توالت عدة تصريحات رسمية من الحكومة والأجهزة الأمنية والعسكرية المغربية، تحمل مسؤولية مقتل حياة بلقاسم، التي أصيبت بأعيرة نارية من قبل البحرية الملكية أثناء محاولتها الهجرة إلى الديار الإسبانية، إلى شبكات التهريب التي تنشط في محيط البحر الأبيض المتوسط، محاولة إخلاء مسؤوليتها اتجاه هذا الحدث المأساوي، متعارضة مع التوجه القضائي في الباب الذي يجعل الدولة مسؤولة عن تصرفاتها وأنشطتها اتجاه مواطنيها. فبرجوعنا إلى الحكم القضائي الصادر عن المحكمة الإدارية بالدار البيضاء عدد 3138 الصادر بتاريخ 03 أكتوبر 2017 في الملف الإداري عدد 616/7112/2016 نجده يؤكد على مبدإ مسؤولية الدولة عن العواقب التي تحل بالضحية، في حالة إطلاق طلقة نارية من شرطي في إطار قيامه بمهامه، معللة قرارها بأنه إذا كانت مقومات الدولة تقوم على مبدإ التوازن بين حقوق المواطنين وواجباتهم في تحمل الأعباء، فإنها بالمقابل تكون ملزمة بتحمل مخاطر الأضرار التي تسببها أعمالها ونشاطاتها للمواطنين.

وإنه من صميم واجبات الدولة الحفاظ على السلامة البدنية للمواطنين، وعدم تعرضها للخطر عند ممارسة دواليب أنشطتها المهنية، وذلك وفق المبادئ التي سنها (الدستور) القانون الأسمى للمملكة، لتقضي المحكمة الإدارية على الدولة المغربية في شخص وزارة الداخلية بأدائها لفائدة المدعي مبلغ مليون درهم تعويضا عن الضرر الذي لحق به .

وارتباطا بحادث مقتل حياة المؤسف دعت منظمة العفو الدولية السلطات المغربية إلى “إجراء تحقيق كامل ومستقل حول ملابسات وفاة حياة على متن قارب اعترضته القوات البحرية الملكية المغربية”، داعية إياها إلى “وجوب إجراء تحقيق مستقل حول ملابسات وفاتها والإصابات الخطيرة لثلاثة مواطنين مغاربة آخرين”.

نفس التوجه ذهبت إليه سارة ليا ويتس، مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لمنظمة هيومان رايتس ووتش في تصريح لها بقولها إنه: “ليس هناك أي دليل يشير إلى أن الركاب كانوا يشكلون خطرا أمنيا على أي أحد، وهو التبرير القانوني الوحيد الذي قد يضطر المغرب إلى إطلاق النار بسببه”، مضيفة بأن السلطات المغربية “تعهدت بالتحقيق في عملية القتل، وعليهم أن يفعلوا ذلك فورا، وأن يكشفوا عن نتائج التحقيق علناً، وأن يقدموا المسؤولين عن القتل إلى العدالة”.

 ومن المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية بصفة عامة نجد مبدأ التناسب الذي يفرض أن يكون استخدام القوة متناسبا مع الهدف المشروع المرجو تحقيقه ومع خطورة الجريمة، إلى جانب ضرورة البحث عن بدائل لاستخدام القوة، ومن بينها التسوية السلمية للصراعات، وتفهم سلوك الجمهور، وأساليب الإقناع، والتفاوض والوساطة واستعمال الوسائل التقنية (بما في ذلك الأسلحة غير الفتاكة).

هناك أيضا مبدأ المشروعية حيث يعتبر استخدام القوة مشروعاً إذا كان هناك التزام بالقوانين الوطنية وبالمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وعلى أن يتسم الهدف ووسيلة تحقيقه بالمشروعية، مع تحقق ضمانات للمساءلة عن استخدام القوة والأسلحة بتوافر إجراءات كافية للإبلاغ عما يحدث عبر تقارير في الموضوع وتقديم المخالفين لهذه الضوابط للعدالة.

إن الطريقة والظروف التي صاحبت حدث مقتل حياة بلقاسم تعتبر جريمة مخالفة لمقتضيات المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر في عام 1966، والتي نصت في فقرتها الأولى على أن “الحق في الحياة، حق ملازم لكل إنسان، وأنه على القانون الوطني أن يحمى هذا الحق، ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفا”.

ومخالفة لمقتضيات المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر سنة 1948 والتي أكدت على أن “لكل فرد الحق في الحياة والحرية والسلامة الشخصية والبدنية”، نجد الحادث الذي ذهبت حياة ضحيته متناقضا مع روح الدستور المغربي في المادة 20 منه والتي تعتبر “الحق في الحياة هو أول الحقوق لكل إنسان، ويحمي القانون هذا الحق”، وكذا ومع المادة 22 في فقرتها الأولى من ذات الدستور والتي تنص على أنه “لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص، في أي ظرف، ومن قبل أي جهة كانت، خاصة أو عامة”.

فهل يا ترى ستتحمل الدولة مسؤوليتها اتجاه الحادث وتعترف بخطئها وتعمل على ترتيب الجزاء على المتسبب في الحادث وجبر الضرر وإنصاف الضحايا وإعطاء ضمانات بعدم تكرار مثل هذه التجاوزات؟ أم إن مآل الملف سيقبر كما تم إقبار العشرات من الملفات المشابهة؟