تطرق الأستاذ منير ركراكي، في الحلقة السابعة من برنامجه التربوي “يوم المؤمن وليلته” إلى عبادة الدعاء، مفتتحا بالقول إنه من “المجحف في حق الدعاء أن نعتبره عملا من الأعمال، بل هو عمل مرتبط بكل الأعمال، وهل أعمالنا إلا دعاء؟ نتحدث عن الدعاء الذي هو العبادة، وهل خلقنا إلا لأجل العبادة؟ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون.

وحث الداعية والمربي مستمعيه على الدعاء موضحا بعضا من أسراره المنيرة “إذا أردت أن تجعل لوجودك معنى فعليك بالدعاء الذي هو العبادة، والدعاء هو مخ العبادة، ولاحظوا أن خص رسول الله صلى الله عليه وسلم العبادة بهذه الصفة العظيمة، بهذا النعت الجميل الأصيل: مخ، والمخ رقيق وكذلك الدعاء ينبغي أن يكون رقيقا، وأيضا خفي وسط جمجمة مصون، وكذلك الدعاء ينبغي أن نصونه بأن نجعله سرا، ولأننا ندعو قريبا لا بعيدا، والدعاء لذيذ وكذلك المخ لذيذ، كما يقول أحد أولياء الله تعالى: اللهم منّ علينا بلذيذ مناجاتك، فمناجاة العبد مولاه فيها لذة”.

ونبه ركراكي لخطورة ترك الدعاء واصفا إياه بالمصيبة والفاجعة بقوله: “فإذا أُصِبنا في الدعاء وفجعنا فيه، فجعنا في العبادة وفي مخها”. موضحا عاقبته “يغضب الله على من لم يسأل؛ إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين، فلا ينبغي أن نستكبر عن عبادة الله سبحانه وتعالى، وعلينا أن نسأل الله عز وجل”.

وعن ألفاظ الأدعية المستحبة أوضح عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان أن “هناك نماذج من الدعاء؛ قرآنية ونبوية وربانية ندّت عن أولياء صالحين مصلحين، كل هذه الأدعية وخاصة القرآني منها والنبوي يجب أن نبتهلها وأن نغتنمها وأن نذوقها، وأن نعمل بها جميعها ولو لمرة واحدة عسى أن لا تفوتنا سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

وللأدعية أركان وأجنحة وأسباب وأوقات يستحب أن يوافقها حيث يكون عطاء الله الوهاب أكثر، في هذا يوضح ركراكي أن “هناك أزمنة وحالات وأمكنة يفضل الدعاء فيها الدعاء في غيرها، صفوة الأعمال لصفوة الأوقات، لهذا أفضل الدعاء ما كان في الثلث الأخير من الليل عندما ينزل ربنا كما يليق بجلال وجهه وعظيم شأنه فيسأل: هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من سائل فأعطيه؟ عند ذاك اعرض حاجتك على مولاك فأبواب السماء مفتحة لدعائك”. وأيضا “عند إفطار الصائم، وعند نزول المطر، ودعاء الوالدين، ودعاء الإمام العادل مستجاب”، و“الدعاء في وقت الاضطرار  أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله، حتى إن الدعاء في حال اضطرار أهل الصخرة فرج عنهم الصخرة، توسلوا بأعمال لهم دعاءً ففرج الله عنهم، فكل ما كان الإنسان في مشقة واضطرار كان دعاؤه صادرا عن قلب منكسر أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي”، لهذا كان دائما يذكرنا الحبيب المرشد رحمه الله بالأنين عند الدعاء، بأن نتبأس ونتقنع وأن ننكسر”.

وأشار ركراكي إلى أن “التملق للبشر هو شيء مرفوض منبوذ، ولكن التملق لرب البشر فشيء مقبول مطلوب”.

وفي هذا الباب أصل صاحب الإمام عبد السلام ياسين لدعاء الرابطة التي ما فتئ الإمام يوصي به وينهى عن تركه، قائلا: “دعاء الرابطة له أصل في كتاب الله سبحانه وتعالى يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ، وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا، وبذكر الصالحين تتنزل الرحمات كما قال أبو عيينة رحمه الله”.

وعد ركراكي بعضا من أسرار هذا الدعاء “دعاء الرابطة هو صلة تصلنا بالموكب النوراني من لدن آدم إلى قيام الساعة وهو ذكر للصالحين، وهو شكر، نشكر هؤلاء الذين قدموا إلينا خيرا كثيرا وأوصلوا لنا هذا الخير. دعاء الرابطة يجعلنا نستحضر سير الرجال ونلتمس بركاتهم، ودعاء الأخ لأخيه بظهر الغيب مستجاب، والملك يقول: ولك بالمثل. سئل أبو الدرداء هل الرجل في فراش نومه وهو يرقى إلى ربه قال نعم، قيل له: وكيف ذاك يا أبا الدرداء؟ قال: هو نائم وأخوه قائم يدعو له”.

وعن وقت هذا الدعاء وحال الفرد فيه بيّن ركراكي أنه “ينبغي أن نقوم به كاملا إن أتيح لنا وقت كاف واف لذلك، أو نجزأه، ونقوم به قياما أو قعودا أو على جنوبنا”.

واستدل بحال الصحابي الجليل خالد بن معدان حيث “تذكر ابنته أنه كان كلما آوى إلى فراشه ذكر من صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه، فيذكرهم واحدا واحدا بالاسم ويقول لهم:

أصلي وفصلي وإليهم يحن قلبي ** طال شوقي إليهم فعجل ربي قبضي إليك

وختم المتحدث حلقته بالتضرع إلى الله تعالى أن “يجعلنا من أهل الدعاء، وأن يجعل دعاءنا عبادة ومخ عبادة، وأن يجعلنا من المستغفرين، السائلين، الذاكرين، التائبين، الحامدين، الشاكرين، ممن جعل الدعاء رفيقا لهم في كل وقت وحين، والحمد لله رب العالمين”.