،

ءاراسن ءيزوور ءاراسن ءيمال تيدا عدلنين،

مرحبا بيك ءايان ديوي ءوغاراس دارنح،

ءوريومي الفرحنك ءاكال ءوليكنوان.

ءالصلاة والسلام ءابيي تكمي لجواد ءايدلكمح.

 ءايلي قن ءادكونم أفاسي،

ءادام ءيتعرض الخيرءايلي.

ءيمسطرن أيلي ءادوريفغ ءاحنونم،

نعم ءيفقيرن أدوريفغ ءيمنم ءايلي.

ءيغيل ءيكشوضنءادوريفغ ءاحنونم ءايلي،

ءايلي ءاداكورتلات تيسورا نبابم ؤرتنتوفيت،

ءايلي قن أدكونم أفاسيت،

ءاتويت الخير ءاتفل واياض”.

(بسم الله الرحمن أبدأ كلامي، قال الله من بدأ باسمه يقوده إلى الخير.

مرحبا بك يا من ساقه الطريق إلينا (العريس)، الفرح بك لا تسعه الأرض ولا السماء. الصلاة والسلام، إني وصلت إلى ديار أهل الجود.

يا بنيتي البسي حذاءك اليمنى ليتعرض لك الخير ولا تبكي بنيتي، لابد لك من خزن شيء من القوت في بيتك للضيف والحاجة، وخزن كومة من الحطب للحاجة كذلك، قولي دائما لبيك لحماك وحماتك، ولا تبكي عند الرحيل فدار أبيك لا تدوم لك…).

حاولت أن أقرب لك أيها القارئ الكريم بعض معاني هذه الأشعار والابتهالات لتستأنس بها في الفهم وإن كان الشعر لا يترجم. ويا ليث هذه الكلمات الصماء والجمل البكماء تستطيع أن تنقل لك الأصوات العذبة والألحان الشجية التي يردد بها الأمازيغ هذه الأذكار وما تولد لدى السامع من أحاسيس وعواطف.

هذا التراث الشفهي العريق مازال متداولا في بعض المجالس المغلقة والمنتديات الخاصة جدا على لسان ما تبقى من الشيوخ والعجائز، وهو في طريقه إلى النسيان أو الانقراض كما انقرضت الكثير من العادات والتقاليد الأمازيغية التي لم تلق حظها من الاهتمام، في ظل زحف العصرنة والتغريب على المجتمع، ومسؤولية جمعه والحفاظ عليه وإحيائه تبقى على عاتق كل الباحثين المختصين والغيورين من المسؤولين وجمعيات المجتمع المدني والمؤسسات الرسمية، خاصة تلك التي تتلقى ميزانيات من الدولة من المال العام، وأخذت على عاتقها أن تصون التراث وتحافظ عليه كما هو، دون تحريف الغالين ولا طمس الجاهلين من اللائكين الذين يحاولون غربلة التراث الأمازيغي لطمس الكثير من معالمه وسماته التي لها علاقة بالدين وقيم الإسلام. لكن التراث الأمازيغي أعمق وأوسع من أن يسعه غربال اللائكية الضيق مهما حاول.