سواء أكنت مهاجرا سريا أم جهريا، وانتقلت من عالمك الافتراضي إلى واقعك المحبط لكل الأحلام، قد تفقد يوما ما بريق عينيك المنبعث منهما نور الأمل. رغم حصولك على شهادة عليا، قد يشبعونك ركلا أمام قبة البرلمان، حتى تنطفئ شمعة حلم حصولك على وظيفة وبناء أسرة شريفة.. وقد تشتعل شمعة حلم فوزك بسعادة ما!

سعادة ما وراء البحر المتوسط، لا يفصلك عنها إلا أربعة عشر كيلومترا.

مستضعف أنت أيها الحالم.. طالما تبادل البحر معك نظرات الشكوى، سحرك بهدوئه وجماله وعاتبك بأمواجه كلما هبت رياح (شرقي) طنجة القوية..

اللهم إني أسألك خيرها، وأعوذ بك من شرها.

كم تمنيتَ أن تكون ريحا مرسلة، أو نورسا يحلق في الأعالي، أو خشبة تطفو آمنة من هول أمواج البحر العاتية ! 
إنك أمام بحر تجلياته لا تثبت على حال: هائج معكر صفو الصيادين المسترزقين بما في بطنه من خيرات، وهادئ مبهج للمصطافين من سياح مستمتعين برمال شواطئه الذهبية.

مد وجزر، متقلب تقلب القلوب بين يدي الرحيم الغفار، آية التائبين المعتبرين بالليل والنهار، الباسط القابض، يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل. معان وأسرار حجبها هم الرزق والحكرة عن كل قلب معلق بالضفة الأخرى.

حدثتَ نفسك بالهجرة ثم عزمت وأقدمت مرابطا وسط غابة مطلة على البوغاز، مراقبا بعينيك الذابلتين مرور سفن الذهاب والإياب..

ميناء الجزيرة الخضراء تراه عن بعد كل يوم، ويجنح بك الخيال إلى مرحلة العبور وما بعد الوصول..  لا تنتظر منك أسرتك الفقيرة إلا مكالمة هاتفية: ماما.. الحمد لله، وصلت.. أنا بخير وعلى خير..

على مقربة من الشاطئ، بَحَّاٌر أسمر يرمي الشباك والأغلال متوكلا على الله يرجو قوت يومه، يعمل بنشاط لكنه بحيويته وحركاته يقطع عليك الاسترسال في رؤية أفق سعادتك في عالم خيالك، تعرفت عليه وعلى مسكنه وتفاصيل حياته، حتى أصبح البحّار جرسا منبها يوقظك من تسلط أوهامك، إلى أن عاتبت نفسك:

يا هذا! اعتبر بالبَحّار الأسمر، رغم تقدمه في السن، وكثرة تجاعيد وجهه، وشيب شعر رأسه، مجتهد مثابر في عمله، ألا ينبئك ذلك بشرف همته رغم معاناته؟

حسب ما توصلت إليه لحد الآن من معلومات: رفض استعمال مركبه الصغير في الاتجار في البشر ومخدرات الحرام، ومشاركة أباطرة جنح الظلام، وآثر شد الحبال ليكون في خدمة العيال قانعا بالصيد الحلال، راجيا رحمة ذي الجلال.

بين قلة ذات يد الصياد الأسمر، والمال الوفير، شعرة رفيعة فصلت خواطر نفسه الأمارة بالسوء، المساومة المخاتلة، عن صفاء فطرته ونقاء سريرته.

مغالبا المستهزئين بكرامته بدعائه:

يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك.

فشلوا في احتوائه بالدخول تحت جناحهم ودفئ كنفهم، يئست شماتتهم من حال بحار غريب، آثر آخرته على دنياه. يحرج غيره من البحارين بإقامة الحجة عليهم، برباطة جأشه، وحرصه على لقمة الحلال. حاله يتمثل في قول الشاعر الصامد:

وتجلدي للشامتين أريهـــــــم***أني لريب الدهر لا أتضعضع

أيقظ البحار ضميرك المعاتب لك هنيهة، لكنك سرعان ما وليت وجهك نحو قبلتك هاتفا:

يا أندلس الأمس، أنت حلمي السعيد! 

لا أطيق عيش البحار الأسمر! كلما استرقت النظر إلى حاله سحرتني قناعته ورضاه بما كتب الله له، تعم، يعيش في كفاف وعفاف وغنى عن الناس! لكن، لا، لا، لا أظن ذلك !

بل يعيش فقرا مقنعا! ملابسه رثة، وكوخه صغير، وأبناؤه منقطعون عن الدراسة، وزوجه خادمة في البيوت، متجاهلة مرضها المزمن، محتضنة أسرتها الصغيرة خوفا من أن تعصف بها رياح الزمن، لا تملك من حياتها البئيسة إلا ذكريات قصة حبها الأول مع البحار الأسمر…

لا.. لا، لن أرضى العيش بأرض كرامة مواطنيها مفقودة، وحرية أبنائها مسلوبة، وعدالتها الاجتماعية موءودة..

يتبع…