تناولت حلقة هذا الأسبوع من برنامج “حدث الأسبوع” الذي تبثه قناة الشاهد الإلكترونية موضوع الهجرة، ولمناقشة الموضوع استضافت مديرة البرنامج الأستاذة هاجر الكيلاني الأستاذ هشام الشولادي عضو المكتب الوطني لشبيبة العدل والإحسان.

قدمت الكيلاني لبرنامجها بالقول: “يخطئ من يظن أن البحث عن أسباب الرزق والخبز هو الدافع الوحيد للمغامرين المغاربة، أطفالا ونساء وشبابا، إنه مزيج من البحث عن الخبز والسعي إلى الكرامة ونشدان الحرية والتطلع إلى العدل وتلمس الطريق إلى موطن يعامل الإنسان فيه بما هو إنسان، وطلب بيئة يكافأ المرء فيها على قدر كده وجهده وكفاءته لا على قدر ما لديه من علاقات…”، لتطرح أرضية النقاش ملخصة في سؤال “فمن يتحمل مسؤولية الأرواح التي يزهقها الفقر والحاجة والذل والظلم والفساد؟”.

افتتح الناشط السياسي كلامه بتوضيح سياق تزايد حالات الهجرة في المدة الماضية، وما واكبه من نقاشات مجتمعية قائلا: “أعتقد أن المغرب قد أخطأ اللحظة التاريخية والفرصة التي قدمت سنة 2011، في هذه السنة خرج شباب هذا الوطن في جميع بقاعه شرقا وشمالا وغربا وجنوبا، بشتى الوسائل والأشكال، رافعين شعارات خالدة: حرية، عدالة اجتماعية، لا للجمع بين الثروة والسلطة، المغرب للجميع، التعليم للجميع، الصحة للجميع.. وناضلوا من أجل هذه المطالب أيما نضال، وأرسلوا الرسائل وكانت واضحة، وجمّلوها وزيّنوها بسلمية فاقت كل التوقعات، وبإبداع قل نظيره، فكان الطبيعي أن تتم الإجابة عن هذه الرسائل، والدخول في مرحلة جديدة تستجيب لبناء ديمغرافي جديد ارتفعت فيه نسبة الشباب، وليس أي شباب؛ شباب الألفية الثالثة، شباب العالم “القرية الصغيرة”، شباب وسائل التواصل الاجتماعي، الشباب الذين يصعب معهم أي نقاش غير حر ونزيه، أي نقاش ملتف”.

وأضاف موضحا: “للأسف الشديد أخطأنا اللحظة ودبرناها بمنطق الالتفاف، وبحثنا عن أشكال صورية نبرز من خلالها للعالم أننا دولة الاستثناء، وأن المغرب أجاب عن اللحظة التاريخية بإجابات صريحة حقيقية، لكنها كانت إجابة كاذبة حن فيها المدبر السياسي لهذا الوطن إلى المرحلة القديمة، فكنا أمام مؤسسات صورية لا تهش ولا تنش، مؤسسات لم تستطع أبدا أن تجسد الآمال التي رفعها شباب البلد، ما أدى “أوتوماتيكيا” إلى حالة رفض عام لما يقع في المغرب ولما وصل إليه المغرب”.

فكان من نتائج هذا الوضع المتأزم أننا “اليوم أمام احتقان اجتماعي واقتصادي وسياسي، أمام حالة انسداد، وأمام هذه الحالة لا يمكن للشباب إلا أن يبحث عن متنفسات وروافد أخرى، وما يقع اليوم هو جزء من هذا المتنفس” يضيف الشولادي.

واستدرك الفاعل الشبابي مذكرا بقدم الهجرة في المغرب وأوجه اختلاف أشكالها بين الماضي والحاضر،  “هذا لا يعني أن الهجرة بدأت اليوم، المغرب من أوائل دول شمال إفريقيا التي صدرت أبناءها بالملايين إلى دول أوربا وأمريكا وكندا.. الهجرة قديمة لكنها اليوم تتخذ أشكالا أخرى؛ من قبل كانت الهجرة سرية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، اليوم نحن أمام هجرة علنية ترفع فيها شعارات أمام الشواطئ، يحمل فيها شباب نهارا جهارا علنا، هجرة يرتمي فيها الشباب إلى “الفونتوم” وهو يصفق ويزغرد ويرفع الشعارات، ويصورها وأحيانا يبثها مباشرة“، ليطرح سؤالا استنكاريا مفاده “ماذا يقع في هذا الوطن؟”.

وعن حيثيات الشباب الذي يلجأ بكثرة إلى الهجرة أبرز الشولادي أن “هناك اليد العاملة البسيطة، وهناك الشاب الفقير، وهناك الشاب ذو المستوى الدراسي المحدود، وهناك الحرفي الذي لم يجد شغلا في المغرب.. هي فئات سدت آفاق العمل في وجهها في المغرب، وهي تبحث عن أبسط مقومات الحياة الكريمة ولم تجدها في المغرب فلم يبقى أمامها إلا الضفة الأخرى، رغم أن الضفة الأخرى أيضا تعاني ما تعانيه وهي ليست جنة كما يتصورها البعض..”. وعدّد فئة أخرى اعتبر أن حالتها يجب أن تناقش وهي “هجرة العقول والأدمغة وحاملي الشواهد العليا، فحسب الإحصائيات فإن 8000 شاب وشابة من ذوي الكفاءات العليا غادروا المغرب، وهذا يعني أن المدرسة العمومية والخزينة العمومية أنفقت عليهم ملايين الدراهم وبعد ذلك قدمتهم سهلا إلى بلد أجنبي، ولم ينفق عليه البلد المستقبل درهما واحدا.. وجدت إطارا كاملا يتقن لغات متعددة.. عقدين من الزمن والأسرة تنفق على تعليمه والدولة أيضا ثم يقدم إلى بلد آخر.. هذا أمر يسيئنا جميعا، هذه طاقات بإمكانها أن تكون رافدا حقيقيا للتنمية في المغرب، هذه الفئة يجب أن تغلق أبواب الهجرة أمامها، لا بمنعها ولكن بتوفير ما تبحث عنه في بلدها المغرب”.

وأكد عضو المكتب الوطني لشبيبة العدل والإحسان بخصوص دور الدولة في استفحال هذه الظاهرة أن “الارتماء إلى الهجرة هو نتيجة لأسباب عميقة داخل منظومة فاشلة، تنتج الفشل، وبالتالي فالناس تبحث عن مخرج، لذلك يجب مساءلة التدبير عموما داخل المغرب. أخطأنا لحظة تاريخية كان من الممكن أن نحقق فيها تصالحا مع أبناء الوطن، حيث توزع الثروة توزيعا عادلا بينهم، وتربط المسؤولية بالمحاسبة، وتفرض ضريبة على الثروة، وتدشن مرحلة تصالح حقيقي مع جميع فئات المجتمع بموالاتها ومعارضتها، وأن نمد اليد للجميع ولا نقصي أحدا، ونرسل إشارات أن المغرب سيحتضن أبناءه، وهذا ما لم يقع، بل بالعكس أعطي الشباب المغربي إشارات سلبية..”، وبيّن بعض مظاهر هذه الإشارات بقوله “أساتذة تم توظيفهم بالتعاقد فولج الأستاذ إلى منظومة لا يثق فيها وهو خائف على مقعده.. من احتج في العديد من المناطق تم حبسه ومعاقبته بعشرات السنوات، وكان يحتج من أجل مستشفى وطريق معبدة ومدرسة..”، ليخلص إلى أنه “من الطبيعي عندما تصبح المقاربة صلبة وفولاذية وتصبح المنافذ التي يمكن للشباب أن يحقق من خلالها آماله منغلقة آنذاك تضيق الاختيارات”.

ونوه الشولادي بدور القوى الحية في تأطير الشباب المغربي قائلا: “نحمد الله تعالى أن قوى حية في المغرب ناضلت وعبأت وربت الشباب المغربي على أن ينبذ العنف وإلا لكنا في مسار آخر”، وبإبداعات الشباب المغربي “نحن نرى اليوم أن الإبداع عموما عند الشباب المغربي لم يعد وليد مدرسة وجامعة فقط، الآن مثلا داخل ملاعب كرة القدم ترفع شعارات مكتوبة ومغناة..”.

وعن سؤال عما إذا كانت هذه السياسة متعمدة من طرف الدولة من أجل تقليص حجم الشباب في المغرب أجاب الشولادي “لا يمكن أبدا أن نقلص من حجم الشباب وهم بالآلاف، فهل سنحفر لهم مقابر جماعية؟ هؤلاء أبناء المغاربة، هذا نسيج مجتمعي فرض علينا نفسه، في وقت من الأوقات كانت عملية إسكات هؤلاء الشباب سهلة.. المجتمع تغير اليوم، العالم أصبح قرية صغيرة، وهذا شباب آخر دشن مرحلة أخرى، وهو شباب كسر حاجز الخوف.. شباب أصبح يرقص وهو يهم بالهجرة ويعترف بأنه يستطيع التخلي عن جنسيته، معنى هذا أن قيم المواطنة التي تربى عليها لمدة عشرين سنة داخل المدرسة مستعد أن يتخلى عنها ويغادر البلاد.. يجب على السياسي أن يتحمل مسؤولية ما وصلنا إليه اليوم، فهذه نتيجة التدبير السياسي الأحادي، تدبير الاحتواء والالتفاف للشأن السياسي. الاختيار الديمقراطي واضح أساسه ربط المسؤولية بالمحاسبة، أساسه مؤسسات منتخبة حقيقية تملك السلطة وتملك آليات المتابعة والمحاسبة، الاختيار الديمقراطي شعاره الحقيقي أن نستمع للجميع؛ موالاة ومعارضة، يمينا ويسارا”.

واسترسل مؤكدا “نحن في بلد ليست له الجرأة أن ينصت للجميع وأن يمد اليد للجميع.. والإطارات التي كنا نحتمي بها تتلاشى اليوم نظرا لأنها لا تعبر عن نبض الشارع، ولا تعبر عن الاحتياجات الحقيقية للبلد.. ونخاف أن نجد أنفسنا أمام الفراغ، وهذا ليس في صالح أحد”.

وكشف الشولادي رأي الجماعة التي ينتمي إليها في الموضوع “نحن داخل المنظومة التي أنتمي إليها نرفض هذه الهجرة، لا نقبلها لأنها ترمي بأبنائنا في عرض البحر، نرميهم شبابا في أحسن حلة ويعودون إلينا في صناديق نحملهم إلى المقابر وقد أنفقت عليهم الدولة وأسرهم”.

وشدد على أنه “ينبغي أن نكون واضحين في مناقشة الأسباب، لأن الهجرة السرية وغيرها من أنواع الهجرة ما هي إلا نتيجة لسوء تدبير حقيقي، لمدرسة فاشلة، ولجامعة فاشلة لم تربط نفسها بسوق الشغل، لهدر كبير جدا، لحالات احتقان متعددة، ولريع تستفيد منه فئة ولا تستفيد منه فئات أخرى”.

وتعليقا على حادث مقتل الطالبة حياة بالرصاص في عرض البحر، قال الشولادي: “أي حدث يقع داخل المياه المغربية هو حدث يؤلمنا جميعا، المفقودون اليوم في شمال المغرب يعدون بالآلاف، ليس فقط المفقودون في البحار أو في الضفة الأخرى، هناك أبناء الوطن من الداخل مفقودون وهم داخل المغرب، التحقوا بجبال الشمال يبحثون عن وسيلة من وسائل التنقل إلى الضفة الأخرى، أو هم في الموانئ ينتظرون الشاحنات الكبرى للارتماء على سطحها أو تحت عجلاتها، ومعهم شباب آخرون يرتمون في البحار. فمن الطبيعي أن نرفض، والجميع يجب أن يرفض، وأي مقاربة أمنية لن تحل المشكل. لا يمكن للإخفاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية أن يحلها رجل أمن، لا يمكن أن يحلها إلا رجل السياسة ورجل الاقتصاد ورجل الاجتماع مجتمعين”.

واعتبر المعلم والفاعل الشبابي، وهو يبرز مداخل معالجة هذا الاحتقان، أن “خريطة البحث عن حلول للاحتقان السياسي والاجتماعي والاقتصادي واضحة وضوح الشعارات التي كانت ترفع. أول شيء يجب أن نحدد اختياراتنا؛ أي مغرب نريد؟ إن أردنا فعلا أن يكون اختيارا ديمقراطيا، فالديمقراطية تقتضي أن يشارك الجميع في بناء الوطن، ولا يحاصر أي طرف، وأن ننصت للجميع، وأن نقترب من الجميع، ونمد يدنا للجميع، وأن يجتمع ذوو المروءات من كل طرف لكي يناقشوا واقع المغرب ومستقبله”، وأضاف مدخلا ثانيا هو “إعادة الأمل لهؤلاء الشباب، يجب أن نعيد لهم حالة الثقة المفقودة اليوم، لأن جميع الإجراءات التي اتخذتها الدولة لا تزيد إلا درجة الاحتقان وعدم الثقة في مؤسسات الدولة“، مستدلا ببعض الإجراءات التي اتخذتها الدولة في الآونة الأخيرة والتي أثرت سلبا على نفسية الشباب فـ“عندما نقول أننا سنلغي المجانية بدءا من المؤسسات الجامعية ثم المؤسسات ذات الاستقطاب المحدود ثم ننتقل إلى التعليم الثانوي، فهذه إشارة مخيفة جدا. لمّا نوظف اليوم أكثر من 50 ألفا من الشباب ونقول لهم أنتم فقط متعاقدون ومعرضون للطرد في أي وقت ما دمنا محتاجون لهم فوظفوهم وازرعوا فيهم الثقة، على الأقل كي يحافظ هو نفسه على قيمة المواطنة داخل قلبه ويساهم في ترسيخها في أبناء هذا الوطن.. لمّا نجد اليوم المئات من الشباب مسجونون لأنهم خرجوا في وقت من الأوقات يدافعون عن حقوق مشروعة؛ طريق معبدة، مستشفى، جامعة..”، ليقر “أن المصالحة الحقيقية تبدأ من المصالحة مع هؤلاء؛ إشاعة الثقة، إعادة النظر في المنظومة التعليمية”، ويضيف مدخلا آخر “المدخل السياسي واضح جدا، ويجب أن يشارك فيه أبناء المغرب جميعا حتى لا نرى هذه الظواهر التي نراها اليوم، وحتى يبقى مهندسنا وطبيبنا وأختنا بيننا” يختم الشولادي.