والشاهد الآخرُ على فشل السياسة التعليمية المغربية، وفشلِ الاقتصاد المغربي، وفشل المشروع الاجتماعي المغربي، هم اللاجئون مِن الإفلاس المغربي إلى بَرِّ أورُبا عبرَ البحر والبَرِّ على قَوارِبَ الموت، وهم أيضا اللاجئون إلى أوربا وكندا وأمريكا وكل فجٍّ عميق من النخبة الزبْدَة العالية المواهب.

لا يجد العاطل العادي الأمي أو المتَعلم في التعليم «البلدي» لقمة خبز فيخاطر بحياته في لُجَجِ البحر. ولا يجد الذكي المتفوق مكانا له في بلَدِهِ، فتحتضنه معاهد البحث العلومي في أوربا وأمريكا وكل فج عميق، وتهَبُه الأمان والاستقرار، وتُغدِق عليه الرواتب العالية.

في فرنسا وحدها مآت من النبغاء المغاربة الرفيعي التخصص، ومآت من أبناء الأمة المسلمة يحملون إلى الشباب الفرنسي رسالة العلوم والفنون في الجامعات، ويُحرزون لفرنْسا مكاسِب ثمينَةً في ميادين البحث العلومي. وفي العالَم نزيف فظيع لأدمغة أبناء الأمة. نحوُ مليون «رأسٍ» مفكر مبدع مبتكر من كلّ شعب عُرْبان وعُجْمان، وأمازيغَ هم والعرب في المحنة والغربة سِيَان.

إفلاس وشهود على إفلاس. ثم تعليم نخبَويُّ فرنكوفوني خاص، وأنجلوفوني ماهرٌ في الاصطفاء والامتصاص من حُسن حظ المغرب أن بقية من النزيف المفجع، من تقنوقراطيين ماهرين، لَم يغادروا المغرب. فهم ومعارفُهم وخبراتهم رَهن إشارة دولَةٍ محتاجةٍ لقيِّمين أكفاءٍ. هم عماد إدارتها، وهم محركو اقتصاد البلاد. إن كان الاقتصاد الحر في المغربِ يستغل كفاءاتهم ويُكافِئها، فالقابعون منهم في مستودعات الإدارة الرسمية آلاَفٌ تتقاذفهم مَوْجات الفساد الإداري، وتُهْمِلُهم المكتبية المغْبَرَّة، وتتخطاهم المحسوبية، وتنهك إرادتَهم ونزاهةَ بعضهم الرشوة.

إنه نهبٌ مُنظَّم لثروة اليوم والغد، ثروة العقول المبدعة المتدربة…

تابع تتمة كلام الإمام عبد السلام ياسين من كتاب “حوار مع صديقي أمازيغي” على موقع ياسين نت.