جرت العادة في السياسة في هذا البلد، كما في البلاد الأخرى، أن يفتتح الموسم بما بات يعرف بـ”الدخول السياسي”؛ وهو لحظة تستفتح بسلسلة من “إحماءات” عدد من المؤسسات، قبل أن يلقي الملك خطابه الافتتاحي للسنة التشريعية أمام البرلمان، وهو الخطاب النافذ الذي يرسم المعالم.

وجرت العادة في السياسة أيضا، ولكن في البلاد الديمقراطية، أن يكون هذا الدخول جوابا من الدولة عن تطلعات المجتمع، وتفاعلا من الساسة مع حاجات المواطنين، وتنزيلا واستكمالا للسياسات والمشاريع والبرامج التي تعود بالنفع على الإنسان والعمران، وتعضد حكامة المؤسسات وتنمية الوطن ورقي الأفراد.

ولأننا، في المغرب، راكمنا العادة الأولى دون الثانية، فقد أصبح افتتاح السنة التشريعية والمالية والسياسية، ومنذ سنين طوال، يتسم بالبرود والجمود، ولا يحدث سوى الفراغ والوهم، ولا ينتج غير التسويف وإضاعة الزمن الثمين. أما الحديث عن تفاعل السياسة مع الاجتماع المغربي وتجاوب الساسة مع مطالب المواطنين وحاجاتهم، فذاك ضرب من المثالية المجنحة والأحلام البعيدة عن الواقع.

يتسم الراهن المغربي بغير قليل من الاحتقان، وبكثير من التوتر والانغلاق، ويتميز الظرف الحالي بتذمر فئات واسعة من الانحدار الذي بلغه الوطن، وتحذير متنام من التهاوي المريع الذي يمضي فيه نحو القاع.

هذه الموجة من السخط العارم التي يعبر عنها الكثير ويتلمّسها كل متتبّع ومتحرّق في زفرات الناس وآهاتهم، ليس مردّها فقط إلى واقعهم المعيشي الصعب وحياتهم التي أحالها تدبير النظام الحاكم إلى ضنك كالح، بل تتوقد نارها ويزداد أوارها أيضا من خلال نظرة الدولة إلى الإنسان المغربي وقيمته عندها ومكانته في عقيدتها، وهي النظرة والقيمة والمكانة التي تواترت الأحداث والوقائع التي تقول بلسان عربي مبين أن المغربي لا يساوي شيئا عند الحاكم المرفّه في “نعيم” السلطة والثروة.

أن يلقي الآلاف من الشباب المغربي بأنفسهم في عرض البحر والموت يتهددهم وإمكانية بلوغ الضفة الأخرى شبه مستحيلة، وأن تجد من بينهم نساء يحملن أطفالهن في رحلة تفتقد الحد الأدنى من الأمان، بل أن يبلغ ضيق العيش برب أسرة أن يحمل معه أطفاله وزوجه في قارب تتقاذفه الأمواج وكأنه يفر من حالة الحرب والموت المحتم… لهي صافرة التنبيه أن قد بلغ السيل الزبى وأنّ الوقت قد نفد.

وأن يكون جواب السلطة، المغيّبة تحت مخدّر وهم “الاستقرار” و”الاستثناء”، هو الرمي بالرصاص والقتل في البر (فضيلة عكيوي) والبحر (حياة بلقاسم)، وأن يكون الجواب هو الترحيل القسري لآلاف المغاربة عن سكنهم في دور الصفيح – المفتقد أصلا لشروط السكن – إلى العراء دون إعداد البديل المناسب… فهو الإنذار الأخير قبل الفوت، والمؤشر الصريح أنّ هذا هو نظام الحكم وأن هذه هي طبيعته التسلطية التي لا فكاك معها إلا بالتغيير الحقيقي.

إن أحد أهم المؤشرات التي بقدر ما تعكس حقيقة الوعي المتنامي تُوسّع الهوة أكثر بين مجتمع طامح لانتزاع حريته وكرامته ونظام مستبد يأبى التخلي عن عناده، هو التصريحات العفوية الكثيرة لشباب وشابات ورجال ونساء من قعر هذا الوطن، عبروا فيها عن الغضب العارم والسخط المتزايد، ووجهوا فيها الخطاب مباشرة إلى المسؤول عن تدبير وإدارة البلد، وتجاوزوا “الدروع” التي يضعها نظام الحكم أمامه لتتلقى عنه الضربات والانتقادات ويُصدّر إليها المسؤوليات والإدانات.

إن الدينامية التي يعرفها الشعب المغربي اليوم، وتنخرط فيها فئات مجتمعية متعددة ومناطق مجالية واسعة، تجعل دخول هذه السنة اجتماعيا بامتياز، كما تجعل الاحتجاجات الشعبية مرشحة لمزيد من التوسع أمام الارتفاع المتزايد لمنسوب الوعي الشعبي بحقوقه وبدوره في فرض إرادته وتحرره من الخوف الذي سيّجه عقودا طوالا، وأمام تصلب مختلف أجهزة النظام في تقديم أي جواب ناجع وعملي عن المطالب المشروعة والعادلة للشعب، وحصر كل الأجوبة في المقاربة الأمنية التي لا تزيد الوضع إلا التهابا.