في هذا المجلس، يتحدث الإمام عبد السلام ياسين، رحمه الله، عن القرين الحسن وقرين السوء، وعن الرفقة الصالحة والرفقة الطالحة، انطلاقا من آيات بينات من سورة ق، فيقول:

في سورة ق، يذكر القرين: قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَٰكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ… وقرناء السوء هم مجلبة لكل عار في الدنيا وفي الآخرة، الله عز وجل يسلط شياطين الإنس والجن على من أراد أن يخذله وألا ينصره وألا يكون من الصالحين، يقول تعالى ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين.

ما هو الأعشى؟ هو الذي لا يبصر ليلا. فإذن عشا عن ذكر الله معناه أن ذكر الله ليس واضحا عنده. يجب أن يكون لما يقين أننا سنلقى الله. وكثير من الناس إن لم يكن كل الناس إلا من أخذ الله بيده ينسون الموت وما بعد الموت مع أنها من اليقينيات الكبرى.

ننشغل بقضاء الحاجات اليومية والمعاش و… ولكن لا نفكر فيما ينتظرنا بعد هذا في الآخرة.

الناس كلهم أعشى إلا من أخذ الله بيده. ومن الناس من يقنع بهذه الضبابية في رؤية ما بعد الموت، وبالنسبة لهم ما بعد الموت ضباب. ومن يعلمنا ذلك ويخبرنا به إن لم يكن كتاب الله تعالى ويفسره لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وبهذه المناسبة وقد كنا قررنا أن نتواصى بحفظ القرآن كله قبل أن نموت، لأن يوم القيامة يكون أهل القرآن في مرتبة عالية. وهناك مرتبة أخرى وهي أن نحفظ القرآن ونحفّظه غيرنا، وهذه أصعب. ينبغي أن نكون كلنا ذلك الرجل وتلك المرأة التي تنسب إلى القرآن وينسب القرآن إليها. ولا تدعوا هذا الفضل يفوتكم.

هنالك من قرناء السوء الذين يتبرءون من الإنسان يوم القيامة من يمنعك من الخير: أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ. أليس هذا خيرا أن أكون من أهل القرآن؟ هذه خطوة سهلة، وأصعب منها أن يعرفكم المخزن أنكم من جماعة العدل والإحسان نظرا لما يترتب عليها، وقد تخطيتم هذه.

إذن فلنحفظ القرآن ولنحفّظه غيرنا، ونسأل الله عز وجل أن يكون كل واحد منكم وكل واحدة مدرسة قرآنية.

اليوم نتعرف على رفقة حسنة لنعتمد ونستند عليها فنعوض بها الرفقة السيئة التي تعج بها دنيانا، فإنه لا بد من رفقة حسنة نتأسى بها، نماذج صالحة، والإنسان يحتاج إلى النموذج الصالح ليقتدي ويتأسى به. ولذلك يقول الله عز وجل: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، ويقول تعالى: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ.

الأسوة هو الشيء الذي أعتمد عليه، هو الإنسان الذي يسبقني ويفضلني فأستند إليه أخلاقيا ونفسيا لكيلا يشعر أنه وحيد في الساحة. فلذلك شرع لنا أن نصلي في المسجد جماعة – أقصد الرجال وللنساء من أرادت منهن – لأن ذلك يقويني. وشرع لنا أن نحضر الجمعة إيجابا، ففيها نستمع إلى الخطيب فنستفيد منه، وشرع لنا أن نخرج لصلاة العيد رجالا ونساء لكي ننظر إلى الناس وأتقوى بذلك. وفي جماعتنا هذا شأن يومي، تحس في هذه الجماعة أنك لست وحدك… وفي دعاء الرابطة أستحضر حتى الأرواح التي كانت قبلي، سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم والأنبياء والمرسلين والصحابة رضي الله عنهم وعباد الله الصالحين وأشعر أنني منهم. هذا نوع من الصحبة والرفقة وهذا يساعدنا لكيلا نعشو عن ذكر الرحمن، فإن نسينا الله عز وجل فالله تعالى يسلط علينا القرين من الإنس أو من الجن.

إذن فالدرس العملي الذي نخرج به هو أنه ما كان لأحد منكم من رفقة سوء فليقطع معهم العلاقة، هذه هي الخطوة الأولى وإلا أعادوك إلى الوراء. كل واحد منا كان له من قبل رفاق يعرفهم ويطمئن إليهم ويجلس معهم في المقهى أو فيما شابه من المجالس حيث يتحدثون عن كل شيء إلا عن الله وعن الآخرة، هل يستمر معهم أم يفارقهم؟

كان لأحدهم شريك في تجارته، يسرق من ماله ولا يصدقه في الحساب، فاكتشف ما يفعله هذا الشريك، هل يستمر معه في تجارته أم يفارقه؟ بل يفارقه لأنه يغشه. هذا مثل من يسرق منك دينك، فهل تظل معه أم تفارقه؟ بل تفارقه. أقطع الصلة بيني وبين الغافلين عن الله المغفِّلين عن الله قرناء السوء، هذه هي الخطوة الأولى.   

ستجدون من يقولون لكم ما الذي دفعكم للانضمام للعدل والإحسان، فإن كان هؤلاء من أقربائي كالوالد والوالدة والعم والعمة والخالة… هؤلاء أمرني الله عز وجل أن تبقى صلتي بهم طيبة لأن صلة الرحم واجبة علينا فلا يجب علينا أن نقطعها. فإذن نقطع ما بيننا وبين قرناء السوء من صلة إلا ما كان من ذوي القربى، وذوو القربى نتلطف لهم كما نتلطف للناس جميعا، وحذار أن يقوم أحدكم أو إحداكن وهي قد احتجبت وهو قد التحى والتزم بدينه فينظر إلى أهل قرباه نظرة ازدراء أو احتقار. وأقول دائما للأخوات بالأخص، قد تنظر الأخت إلى الناس نظرة احتقار بمجرد ارتدائها الحجاب، فتصارع أخاها الذي لا يصلي، وأختها التي لا تلبس الحجاب وتقول لها أنها من أهل النار، وعمها الذي يدخن ويشرب الخمر، فتتسبب في فتنة… هذا غير مقبول أبدا.

فلنكن لطفاء، إن هذا الدين يسر، فلنتدرج، ولا نُعَنِّفَنَّ أحدا.

فإذن نحن نبحث عن رفقة طيبة، فأين نجدها؟ نجدها هنا مع الحاضرين معنا، والجماعة والحمد لله رفقة طيبة، وبعض أطيب من بعض، وهناك من تنور قلبه وهناك من هو في طريق التنور، والكل على طريق الهدى إن شاء الله. ولكن نحتاج إلى من كانوا قبلنا وكانوا نماذج عالية في الأخلاق وفي الدين وفي المروءة… نحتاج إليهم، فلذلك نذكر دائما الأنبياء والرسل والصحابة رضي الله عنهم.