أجرى موقع “الجماعة نت” حوارا مع الأستاذ عبد الغني الخنوسي، عضو المكتب الوطني لشبيبة العدل والإحسان، تناول الشان الشبابي، على ضوء الحالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يطبعها التأزم والحدة وانسداد الأفق في وجه شرائح الشعب المغربي، وفي مقدمتها شريحة الشباب. كما تطرق الحوار لدور شبيبة العدل والإحسان ومشاريعها وبرامجها المرحلية الموجهة إلى الشباب، والحلول المقترحة التي تتقدم بها للخروج من الأزمة الراهنة.

فيما يلي النص الكامل للحوار.

– كيف تقرأون مظاهر عدم الرضا المتعددة التي أظهرها الشباب خلال الآونة الأخيرة اتجاه الواقع المغربي؟

بداية نشكر لكم تتبعكم واهتمامكم الإعلامي بالوضع الشبابي بالمغرب، وننوه باستمرار منبركم الإعلامي إلى جانب باقي المنابر الإعلامية الحرة في خدمة الرسالة الإعلامية النبيلة المتحررة من قيود الرقابة والتوجيه والمتفاعلة مع نبض الشعب.

مظاهر عدم الرضا والسخط التي أظهرها الشباب خلال الآونة الأخيرة اتجاه الواقع المغربي ليست إلا نتيجة لحصيلة من خيبات الأمل جراء فشل السياسات العمومية التي عمقت أزمة الوضع بالبلد على جميع المستويات، في ظل غياب إرادة سياسية حقيقية تواكب تطلعات وحاجيات الشعب المغربي.

– عدم الرضا تنوع بين الاحتجاج والهجرة والغضب والتعبيرات المتنوعة… ما تقييمكم لهذه الأشكال والتعبيرات المتعددة؟

رغم سوداوية المشهد التي تؤلم كل غيور على الواقع المغربي، فكل هذه التعبيرات تؤشر على دينامية الشباب المغربي الرافض لكل أساليب الاستهتار بحاضر ومستقبل الوطن، وتسقط كل التوصيفات التي سعت الآلة الدعائية المخزنية لترويجها عن سلبية الشباب المغربي وعزوفه السياسي. فهذه المواقف الشبابية الواضحة والصريحة والوعي الشعبي المتنامي بضرورة التغيير، فند كل تلك الادعاءات وأكد حقيقة مفادها أن ذلك العزوف والمقاطعة العريضة للانتخابات وما ينتج عنها من مؤسسات رسمية صورية لم يكن إلا موقفا سياسيا ورد فعل رافض لعبثية المشهد السياسي المغربي ولسياسة الدولة الممعنة في الاستحواذ على مقدرات الوطن.

– شكل إقدام العديد من الشباب على رمي أنفسهم في البحر عبر قوارب الموت، بحثا عن الخلاص هناك وهربا من الواقع الكالح هنا، ضغطا رهيبا على السلطة، وقدم صورة معبرة عن واقع البلد الذي يفرون منه. ما الأسباب التي تدفع شبابا في مقتبل العمر إلى المغامرة بحياتهم فرارا من واقعهم؟

دعنا نُذكر أولا أنه منذ مدة وقوارب الموت تحصد أرواح العشرات من الشباب هربا من شبح الفقر وبحثا عن لقمة عيش كريم خارج الوطن، صحيح أنه في الآونة الأخيرة تزايد العدد بل أصبحنا نشاهد ذلك على المباشر وضمنهم عائلات يواجهون أمواج ورطوبة البحر القاتلة على متن قوارب مطاطية.

من المستحيل أن يغامر شباب في مقتبل العمر بحياتهم لو وفرت لهم مقومات حياة كريمة في وطنهم. وعن أسباب هذه الهجرة القسرية، نورد معطيات رقمية مستقاة من استطلاع حديث أجرته بوابة التوظيف Rekrute.com خلال شهر أبريل 2018 حيث تم رصد أن الشباب المغربي أقل من 35 سنة بنسبة 66 % يرغبون مغادرة المغرب في أقرب فرصة من أجل تحسين عملهم، و56% لضمان جودة عيش وبيئة عمل أفضل.

وأفاد الاستطلاع أن 91 % من المغاربة مستعدون لمغادرة المغرب والاستقرار في الخارج.

كما كشفت دراسة حديثة – اشتغلت على عينات شبابية- لمؤسسة بحثية تابعة للاتحاد الأوربي في تقرير سمي ب “صحوة” خلال شهر فبراير 2017 أن 20% من الشباب المغربي يرغب في الهجرة من بينهم حملة الشهادات وذلك بسبب شعورهم بالإحباط، وأوضحت أن السبب الرئيسي الذي يدفع بهؤلاء الشباب إلى الهجرة هو إيجاد وظيفة شريفة وشروط عيش أفضل.

– ما تحليلكم لتعاطي السلطة مع ظاهرة “الهجرة السرية”، خاصة مع حادث مقتل الطالبة حياة بلقاسم؟

رحم الله الطالبة حياة بلقاسم وكل ضحايا لقمة العيش.

لو حصلت هذه الفواجع في الدول التي تحترم نفسها ومواطنيها لسارع مسؤولوها إلى تحديد المسؤوليات وتفعيل المحاسبة ولقدمت الاستقالات ووضعت الخطط لمعالجة الإشكالات.

أما في “مغرب الاستثناء” فبدل ذلك كله، قوبلت هذه الفواجع بالصمت والتجاهل والقتل في البحر بعد أن كان الطحن في البر، والاستمرار في التصريحات المعمقة للجراح بان نسبة “الهجرة السرية” بالمغرب في انخفاظ، وبدل أن تبشر تلك التصريحات المغاربة بتدابير تهم انعاش سوق الشغل، تُجمل سبب الانخفاض في العمليات الجبارة التي يقوم بها خفر السواحل لإحباط هجرة الهاربين من بؤس وشبح البطالة التي تتضاعف نسبتها سنة بعد أخرى، ففي مذكرة إخبارية للمندوبية السامية للتخطيط حول وضعية سوق الشغل خلال سنة 2017 نشرتها المندوبية بموقعها الرسمي بتاريخ 05/02/2018، أعلنت فيها أن عدد العاطلين سنة 2017 قد ارتفع بـ 49.000 شخص، كلهم بالوسط الحضري، مما زاد من حجم البطالة بنسبة 4,2%، تفوق تلك التي عرفها حجم التشغيل 0,8%، وأن أعلى معدلات البطالة سجلت في صفوف الشباب المتراوحة أعمارهم ما بين 15 و24سنة ب 26,5% علما أن المكان الطبيعي لهم هو مقاعد الدراسة، كما وصل معدل بطالة شبان المدن حسب الدراسة ذاتها إلى أكثر من 42%، وفي صفوف حاملي الشهادات بلغ 17,9%.

– يسجل تزايد التوظيف الفاعل للكثير من الشباب لوسائل التواصل الاجتماعي من أجل التعبير عن طموحاتهم والتعبير عن آرائهم من سياسات الدولة (المقاطعة الاقتصادية نموذجا). ما قراءتكم لهذه الحالة المتنامية؟

كما أشرت سابقا، فمن خلال تتبعنا، في شبيبة العدل والإحسان، لهذه الحالة الشبابية المتنامية، نؤكد أن هذه المواقف الصريحة والجريئة التي يعلنها الشباب المغربي على مواقع التواصل الاجتماعي والمنتقدة انتقادا لاذعا لسياسات الدولة، تعكس ارتفاع منسوب الوعي الشبابي رغم مخططات تدمير مقومات الشباب واستهداف قيمهم ومحاولة جعلهم كما مهملا ورصيدا معطلا، تائها في متاهات اليأس والإدمان والانحراف أو هاربا مغامرا نحو “جنة موعودة”.

كما يتأكد جليا أن الشباب المغربي لم يقبل سياسة الهامش هذه وكسر حاجز الخوف، وبدأ يستجمع قواه ويغالب ظواهر التيئيس ويواكب مسار تجدد الوعي الشعبي وإعادة الاعتبار لإرادة الشعبية، راسما مسارات جديدة لواقع شبابي آخر قوامه الوعي بالحق والقيام بواجب الدفاع عن قضايا الشعب المغربي العادلة.

– ما الحلول الواجب على المسؤولين انتهاجها لنزع فتيل الاختناق الجماعي الراهن؟

للأسف الشديد وضع البلد محتقن جدا، والشعب وصل إلى آخر درجات التحمل، والجميع اليوم مستغرب من عدم اكتراث الدولة وضعف تجاوبها مع كل هذه الأخطار التي تهدد الوطن، والصرخات الشعبية تتعالى مستنكرة تشبث مسؤولي البلد بتكرار نفس الوسائل التي لم ينتج عنها إلا مزيدا من الفشل والضياع.

الحل ـ في تقديرنا ـ يتمثل في ضرورة إنجاز تغيير شمولي مدخله بناء وطن المواطنة الحقيقية، وطن يحصل فيه الشعب على حقوقه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والمدنية كاملة دون تجزيء، لذلك لا حل لكل أزمات المغرب إلا من خلال إرساء دعائم نظام ديمقراطي حقيقي يربط المسؤولية بالحاسبة ويتم فيه الفصل بين الثروة والسلطة في تعاقد واضح ومسؤول مع الشعب، وإلا سنظل ننعي كل يوم شهداء الفقر والبؤس في مختلف ربوع الوطن. فلا يقضي على الفقر والحرمان غير العدالة السياسية والاجتماعية.

– دعوتم في شبيبة العدل والإحسان، على لسان كاتبكم الوطني، إلى “جبهة شبابية”. ما طبيعتها ومكوناتها ومهامها؟

أعاد الكاتب الوطني لشبيبتنا الدكتور بوبكر الونخاري التأكيد على مبادرة شبيبة العدل والإحسان الداعية إلى جبهة شبابية موحدة ضد الفساد والاستبداد، إيمانا منها بضرورة مدخل الحل الجماعي في مسار التغيير، فرغم عمق الأزمة وتجدرها، سيبقى سعينا جاد مع أحرار الوطن في البحث عن مغرب أفضل. ولن نمل من الدعوة للتواصل والتنسيق مع مختلف الفاعلين في الحقل الشبابي مهما كانت العقبات، وعيننا على مستقبل شبابي واعد بإذن الله، مبتدِأه التأسيس لعمل مشترك قوامه تنمية الثقة وحفظ الحق في الاختلاف والاحترام المتبادل والحوار الهادف الموازي للعمل النضالي الميداني والفعل المجتمعي المشترك، ومستقبله – يقينا إن شاء الله – بناء مغرب أفضل لكل المغاربة.

– كيف تسهم هذه الجبهة، وكل الأحرار أيضا، في إطلاق مبادرات فاعلة من شأنها البحث عن مخرج حقيقي من الأزمة القائمة؟

لا شك أن كل الغيورين على مستقبل ومصلحة الوطن، يواصلون النضال والدفاع عن قضايا الشعب العادلة رغم حجم التخوين والحصار الأمني الذي يستهدف كل الأحرار. لذلك فأملنا أن تتنوع المبادرات الشبابية الموحدة للجهود والرامية إلى إيجاد مخرج حقيقي للأزمة الراهنة.

– أنتم في شبيبة العدل والإحسان ما هي المبادرات والفعاليات التي تقومون بها وتسعى إلى الدمج الإيجابي لعموم الشباب في دينامية التغيير وفي الرفع من الوعي والمسؤولية؟

رغم استمرار حرمان الشبيبة كباقي مؤسسات جماعة العدل والإحسان من الحق في استغلال الفضاءات العامة والقاعات العمومية، فإننا في شبيبة العدل والإحسان ونحن نستحضر كل أثقال ومآسي الوضع الشبابي المغربي، نستفرغ كل الجهود المتاحة احتضانا وتوعية وتأطيرا لعدد هام من الشباب المغربي، عبر العديد من المبادرات من أجل بث روح اليقين والأمل وترسيخ القيم النبيلة ومحاصرة كل مظاهر التيئيس والإحباط والعنف.

– ما أهم مشاريعكم وبرامجكم الموجهة إلى الشباب خلال المرحلة الراهنة والقريبة؟

سعيا منا إلى المزيد من توسيع مجالات التأطير والتفاعل مع قضايا الشبابي المغربي، نحاول من خلال مخططات مشاريعنا وبرامجنا تنويع مداخل ومجالات واجهات عرضنا الشبابي ترتيبا لأولويات النقط البرنامجية واستحضارا للإكراهات، وفتح آفاق جديدة تقوي أساسات الفعل الشبابي المتسلح بالأمل وتطرح خيارات أخرى للفعل والتأثير والإبداع الشبابي بما يستجيب لتطلعات وانتظارات عموم الشباب.

كما يحرص أعضاء شبيبة العدل والإحسان في تفاعلهم مع مختلف القضايا الشبابية إلى المشاركة الفعالة والمسؤولة في أغلب الفعاليات الشبابية الهادفة، فعلى مستوى الجامعة المغربية يواصل فصيل طلبة العدل والإحسان القيام بمسؤولياته وواجباتها في الساحة الجامعية، من خلال استمرار حضوره القوي والفاعل سواء فيما يرتبط بالدفاع عن مصالح الطلاب أو بتنظيم عدد كبير من الأنشطة التربوية والنقابية والثقافية والخدماتية والتضامنية.

ويسجل حضور شبابنا في مختلف الفعاليات التضامنية مع قضايا الحراك الشعبي مساهمين إلى جانب باقي أحرار البلد في ترسيخ ثقافة الاحتجاج السلمي المسؤول.

كما تطلق الشبيبة على مدار السنة حملات ميدانية وإعلامية ذات أبعاد متعددة مواكبة للفعل الشبابي المجتمعي ومنبهة لمعاناة الشباب المغربي وفاضحة لمخططات إفساد قيمهم.

يواكب ذلك كله أوراش تكوينية تأطيرية وأخرى حوارية تواصلية مفتوحة مع الشباب ومختلف الفاعلين في الحقل الشبابي يتم فيها تقاسم وجهات النظر حول تحديات الواقع، ورهانات المستقبل. نسأل الله عز وجل أن يبرم لمغربنا الحبيب أمر رشد وسداد. اللهم آمين.