مدخل

يكاد يجزم كل المتتبعين للشأن السياسي المغربي المعاصر، على أن جدلية الثابت والمتغير فيه تصب دائما في وقف الأول على مخزنية النظام المغربي، فيما يأخذ الثاني أشكالا وشخوصا وهيئات متغايرة، عبر الزمان والمكان.

ونحن هنا إذ نحاول تأكيد هذه النتيجة عبر وضع مقارنة بين محطتين من تاريخ هذا البلد، يتفق كل المغاربة على أنهما حملا آمالا، بل وحتى أحلاما على جميع المستويات، بل ومن كل الفئات حتى المتشربة لميكانزمات النظام المغربي، إن دراسة وبحثا، أو تجربة ميدانية وممارسة.

أما الأولى فهي ما أطلق عليه -في حينه- بتجربة التناوب التوافقي والذي حمل أحد أقطاب المعارضة: حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وأمينه العام، آنذاك السيد عبد الرحمان اليوسفي، إلى “الحكم” كسابقة في التاريخ المغربي، بل وحتى العربي.

في حين تكون الثانية هي: وصول حزب العدالة والتنمية الإسلامي إلى “الحكم أيضا” بعد تسمية أمينه العام السيد عبد الإله بن كيران رئيسا للحكومة الثلاثين بالمغرب، والتي حملت هي الأخرى نفس التعليقات والآمال ولو على مستويات مغايرة، مع الإشارة إلى أننا سنعرج على الحكومة الثانية لهذا الحزب، حكومة سعد الدين العثماني، باقتضاب شديد، على اعتبار أننا نرى طريقة اشتغالها وكذا جل قراراتها، إن كان لها قرار، نتيجة حتمية لما سنقوله عن سابقتها، بل هي في نفس الآن صورة طبق الأصل لحكومتي ما بعد التناوب خاصة الثانية (حكومة عباس الفاسي).

وسنحاول ذلك عبر جرد كل ما يمكن أن نقول أنه الأسباب الكامنة والحقيقية التي جعلت النظام الحاكم -حقيقة- يسمح بمثل هذا الانعطاف، خاصة فيما يتعلق بالأولى على اعتبار أن الثانية تبدو غير خافية. ثم كذلك القراءات التي استتبعت هذه وتلك وصولا إلى النتائج والخواتيم سواء على مستوى النظام ذاته، وكذا الحالة العامة “المجتمع والاقتصاد” أو على رواد هتين التجربتين خاصة حزب الاتحاد الاشتراكي واليسار المغربي بعيد انتخابات 2002. مع القول أن الثانية سنتحدث عنها على سبيل النسج على المنوال مستحضرين دعامة أساسية، وهي: دستور 2011 ومدى مفارقة تعديلاته لسابقيه إن شكلا أو مضمونا، إذ أنه الشاهد الأول على سيرورة أو صيرورة هذا النظام وكل نظام.

ما قبل التناوب

بداية سنعرج على ما ذكره الدكتور محمد عابد الجابري على أن هناك لقاء جرى بين السيد عبد الرحيم بوعبيد والملك الراحل الحسن الثاني في شهر نونبر من سنة 1974، اتفقا خلاله على تدشين مسلسل ديمقراطي شبيه بمشروع التناوب الذي تم إقراره عام 1998.

والذي يهمنا هنا أمران: ظروف هذا اللقاء وهذا الاتفاق، ثم مآله.

قال: “لقد كان ذلك اللقاء تاريخيا حقا ليس فقط لأنه طرحت فيه فكرة الإجماع الوطني من أجل الصحراء 1 بل أيضا لأنه استخلصت فيه الدروس من التجربة التي سار عليها الحكم في المغرب منذ سنة 1960 والتي توجت بمحاولتي الانقلاب الأولي 1971 والثانية 1972 إضافة إلى حوادث مارس 1973. 2

لقد تم في ذلك الاجتماع إعلان العزم على ضرورة الرجوع إلى الاختيار الديمقراطي. ومع أن لفظ التناوب لم يكن قد ظهر في القاموس السياسي المغربي آنذاك إلا أن مضمونه كما طبق سنة 1998 كان يلوح في الأفق… يمكن القول إن الاختيار الديمقراطي قد وقع التراضي عليه كاختيار سياسي منذ 1974. 3

لقد كان كل شئ يسير إلى ما سمي “اليوم بالتناوب وذلك ما عبر عنه المرحوم بوعبيد حين قال في تصريح له للإذاعة الفرنسية يوم 23 أكتوبر 1976: إننا على عتبة مغرب جديد، لقد تم الشروع في مسلسل الديمقراطية ويجب احترام قواعد اللعبة”.

لكن ما الذي حدث؟

يستطرد السيد محمد عابد الجابري في حكيه ويقول: جرت الانتخابات الجماعية كما كان مقررا يوم 12 نونبر 1976، وقد أسفرت النتائج التي أعلنت في مكاتب التصويت عن فوز الاتحاد (يقصد حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) بالأغلبية في أهم المدن والمراكز الحضرية والقروية… لكن دار لقمان تأبى إلا أن تبقى على حالها. لقد تدخلت أيدي التزوير لتغيير نتائج مكاتب التصويت ولتعلن وزارة الداخلية عن نتائج أخرى في كثير من المناطق 4.

قُلتُ: أعقب ذلك رفض القصر السماح للسيد عبد الرحيم الترشح باسم الاتحاد في الانتخابات البرلمانية لسنة 1977 بمدينة أكادير، وهو آخر مسمار في نعش أول مشروع أو لنقل فكرة للتناوب على الحكم.

كيف نفهم التناوب

في وقفة ثانية، وفي نص آخر من كلام أحد المفكرين المغاربة، يوضح فيه كيف كانت انطلاقة التناوب خاطئة بل و بدون أي أساس .

قال: “إن ما يسمى بتجربة التناوب التوافقي التي انخرط فيها المغرب عمليا سنة 1998 لم تكن إفرازا موضوعيا وطبيعيا لنتائج انتخابات حرة ونزيهة ممثلة لخريطة سياسية حقيقية غير مصنوعة، ولإرادة شعبية ومجتمعية واضحة المعالم… كما لم تكن مؤسسة على تحالفات سياسية وبرنامجيه متكاملة بين الفرقاء… وفوق كل هذا وذاك لم تكن هذه التجربة وليدة إصلاح دستوري وسياسي عميق داعم لتعاقد سياسي صريح بين اللاعبين الكبار…” 5.

قُلتُ: لقد أدت هذه الشروط الملتبسة إلى تبني الفاعلين المعنيين لمدلولات وتفسيرات مختلفة بل متناقضة أحيانا لمفهوم “التناوب”. فيما كان يراد منه على ما يفهم من الكثير من خطب وتصريحات الملك الراحل الحسن الثاني: “إشراكا” جزئيا، وتدريجيا موجها، ومراقبا للأحزاب الوطنية، ولاسيما المعارضة في بعض شؤون الحكم، وفي تدبير مسلسل الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي تحديدا، وذلك طلبا لتجاوز “تشاركي” -إلى حد ما- لما يعانيه المغرب من وعكات، وأزمات على المستوى الداخلي (وهو ما سماه الملك الحسن الثاني بالسكتة القلبية بعيد صدور تقرير البنك الدولي حول المغرب 1995).

وطلبا أيضا لمواجهة جماعية لما يواجهه المغرب على المستوى الخارجي (الصيد البحري، الهجرة، الشراكة الأورو متوسطية، العولمة…).

فبينما كان هذا هو المدلول الذي أعطي للتناوب في خطاب النظام القائم، فإننا نجد أن جل الأحزاب الوطنية قد أسقطت على المفهوم معاني ودلالات مرتبطة أساسا بأساليب تداول السلطة وتدبير دواليب الحكم… كما هي منفذة ومعتمدة في بعض التجارب السياسية للديمقراطية الغربية، خاصة، الشيء الذي جعل مفكرين وسياسيين كُثُر، خاصة من رواد الحركة الوطنية، يرسمون لها صورة جد متفائلة 6 ما جعل نتائجها جد صادمة.

 


[1] من أهم أسباب هذا اللقاء قرار إسبانيا إجراء استفتاء في الصحراء بهدف إقامة شبة دولة “مستقلة” تابعة لها، تبين أنه كان بتواطؤ مع الحكومة الجزائرية التي كانت هي الأخرى تطمح إلى الوصول بحدودها الغربية إلى المحيط الأطلسي.
[2] عرف شهر مارس سنة 1973 دوامة عنف في أكثر من مدينة مغربية (مولاي بوعزة، خنيفرة، كلميم، ميلشين) نسبت إلى بعض قياديي اليسار.
[3] سلسلة مواقف د. محمد عابد الجابري الكتاب 9 ص 13.
[4] نفس المرجع.
[5] كتاب: في التنمية السياسية مقدمات في سوسيولوجيا الإصلاح والتحديث والتحول الدمقراطي المغربي المعاصر – مصطفى حسن ص، 92- 93.
[6] المرجع نفسه