بإعدام الطالبة حياة بلقاسم بدم بارد من طرف قوات البحرية الملكية لصدها عن مسعاها للهجرة نحو الضفة المقابلة، نكون أمام حلقة أخرى من حلقات الانتهاك الصارخ لحقوق المغاربة التي تنضاف إلى سجل المخزن الحقوقي المغرق في قتامته.

الملاحظ، في قضية الشهيدة المغدورة وفي غيرها من القضايا المستجدة أننا بصدد تصعيد غير مسبوق، حيث ما عاد أذى النظام المغربي المباشر يقتصر على من يعارضه ويتحداه ليتعمم الاستهداف على الجميع، وهكذا تحول كل مغربي إلى هدف مشروع تفرغ فيه أجهزة الدولة المتنفذة كل عقدها الناجمة عن فشلها المستمر في تسيير البلاد التي أوصلتها إلى الاختناق وإلى السكتة القلبية.

وقد أضحى الكفاح من أجل توفير لقمة العيش تهمة، في ذاته، تستنفر أجهزة النظام التي تجد متعة استثنائية في تهديد العباد في أرزاقهم بعد أن أوصدت في وجوههم كل الأبواب، كالذي يحدث لهم في معبر سبتة المذل أو كما فعل بساكنة جرادة والذي بلغ ذروته في جريمة بحجم ما تعرض له الشهيد محسن فكري، واليوم يتطور الموقف ليصل التنكيل لمستوى أعلى حتى أضحى الهروب من ضنك العيش وضيق الأفق الناجم عن بطش النظام وفساده جريمة تستدعي تصفية جسدية لشابة عزلاء لا تنازعه في شيء والتي تركت له البلد بما فيها، ومع ذلك لم تسلم من رصاصه الطائش تماما مثل كل سياساته.

الخلاصة التي يريد أن يفهمها النظام المغربي بأجهزته القمعية ولوبياته الاقتصادية المفترسة لعموم المغاربة أن ينسوا تماما أنهم مواطنون، فهم في ضيعته أو قل في سجنه وفي زنازينه التي تنتمي للقرون الوسطى حيث لا حقوق ولا امتيازات ولا كرامة آدمية، بل الإذعان التام لإرادته ليس إلا، وحيث يعرض أي تذمر من الأوضاع الكارثية، حتى لو لم يصل إلى درجة الاحتجاج، صاحبه للإهانة والتعذيب، أما مغادرة قلعته دون إذنه فهي تعد من أكبر الكبائر وعدوانا من السجين على سجانه.

لا ينتبه هذا السجان المأزوم الذي كلما تأزم أكثر كلما زاد في توحشه لدرجة فقد فيها صوابه وبات يضرب في كل الاتجاهات، أنه بقدر ما يستعلي على سجنائه بقدر ما يزداد احتقاره من قبل الآخرين، خصوصا إذا كان مجرد تابع لهم يعرض خدماته عليهم من أجل كسب رضاهم وطمعا في حمايتهم له من أي تمرد محتمل عليه، ما يجعله رخيصا في أعينهم، فيسهل ابتزازه لقاء تركه يتنعم بساديته.

هذا ما جعل المخزن يتحول إلى حرس للحدود الأوروبية متطوعا للقيام بأقذر المهمات لمواجهة كابوس الهجرة المؤرق نيابة عن الأوروبيين وإن اضطر لقتل الطامحين إلى الهجرة بدءا بالمهاجرين الأفارقة وانتهاء بأبناء شعبه، كل هذا من أجل أن يعيش الأوروبي رفاهيته دون منغصات.

لا نبالغ أبدا حين نقول إن المغاربة يعيشون في سجن كبير وإن هذا السجن بات يضيق بأهله، بعد أن قرر القائمون عليه الاتجاه نحو تشديد القبضة على نزلائه وسحب منهم كل ما اعتبر يوما ما امتيازات يحسدهم عليهم نزلاء سجون مجاورة.

من العبث إذن أن يطمع السجناء في تحسين شروط حياتهم في زنازينهم في ظل ظروف مثل ظروفهم، ولعله من المفيد لهم أن جلادهم قد كشر عن أنيابه ولم يترك لهم ترف الاختيار، فإما أن يقبلوا بالموت البطيء وإما أن ينتزعوا حريتهم بأيديهم ويستعيدوا كرامتهم ممن حول حياتهم إلى جحيم.