مقدمة

تعتبر فئة عاملات وعمال المنازل من الفئات التي استثنتها المادة الرابعة من مدونة الشغل من الحماية التي جاءت بها هذه الأخيرة لصالح الأجراء، حيث نصت على أنه يحدد قانون خاص شروط التشغيل والشغل المتعلقة بخدم البيوت الذين تربطهم علاقة شغل بصاحب البيت.

الأمر الذي اضطرت معه هذه الفئة إلى الانتظار فترة طويلة، انطلقت منذ دخول مدونة الشغل حيز التنفيذ بتاريخ 8 يونيو 2004، حيث بقيت هذه الفئة بدون حماية رغم هشاشة وضعها، والحيف والظلم الذي لحقها، سواء فيما يتعلق بسن التشغيل الذي كان أقل بكثير من الحد الأدنى المحدد بمقتضى المادة 143 من مدونة الشغل (15 سنة)، أو فيما يتعلق بساعات العمل التي تفوق بكثير المقرر قانونا، أو من حيث الأجر الذي يقل بشكل صارخ عن الحد الأدنى.

ظروف رغم قساوتها، اضطرت معها هذه الفئة إلى الانتظار إلى حين اعتماد منظمة العمل الدولية الاتفاقية رقم 189 المتعلقة بالعمل اللائق للعاملات والعمال المنزليين، وصدور دستور 2011 الذي نصت المادة 32 منه على ضرورة سعي الدولة لتوفير الحماية القانونية والاعتبار الاجتماعي والمعنوي لجميع الأطفال بكيفية متساوية، ليصدر القانون رقم 12-19 بتاريخ 10 غشت 2016، وينشر في الجريدة الرسمية عدد 6493 بتاريخ 22 غشت 2016، ويدخل حيز التنفيذ في 2 أكتوبر 2018.

وبالرغم من كل الملاحظات، يمكن اعتبار صدور القانون 12-19 المتعلق بتحديد شروط الشغل والتشغيل المتعلقة بالعاملات والعمال المنزليين خطوة إيجابية في اتجاه إنصاف هذه الفئة من العمال، بدءا من تغيير تسميتها في القانون من “خدم البيوت” إلى “العاملات والعمال المنزليين”، وانتهاءً بسن مجموعة من المقتضيات القانونية التي يستفيد منها باقي العمال بمقتضى مدونة الشغل.

فهل استطاع القانون 12-19 أن يكون في مستوى انتظارات وتطلعات هذه الفئة من العمال، وفي مستوى انتظارات وتطلعات شركاء المغرب الدوليين؟

وهل توفق المشرع المغربي في ملاءمة نص هذا القانون مع اتفاقيات منظمة العمل الدولية؟

هذا ما سنحاول الإجابة عنه من خلال مبحثين، نتناول في الأول منهما نطاق تطبيق القانون وشروط تشغيل العامل المنزلي، بينما نتطرق في المبحث الثاني لالتزامات طرفي العقد وإنهاء عقد العمل.

المبحث الأول: نطاق تطبيق القانون وشروط تشغيل العامل المنزلي

المطلب الأول: نطاق تطبيق القانون

يطبق القانون رقم 12-19 حسب مقتضيات المادة الأولى منه على العاملة أو العامل المنزلي الذي يقوم بصفة دائمة واعتيادية مقابل أجر بإنجاز أشغال مرتبطة بالبيت أو بالأسرة كما هي محددة في المادة 2 من هذا القانون، سواء عند مشغل واحد (لدى أسرة واحدة) أو أكثر (لدى عدة أسر).

بينما استثنى المشرع من الخضوع لمقتضيات هذا القانون العاملة أو العامل المنزلي الموضوع رهن إشارة المشغل من قبل مقاولة التشغيل؛ حيث يعتبر المشرع في المادة 495 من مدونة الشغل أن المشغل هو مقاولة التشغيل المؤقت، وهذا ما استقر عليه اجتهاد محكمة النقض في العديد من القرارات.

هذا المقتضى إن كان يمكن اعتباره إيجابيا بالنسبة للعامل المنزلي المؤقت فيما يتعلق بالاستفادة من المقتضيات المتعلقة بتنفيذ عقد الشغل، والتي تضمنتها مدونة الشغل من قبيل الاستفادة من الحد الأدنى للأجر، والتعويض عن الساعات الإضافية، ومن الحد الأقصى لساعات العمل، ومن إجازة الأمومة… إلا أنه فيما يتعلق بالآثار المترتبة عن إنهاء عقد العمل، فإن القانون 12-19 يكفل ضمانات أفضل للعامل المنزلي بالنظر إلى استحقاقه للتعويض عن إنهاء عقد الشغل المحدد في المادة 20، بينما لا يستفيد من أي تعويض في حال انتهاء مدة العقد المبرم مع شركة الوساطة في التشغيل طبقا للمقتضيات المتعلقة بمقاولات التشغيل المؤقت الواردة في المواد من 495 إلى 506 من مدونة الشغل.

كما استثنى المشرع من نطاق تطبيق هذا القانون، البوابون في البنايات المعدة للسكنى الخاضعين لظهير 8 أكتوبر 1977، وحارس البيت المرتبط بعقد شغل مع إحدى شركات الحراسة الخاضعة لمقتضيات القانون 06-27، والعمال الذين ينجزون لفائدة المشغل أشغال بصفة مؤقتة، وهذا المقتضى الأخير ينسجم مع البند (ج) من المادة 1 من اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 189، والتي نصت على أن: “أي شخص يؤدي عملا منزليا من حين لآخر، أو على نحو متقطع فقط وليس على أساس مهني، ليس عاملا منزليا”.

وقد عدد المشرع الأشغال المرتبطة بالبيت والأسرة في المادة 2 من القانون، وذكر من بينها الأعمال المتعلقة بالاعتناء بشؤون البيت، ويدخل فيها أشغال البيت من تنظيف وطبخ وكنس وترتيب …، الاعتناء بالأطفال، الاعتناء بفرد من أفراد البيت بسب سنه، أو عجزه، أو مرضه، أو كونه من الأشخاص في وضعية إعاقة، السياقة، أعمال البستنة، وحراسة البيت.

إلا أن هذا التعداد جاء على سبيل المثال لا الحصر، بدليل أن المشرع استعمل عبارة “على وجه الخصوص”.

ويبدو أن المشرع اعتمد المفهوم الواسع لخدم البيوت الذي أقره الاجتهاد القضائي، حيث أدخل فيه البستاني والسائق، إذ كان يستثنيهما من حماية مدونة الشغل.

المطلب الثاني: شروط تشغيل العامل المنزلي والعقوبات الزجرية

الفقرة الأولى: شروط تشغيل العامل المنزلي

اشترط المشرع تشغيل العاملة أو العامل المنزلي بمقتضى عقد عمل مكتوب محدد أو غير محدد المدة، يعده المشغل وفق نموذج يحدد بنص تنظيمي، يوقع من قبل المشغل والعاملة أو العامل المنزلي، ويصحح إمضاءهما لدى السلطة الإدارية المختصة، ويحرر هذا العقد في ثلاثة نظائر، تسلم نسخة منه للعامل المنزلي، وتودع نسخة لدى مفتشية الشغل مقابل وصل، ويحتفظ المشغل بالنسخة الثالثة لنفسه.

ويبدو للوهلة الأولى من مطالعة المادة 3 أن المشرع خرج عن مبدإ الرضائية الذي يسم عقد الشغل كما نصت على ذلك مقتضيات المادتين 15 و18 من مدونة الشغل، واعتمد مبدأ الشكلية في إبرام عقد شغل العامل المنزلي حينما اشترط أن يرد اتفاق الطرفين في عقد مكتوب محرر وفق نموذج محدد بنص تنظيمي.

غير أنه سرعان ما تراجع المشرع عن مبدإ الشكلية حينما نص في المادة 9 من القانون رقم 19.12 على إمكانية إثبات عقد شغل العامل المنزلي بجميع وسائل الإثبات، مقرا بكيفية ضمنية إمكانية إبرام عقد الشغل بشكل شفوي، وإثباته بجميع وسائل الإثبات كشهادة الشهود والقرائن القوية المتناسقة.

وفيما يخص فترة الاختبار، فقد حددتها المادة 8 من القانون في العقود غير المحددة المدة في 15 يوما مؤدى عنها، يمكن خلالها لأي من طرفي العقد إنهاء العقد دون أي تعويض.

أما إذا كان العقد محدد المدة، فلا يمكن إخضاع العامل المنزلي لأي فترة اختبار خلاف ما نصت عليه المادة 14 من مدونة الشغل.

وبخصوص الحد الأدنى لسن التشغيل، فقد حددته المادة 6 من القانون في 18 سنة كمبدإ عام، الأمر الذي يجعلنا ننوه بهذا المقتضى الحقوقي، الذي سيقطع مع العديد من المآسي الاجتماعية الناتجة عن الاتجار في تشغيل القاصرين والقاصرات في العمل المنزلي في سن لا تتجاوز في غالب الأحيان ثماني أو عشر سنوات، إلا أننا نتحفظ على هذا السن الذي يفوق حتى الحد الأدنى الذي حددته مدونة الشغل في المادة 143 وهو 15 سنة، حيث يبقى مقتضى غير واقعي ولا يتناسب وبنية المجتمع بعقلياته وأعرافه وتقاليده، وما واقع مدونة الأسرة عنا ببعيد.

بل إن الاتفاقية الدولية المتعلقة بالحد الأدنى لسن الالتحاق بالعمل رقم 138، التي استلهم منها المشرع هذه المقتضيات، نصت في البند 4 من المادة الثانية على أنه:

“على الرغم من أحكام الفقرة 3 من هذه المادة، يجوز لأي دولة عضو لم يبلغ اقتصادها وتسهيلاتها التعليمية درجة كافية من التطور، أن تقرر في البداية حدا أدنى للسن يبلغ 14 سنة …”.

وذلك بعد أن نصت في الفقرة الثالثة على أنه:

“لا يجوز أن يكون الحد الأدنى للسن المقرر عملا بالفقرة 1 من هذه المادة أدنى من سن إنهاء الدراسة الإلزامية، ولا يجوز في أي حال أن يقل عن 15 سنة”.

وحتى بعض التشريعات المقارنة نجدها اعتمدت حدا أقل مما اعتمده المشرع المغربي، كفرنسا مثلا التي حددت هذا السن في 16 سنة مع جواز قبول الأطفال ما بين 14 و16 سنة لنصف مدة عطلهم المدرسية للقيام بأعمال خفيفة، والكوديفوار التي حددته في 16 سنة مع إمكانية ممارسة العمل المنزلي في إطار التكوين ابتداء من 14 سنة، أما في الاوروغواي فقد حدد في 18 سنة مع إمكانية الترخيص الإداري ما بين 15 و18 سنة، في حين يسمح القانون الفنلندي بتشليغهم دون 15 سنة مع تحديد مدة العمل والزمن ونوع العمل.

إلا أن المشرع استثناء من هذا المبدإ العام (18 سنة كحد أدنى)، وخلال فترة انتقالية لا تتجاوز 5 سنوات من دخول القانون حيز التنفيذ، سمح بتشغيل عمال منزليين تتراوح أعمارهم بين 16 و18 سنة شريطة حصولهم على إذن مكتوب مصحح الإمضاء من أوليائهم قصد توقيع عقد الشغل. 

كما يتعين على العامل المنزلي طبقا لمقتضيات المادة 5 من القانون القيام بمجموعة من الإجراءات تجاه المشغل من قبيل:

– الإدلاء للمشغل بنسخة من بطاقة التعريف الوطنية أو ما يقوم مقامها وكذا جميع البيانات، لا سيما تلك المتعلقة باسمه وعنوانه وتاريخ ومكان ازدياده وحالته العائلية، وعند الاقتضاء نسخة من الشهادات المدرسية والمهنية.

– إحاطة المشغل علما بكل تغيير يطرأ على عنوانه أو حالته العائلية.

– الإدلاء بشهادة طبية تثبت سلامته الصحية على نفقة المشغل بناء على طلب هذا الأخير.

– التصريح لدى المشغل بأي مرض مصاب به، ولا سيما إذا كان مرضا مزمنا، وبالمقابل يتعين على المشغل إخبار العامل المنزلي بأي مرض معد يعاني منه هو أو أحد أفراد أسرته.

الفقرة الثانية: العقوبات الزجرية

لم يكتف المشرع بالنص على مقتضيات آمرة في القانون رقم 12-19 المتعلق بالعمال المنزليين تلزم طرفي العقد، وإنما فرض تطبيقها عبر مؤيدات زجرية متمثلة في عقوبات يتم توقيعها على كل من خالف مقتضياته.

وفي هذا الصدد نصت مقتضيات المواد 23 و24 و25 من القانون 19-12 على مجموعة من العقوبات زجرا لمخالفات لنصوص القانون، والتي تراوحت ما بين الغرامة من 25000 إلى 30000 درهم والغرامة من 500 إلى 1200 درهم.

وتجدر الإشارة أنه من ضمن الأفعال المجرمة من قبل المشرع توسط شخص ذاتي في تشغيل عاملات أو عمال منزليين بمقابل.

وبرأينا فإن المشرع سعى من خلال هذا المقتضى إلى هيكلة قطاع الوساطة في تشغيل العمال المنزليين، من خلال إسناده إلى شركات مختصة حتى يوفر ضمانات أكبر لفائدة هذه الشريحة من المجتمع، سواء فيما يتعلق بشروط التشغيل أو فيما يتعلق بضمانات استخلاص التعويضات المستحقة عن الإنهاء غير المبرر لعقد الشغل.

وما يثير الانتباه في العقوبات الزجرية، أن المشرع اكتفى بالجزاءات المالية دون الحبسية، وهو ما يدفعنا إلى التساؤل حول مدى نجاعة هذه العقوبات في حمل المشغل على احترام مقتضيات القانون.