كثيرا ما يتحدثون في هذه الأزمان عن «تقريب الإدَارة من المواطنين». ويَعْنُونَ بهذا التقريبِ تقريب المسافَة المكانية ليجد «المواطن» مصالحه قريبةً. هذا التقريب من آكد ما يجب على الإدارة الذكية المُجْدِية، فأحرى الإدارةِ الإسلامية التي تهتم بالجدْوَى، والفَعَالِيَّةِ، وتوفير وقت الناس، اهتمامها بصَوْن كرامتهم التي تضيع إن فُرِضَ عليهم التسكُّعُ بين المكاتب في العواصم. نرجع لهذا بعدُ إن شاء الله تعالى. موضوعُنا هنا هو أنَّ التقريب المكاني لا يُصْلِحُ ما تفسده الإدارةُ المتعجرفة إن لم يكن بينَ الحاكم والمحكوم قربٌ نفسيٌّ، وتلاحمٌ حِسِّيٌّ معا.

ألِفْنا أنْ نرى في مُدُنِ دويلاتنا المفتونة وعواصمِها أحياءَ شعبيةً، وأخرى للخاصة المُترفَة، وأخرى للخاصة الإدارية. طبقاتٌ في السكن تعكسُ طبقيةَ القسمة، والعادة، والعصبية. ومن أثْقَل ما يرثه جندُ الله بعد القومة التبذيرُ التَّرَفِيُّ من جهة، واللُّصُوقُ بالتراب، والعفَن، والمَرض، من جهة أخرى. وعلاجُ ذلك من أسبق الواجبات. نضع هنا تحَسُّباً لذلك اليوم، يومَ إعادة ترتيبِ البيت، هذا الطِّبَّ الراشد للمُعضلة كما طبقه عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فقد كان يُرْغِمُ عُماله على مُقاسَمَة الرعيةِ معاشَها وهمومَها. وذلك أحْرَى ألاّ تُولَدَ فيهم نخوةُ السلطان، وطاغوت الاستغناء، وتحلُّقُ البِطانة، والانفصالُ عن العامة .

روى هناد عن إبراهيم -رحمهما الله- قال: «كان عمر رضي الله عنه إذا استعمل عاملا، فقدِمَ إليه الوفدُ من تلك البلاد، قال: كيف أميرُكم؟ أيعودُ المَمْلوكَ؟ أيتبَعُ الجنازة؟ كيف بابُه؟ ألَيِّنٌ هوَ؟ فإن قالوا: بابُه لَيِّنٌ، ويعودُ المملوكَ تركه، وإلا بعث إليه ينـزِعُه». وروى البيهقيُّ والطبري -رحمهما الله- عن الأسود بن يزيد رحمه الله قال: «كان عمر رضي الله عنه إذا قدِمَ عليه الوفدُ سألهم عن أميرهم: أيعود المريضَ؟ أيجيبُ العبدَ؟ كيف صنيعُه؟ من يقوم على بابه؟ فإن قالوا لخصلة منها: لا! عزله». وأخرج البيهقيُّ عن عاصم بن أبي النجود عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه كان إذا بعث عماله شرط عليهم: «أنْ لا تركبوا بِرْذَوْناً (فرس عجمي ثقيل، رمز للخيلاء)، ولا تأكلوا نقيا (الخبزُ المرقَّقُ من الدقيق الخالص)، ولا تلبسُوا رقيقا، ولا تُغلقوا أبوابَكم دون حوائج الناس. فإن فعلتم شيئاً من ذلك فقد حلَّت بكم العقوبةُ» ثم يشيعهم. فإذا أرادَ أن يَرجع قال: «إنِّي لم أسَلطكم على دماء المسلمين، ولا على أبشارهم، ولا على أعراضهم، ولا على أموالهم. ولكني بعثتكم لتقيموا بهم الصلاة، وتقسموا فيهم فَيْئَهم، وتَحكُموا بينهم بالعدل. فإذا أشكل عليكم شيء فارفعوه إليَّ. ألا فلا تضربوا العربَ فتُذِلوها ! ولا تُجَمِّرُوهَا (لا تحبسوا الجندَ عن أهله أكثرَ من أربعة أشهر) فتَفْتِنوا، ولا تَعْتَلُوا عليها (من الاعتلاء) فتحرموها. جرِّدوا القرآن (لا تكتبوا معه حديثا ولا غيرَه)».

…… تابع تتمة كلام الإمام عبد السلام ياسين من كتاب “إمامة الأمة” على موقع ياسين نت.