يكفي عمر محب فخرا وهو الرجل المفرد، أن يكون مرمى لسهام المخزن وهو النظام السياسي الاستبدادي القروني المزمن. وبِحَسْبِ عمر محب شرفا أن يحمل بمظلوميته ومعاناته وآلامه وآماله ثقل مظلومية جماعة بحجم جماعة العدل والإحسان وبقوة وباتساع وبعمق وبخيرية مشروعها. فليس أمرا سهلا أن يقوم رجل، في لحظة من لحظات تاريخ هذا البلد وتاريخ هذه الجماعة، أصالة عن نفسه ونيابة عنها، في أداء ضريبة الحرية بالاصطفاف مع كوكبة الرجال الخيرين والفضلاء والغيورين على هذا البلد، من اختاروا بشجاعة وبإيمان وبصدق مواجهة الظلم الغاشم بوجه مكشوف وذراع أعزل وقدم يسير على خط السلمية الشاق.

وعلى هذا الخط الشاق ذاته، الذي يسير فيه محب مختارا بثبات وبصبر وباحتساب، تسير زوجته السيدة خديجة سيف الدين اقتناعا وحبا وتأييدا، ويسير فيه ولداه تعلقا وارتباطا وتعلما بالنموذج الحي الماثل أمام الأعين وفي الضمير وبين الحنايا لأولى دروس الرجولة الإيمانية التي سيحتاجانها كثيرا في مستقبل أيامهما وأيام هذا البلد السعيد بأبنائه النكد بحكامه.

وتتضاعف المظلومية أضعافا، وتلد المحنة محنا، وينغرس خنجرها في أعماق الصدر، وتتلهب الكبد وتتحرق، حين تتعدى آلامها إلى القلب المتعلق بها وإلى فلذتيه منها معا، وحين تبذل الزوجة زهرتها وزهرة طفليه إلى زهرته. فلا تسل عن غصص هذه المحن في جوف الممتَحَنين، ولا عن لوعتها في صدورهم، ولا عن حرارة لهيبها في أكفهم، لولا أن مولاهم يتعبّدهم بالصبر على قضائه، ويقربهم إليه بالتسليم لأمره، ويؤنسهم ويسليهم بالوقوف على بابه، ويشرفهم ويرفع مقامهم بالقيام بواجب مواجهة الظالمين!

تاريخ هذا النظام المستبد، خاصة بعد الاستقلال الصوري للبلاد، حافل بمئات وبآلاف الملفات الذي ذبّح فيها كل المعاني الإنسانية في ذات كل من سولت له نفسه أن يرى في نفسه أو في وطنه غير ما يرى هو. وحتى “العهد الجديد” الذي بشر بكل أوجه الحرية والديمقراطية والرفاه لم يستطع الصبر طويلا على تمثيل دور النظام الجديد الذي غير وجهة الحكم غير وجهة “العهد القديم”، فكانت لاإنسانيته وجها من وجوه استبداده، وكانت محنة من يسقط بين مخالبه دليلا على ما عمل جاهدا لإخفائه خلف أقنعته.

عظم محنة محب، وهي واحدة من كثير من المحن التي تابعناها ونتابعها كل يوم، وشدة ما تتركه في النفوس من جراح غائرة، واستهداف صميم إنسانيته التي جعلته رجلا حرا شريفا متشبثا بالكرامة التي رفعه الله بها إلى الدرجة التي استحق بها سجود الملائكة، هو ما يريده الظلمة بظلمهم، عسى تنكسر عزيمة وإرادة الرجل وأهله ومن ورائهم عزيمة وإرادة الجماعة، ومن وراء الجميع عزيمة وإرادة كل الأحرار الناهضين القائمين أو الذين يحدثون أنفسهم بالنهوض والقيام في وجه المتسلطين على هذا الوطن. ولكن عمق آثار هذه المنحة، وبركات ونفحات وثمرات ما يجنيه أهلها منها، ترقيا في سلم الإيمان والإحسان، وفضحا للمستبدين المفسدين، وتقوية لصف المستضعفين التواقين إلى الخلاص القريب… هو ما يجنيه الخيرون القائمون بالقسط.

ليس عمر محب هو أول من يدفع ضريبة الحرية والكرامة من زهرة عمره، ومن آماله في نفسه، ومن أَرَقِ وحرقة زوجه عليه، ومن ظمإ طفليه إلى حضنه الندي، ومن تهمّم أحبابه وإخوانه، ومن حاجتهم إليه في محاضن التربية وميادين البناء. ولن يكون عمر محب آخر من يدفع هذه الضريبة. ولكنها طبيعة الطريق. ولكنه ثمن الكرامة. ولكنها تكلفة الحرية. ولكنها سنة الله ألا تقوم للحق قائمة دون مقابل مما تكرهه النفوس من فقد الراحة والدعة والسكون والأمن في المال والأهل والولد. ولكنه فضل الله أن يصطفي سبحانه من عباده أرباب القلوب الصادقة وأصحاب الهمم العالية وذوي العزائم الماضية، يختصهم بهذه المهمة النبيلة، فيسترخصون من أجلها أغلى ما يملكون.