فطن علماؤنا العاملون إلى أن تمكن الذهنية الرعوية وغياب النقد، و“غياب تقدير المآلات والمصالح” 1، ثم سيادة الخمول في الأمة وغياب النصيحة الواجبة لحكامها وعلمائها قبل رعيتها، حري أن يجعل كفة الطاعة العمياء راجحة، فتسنح الفرصة لتسلط القاهرين المستبدين الذين يغيبون حقوق الناس ويتلاعبون بها، حسب أهوائهم ومصالحهم، باسم الدين وحماية المقدسات، فتميل بذلك كفة قهرهم وجبروتهم، ويرخص دم المواطن، قتلا وهدما، وتعطل حاجاته الضرورية من تعليم وتطبيب وأمن… فتبدأ الأهزوجة حينها، أهزوجة واجب الطاعة لأولي الأمر، مستندة إلى فتاوى علماء، سبق وصفهم، باعوا آخرتهم فاتخذهم الظالمون حواجز لجزر المعارضين “المارقين”.

لا يخفى تمييعهم النصيحةَ بتخاذلهم، لتصبح إثارة للقلائل والفتن النائمة، من نصح العباد بخشية رب العباد فقد حرض على عصيان أولي الأمر وشق عصا الطاعة، وهدد استقرار البلاد والعباد…

يا له من إخراج للوجه الثاني لأهزوجة اسمها استقرار البلاد والعباد.

لكن من يهدد استقرار البلاد يا ترى؟ أليس من هجّر العباد من البلاد وكان معول هدم لخيرة شباب الأمة بتجهيله وترحيله قسرا، ثم رميا بالرصاص عمدا؟ ألم تكن نفوسهم المنهارة المنهزمة أمام جبروت القهر السلطاني سببا في انعدام ثقه الأمة في الله أولا ثم في قدراتها وكفاءاتها وعلمائها؟

إن الوقائع على الأرض وحدها كفيلة بتكذيب ذلك أو تصديقه.

انخدع الطائعون والمتملقون والراكعون والخاضعون للقهر السلطاني، رغبا أو رهبا، ببريق يجود به عليهم من فتات مقابل ولاء زائل، لكن علماءنا، الشفاء المرجو عبر الأزمان، وإلى يومنا هذا، برهنوا: أن النصيحة ليست فوضى ولم تكن ولن تكون فوضى، وليست فتنة ولن تكون كذلك، وأن الشورى ليست انحلالا ولا تخلفا، وأن الاستثناء المغربي فضحت مزاعمه، فما كانوا لينخدعوا بكثرة الأضواء الساترة للحقائق، ولا بالأصوات الصاخبة المزيفة لحقائق البحر والحج والتعليم والصحة وهلم جرا… وكأنهم شاهدوا حلقاتها وأحداثها قبل عرضها، عرفوا أبطالها وحبكتها ونهايتها ونتائجها، فلا تجدهم إلا مطمئنين موقنين بموعود الله، متلذذين بالبشرى القادمة، لا تستفزهم الأحداث اليومية أو المستفزون والمستهزئون، لذلك فهم الأمن في الأرض يبشرون بالغد الأفضل.

 عندما بعث الأستاذ ياسين رحمه الله رسالتيه الشهيرتين 2، نصيحة لأولي الأمر والعلماء والعامة، طمعا في شرف قول كلمة حق عند سلطان جائر، ولم لا اقتناص فرصة الشهادة في سبيل الله التي يحلم بها كل مؤمن، فإنه ما خط فيها حرفاً إلاّ ابتغاء رضى الله ربه، “لا عدواناً ولا كيداً،”  3 فكان الله حسبه من العالمين، حينها قام الناعقون ولم يقعدوا، ركبوا كل مركب، قبل من يعنيهم الأمر، فنالوا السبق في ذلك، يؤلبون ويحرضون ويشوهون ويبدعون ويفسقون… و”يجننون”.

إذ كيف يعقل هذا في زمن الاستثناء، زمن عشق الدرهم والدينار والسيارة الفاخرة والبيت الوثير والظهور في الإعلام مع علية القوم فخرا وتفاخرا، زمن الخضوع والانخداع، طوعا أو كرها أو مكرا؟ أين الذي كان له رصيد تاريخي شريف: سجن ونفي… ؟ ألم يمح نضاله على أعتاب سياسة رخيصة باخس خسيسة؟ فكيف يعقل أن يسمح لهذا أن يربك الحسابات؟ وينغص على المنعمين ملذاتهم واستقرارهم؟ ستكون القاضية إن نجح في دعواه فتحل علينا بلواه؟ فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَىٰ 4، مصالحكم وامتيازاتكم في خطر، إلى دار الندوة… لا مكان لمتقاعس بيننا، فلنوزع الأدوار بيننا تشويها وتحريضا… خذوا حذركم فالخطب جلل، برهنوا على قوة ولائكم، تخيروا من الكلام ما يصيب الخصم في مقتل، أحرقوا البخور للأسياد، أقيموا المحاكم… بدعوا فسقوا خرفوا، أنتم الأعلون… لا يمكن أن يكون استثناء دون غيره، لن نمنح له فرصة النجاح.

 لكنهم هلكوا وما هلك، اندثرت أخبارهم ودرست آثارهم ولا زال حيا بعدهم، وياللخيبة حين يسمعون قوله تعإلى: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ 5، حينها يقول المجرم: يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا  6

 مساكين، أبهرتهم كلماته الصادقة، جرأته وصراحته، هالهم يقينه في الله وحسن توكله حين قال: “والله حسبي منك ومن العالمين… وسواء برز لي الملك بسلطانه، أو المؤمن عبد الله المسكين بقبول النصيحة، فاعلم أن الله جلت قدرته يقضي ولا يقضي الناس، وأنه تعالى يبعث للأمر المهم أضعف عباده، فيؤيده ويفتح له وبه. وإنني يا أخي المبتلى لذلك العبد الضعيف.”  7

 مساكين: الذي يجرؤ على هذا الفعل لن يكون، في نظرهم، إلا مجنونا. الوليد بن المغيرة… نسخه جاهزة للاستعمال في كل زمان، لكن التسجيل مشروخ. مساكين، كانوا يطمعون في النيل من صلابة الرجل وثباته واشتياقه إلى ربه، وهو الذي اشترى كفنه استعدادا لأسوا الاحتمالات، في نظرهم، وأسعدها في نظره، وهو موقن أن رسالته ليست كباقي الرسائل، مخاطبا الملك حينها: “لكنك لن تملك إلا أن تجيب عنها بعنف السلطان وجبروته، حين ترفض الوضوح الذي تتسم به النصيحة التي تحملها إليك وإلى المسلمين عامتهم وخاصتهم” 8.

رحمه الله، أحيا الله به بواعث النصيحة في الأمة، فأصبح المستحيل ممكنا، مشهد البارحة يتكرر اليوم، صحابي جليل يصدع بكلمة الحق: جئنا نخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ورجل في زمن الفتنة من إخوان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينادي باقتحام العقبة لفك الرقاب من عبادة الدرهم والخميصة والنفس والهوى والسلطان… إلى عبادة رب الناس والكون أجمعين.

تحدث كثير من الباحثين عن الرسالتين ومضمونهما، وإن كنت سأشير إلى بعض مضامينهما، لكن القصد هنا هو إحياء النصيحة في الأمة وتجديد بواعثها لتصبح سلوكا في حياتنا كلها، بدءا بالسلطان وما يتحمله من مسؤولية بالانتباه إلى من يؤلهونه ويذكرونه في أشعارهم وأمادحهم 9 وكأنهم يصنعون صنما يعبد من دون الله، وهي أعطاب خطيرة تتهدد كيان الأمة: “أعطاب التقديس والتأليه والتعصيم لأفعال وإنجازات البشر المكلفين القائمين على مناصب رعاية حقوق الأمة وقيادتها”  10 ثم العلماء الذين خفّ وزنهم بسبب استشراء الوهن في قلوبهم، ولا علاج لهم من ذلك إلا بوصفة نبوية تزكي قلوبهم حتى تصفو لذكر الله 11 وإنكار الظلم المسلط على الأمة بسبب سكوتهم.

 إن النصيحة عند الإمام للحكام لم تكن معارضة حكام واستعراض عضلات، بل كان همه صلاحهم لتصلح الرعية، يدلهم على الله ليكونوا نماذج يحتذى بها، لقد كان قاصدا التصحيح وليس الهدم والتعطيل، لذلك لم تتوقف نصيحته على حظ عاجل، وهذا الأمر ليس خاصا بالرسالتين فقط، بل بكل كتاباته، بما فيها وصيته الأخيرة التي سنقف على بعض درر نصيحتها، ومن ذلك وصيته:

 بمواصلة السير على المنهاج النبوي “المتصل سندا علما وعملا، تربية وتوفيقا… الكفيل بالفتحين، فتح بصيرة المؤمن السالك وفتح النصر” 12 فتسود العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، لكن لن يتأتى ذلك إلا بالصبر على اقتحام العقبة “في صناعة النموذج الموحد… في مقابل نموذج مادي نقيض” 13، ثم نبذ كل الولاءات إلا الولاء لله ورسوله والمؤمنين، وتحقيق موعود رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع هذا يحذرنا من الاغترار بكثرة عدد لا مدد له، أو الاغترار بالماضي التليد دون العمل بالحذو حذوه 14.

أوصى كذلك بالسلوك النبوي الجامع، السلوك الجهادي والذي من خصائصه اقتران العدل بالإحسان، اقتران البناء التربوي بالسعي الجهادي 15، وفي ذلك تأس برسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، وتدرب على التحقق بباقي الخصال العشر، وبرهان ذلك كله: بذل المال والنفس والوقت في طلب العلم النافع و“دخول المعمعة، واقتحام العقبة، ومخالطة المجتمع، وخوض غمار الجهاد والمجتمع مفتون سادر في خموله أو هيجانه… وحكام الجور في كيد يكيدون” 16، وتاج ذلك تزين خلق المسلم مظهرا ومخبرا عبر سويعات مزايلة “ضوضاء الناس وتشعث أخلاق الناس وأفكار الناس، وحديث الناس وإعلام الناس ولهو الناس وعبث الناس”  17

ولعلنا إذا رجعنا إلى وصيته وجدنا نصائح كثيرة، يصعب الإلمام بها في هذه الوريقات، لذلك أدعو نفسي وأدعوكم إلى إعادة قراءتها أو الاستماع اليها.


[1] انظر وحدة الأمة في فكر الإمام عبد السلام ياسين، مجموعة من الباحثين، ط: 1/2015، ص: 7، أفريقيا الشرق.
[2] الإسلام أو الطوفان، مذكرة إلى من يهمه الأمر.
[3] ياسين عبد السلام، الإسلام أو الطوفان، ص: 31.
[4] طه، آية: 20.
[5] يس، الآية: 13.
[6] الفرقان، آية: 28.
[7] ياسين عبد السلام، الإسلام أو الطوفان، ص: 31.
[8] ياسين عبد السلام، مقدمة المؤلف، الإسلام أو الطوفان، ص: 31.
[9] ياسين عبد السلام، الإسلام أو الطوفان، ص: 73.
[10] انظر وحدة الأمة في فكر الإمام عبد السلام ياسين، مجموعة من الباحثين، ط: 1/2015، ص: 6، أفريقيا الشرق.
[11] ياسين عبد السلام، الإسلام أو الطوفان.
[12] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ص:372.
[13] انظر وحدة الأمة في فكر الإمام عبد السلام ياسين، مجموعة من الباحثين، ط: 1/2015، ص: 6، أفريقيا الشرق.
[14] انظر وحدة الأمة في فكر الإمام عبد السلام ياسين، مجموعة من الباحثين، ط: 1/2015، ص: 341، أفريقيا الشرق.
[15] انظر وحدة الأمة في فكر الإمام عبد السلام ياسين، مجموعة من الباحثين، ط: 1/2015، ص: 30، أفريقيا الشرق.
[16] عبد السلام ياسين، نظرات في الفقه والتاريخ، ص: 50.
[17] عبد السلام ياسين، وصيتي، ص:21.