كتبت سابقا بأن عَمْراً قد شب عن الطوق، وأن الغضب الفلسطيني مثله مثل غضب الشعوب المستضعفة المتكالب عليها يتراكم يوما بعد يوم حسب حدة الجغرافية وشدة الحصار الصهيوني ونوعية النفوس ووصول مداها الغضبي إلى أن تلتئم حلقات الثورة والمقاومة الشعبية الفلسطينية جغرافيا واستراتيجيا، ويشتد عودها وغضبها الذي سيصدم أرباب صفقة القرن ويوجه صفعة تاريخية قد تقلب تقديرات وحسابات المؤسسات المخططة الاستكبارية والمراكز الصهيونية الفكرية والبحثية.

إنما هي مسالة وقت لا غير دون فقدان للأمل أو اصطفاف إلى جنب عقلية دروشة أو انتظار أو الانزواء إلى نظرة فاشلة يائسة أو أخرى متحمسة طائشة، بل هو مسار وخطوات المعركة ينبغي لها التريث والتدرج في الواجهة دون ركود ومثالب، فنحن اليوم في حرب استكبارية عالمية تريد إعادة صياغة الأمة والشعوب تركيزا على تصفية القضية المحورية وهي القضية الفلسطينية التي تعد معيار حياة الأمة وأملها.

أمام الوضع المزري الدكتاتوري الذي يطال الأمة والشعوب العربية والإسلامية بشكل منظم سواء أمن قبل دول خليجية تُنَفِّذُ حربا بالوكالة أو من قبل قوى الاحتلال الصهيوني والأمريكي والغربي، فإننا نفتح دائما زاوية وبوصلة جغرافية عقدية مقدسية حضارية بالمسجد الأقصى وكذا بغزة لتتقرر لنا مجموعة من الأسئلة:

هل الأمة موات وعدم، هل انتهت القضية الفلسطينية مع اصطفاف عربي جديد مع المشروع الصهيوني والاحتلال؟

هل هذا يعني أن العلو الاستكباري الصهيوني الأمريكي والعربي العالمي هَزَمَ قدسية وأمل وبوصلة الأمة ومحركها، وبالتالي هزم أقطار الأمة وشعوبها؟

أَمْ أن هُنَاكَ تَغْيِيرا مُسْتَقْبَلِيّا يُنْسَجُ فِي الْغَيْبِ لينتج ما هو غير متوقع في دراسات برنار لويس وتيودير هرتزل ومراكز موشي ديان وجامعات بني صهيون؟

هل أربكت الواجهات المقاوماتية المفتوحة مرة بعد مرة أو بشكل ممتد في وجه الاحتلال في فلسطين في غزة والخليل والقدس والضفة، هل أربكت المشروع الصهيوني حقا، خصوصا مع جود حراك خارجي في الأمة والدول الأجنبية لمقاطعة الكيان الصهيوني ومحاربة التطبيع؟

للتوضيح وتقويم مرحلة صعبة من المواجهة ضد أرباب صفقة القرن والاستكبار الصهيوني والأمريكي والعربي نفتح بين أيديكم واجهتين من أهم الواجهات ضد المشروع الصهيوني والْمُرْبِكَةُ له في فلسطين، انطلاقا من غزة إلى الخليل المباركة، دون أن نغفل واجهات أخرى سنتحدث عنها مستقبلا مفتوحة أو ستتفتح.
واجهة غزة

رغم التكالبات والصفقات على الأمة تخريبا وتفتيتا للمفتت وبالرغم مما تواجهه القضية الفلسطينية تطبيعا وتنسيقا وتصفية غير مسبوقة، فإننا نفتح الواجهة من جديد من غزة، فإذا نحن نشهد تاريخا جديدا من صناعة سنة الله سماء وقدرا، ومن صناعة ونتاج زمرة درغام الأسد ورزان النجار وفادي أبو صلاح ميدانا وأرضا.

حين نفتح نافذة الميدان والأرض في غزة نلخص إلى أن الحراك الغزي من خلال مسيرات العودة اليوم يُؤَصِّلُ لِمُقَاوَمَةٍ غير مسبوقة ويعيد موازين القوى في الأرض رغم قرن وسنين من جهود صهيونية وعربية وغربية لتدجين الشعوب العربية والإسلامية والشعب الفلسطيني، لصناعة عقلية جديدة قابلة للتطبيع والاحتلال.

 لم أود الاستطراد في واجهة غزة فقد تحدث في كم من مقال ودراسة عن شأن هذا الحراك الذي سيثمر قريبا ويحقق نتائج على الميدان رغم معاول هدم انتصارات الشعب الفلسطيني من الداخل والخارج، وإنما أريد التركيز على واجهات خارج غزة خصوصا حلقة المقاومة الشعبية بالخليل وعملية الشهيد خليل يوسف رحمه الله.

واجهة خارج غزة، الخليل نموذجا

 ومن غزة إلى الخليل المباركة، نفتح واجهة المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الصهيوني، فإذا بنا نصدم بسنوات من التنسيق الوطني الفلسطيني الصهيوني التي وصلت إلى 99 في المائة تتحطم وتتكسر قواعدها وجهودها وجذورها بعملية مقاومة شعبية مدققة من قبل الشاب خليل يوسف جبارين (صاحب 17 سنة) الذي أكمل مسار المقاومة الشعبية خارج غزة. لتوصل العملية الناجحة التي توازي عشر مسيرات الشعب الفلسطيني عدة رسائل ودلالات:

 دلالات عملية الخليل

– عملية الخليل لم توجه صفعة فقط لوجه حكومة الاحتلال والكيان الصهيوني، بل ضربت المشروع الصهيوني في العمق، والذي راهن على نجاح مائة سنة من تركيع وحصار للشعب الفلسطيني، فإذا به يصدم بجيل يتبع الموضة والعالم المنفتح لكنه مُؤصل العقيدة، قوي الشكيمة، شديد الإرادة والمراس، رفيع الإبداع في مقاومته ومرحلته الشبابية.

– عملية خليل يوسف تُبْطِلُ عقودا من التنسيق والتطبيع وتربك صفقة القرن التي راهنت على غياب أي رد فعل قوي من الشعب الفلسطيني.

عملية خليل يوسف أربكت الدراسات والبحوث الصهيونية التي قَدَّرَتْ أَنَّ سنوَاتٍ من جهود التنسيق العربي والفلسطيني الصهيوني والأمريكي سَتُثْمِرُ جِيلًا ضَعِيفا فارغا من كل ذاكرة أو إرادة قوية، بل وراهنت الصفقة وغيرها حتى على إنتاج إرادة شعوب عربية وإسلامية وأجنبية ضعيفة في نصرة القضية الفلسطينية، لكن الدراسات فشلت في الحساب والرصد والتقدير، ومراكزهم أربكت بسبب تقدير العزيز العليم مسبب الأسباب، وتقدير أمة الأسباب، وإرادات الشباب، سواء الغزي والفلسطيني والخليلي والمقدسي ومن الأمة والعالمين.

– عملية الخليل كانت العنصر المفقود في حلقة المقاومة والحراك، فلطالما كانت هناك حلقة جوهرية اسمها المقاومة تقوم على مبدإ أن الحق ثمنه الصمود والمقاومة، لكن مع تصاعد وتيرة الاصطفاف الصهيوني والأمريكي والعربي ضد الشعب، ومع تزايد حصار الشعب الفلسطيني والأمة ومع تصعيد الحصار خصوصا على غزة وارتفاع نسبة الشهداء ظن البعض أن المقاومة الشعبية ستبقى محصورة في بقعة اسمها غزة، وأنه كلما زاد حصار هذه المنطقة وزاد الأمن التنسيقي العباسي الصهيوني في الضفة سينتهي التفكير في انتشار المقاومة الشعبية وتعميمها خارج غزة.

هكذا ظنت العقول المنظرة في الكيان الصهيوني، بل ومنذ مسيرات العودة ظنت بعض العقول الفلسطينية والعربية المناصرة للقضية استحالة ظهور مقاومة شعبية خارج غزة لتصاعد الحصار وتشديد الخناق الداخلي.

 لكن بقدرة القادر كان العكس، إذ ترتبط حلقات المقاومة وتتراكم يوما بعد يوم.

لذلك قلنا إن عملية خليل يوسف جبارين تعد بمثابة حلقة مفقودة كانت تنتظرها المقاومة الشعبية في فلسطين عموما، والحراك في غزة خصوصا، لتبرهن العملية أن الحراك في غزة لن يبقى وحيدا، وأن المقاومة الشعبية (ونعني بها المسلحة وغير المسلحة) ستستكمل يوما قوتها بالتحاق حلقاتها المفقودة من ربوع فلسطين ولو بعد حين.

إنما هو تراكم للغضب يصنع إلى أن ترتبط حلقاته فتشتد قوتها.

ونقول لخليل يوسف جبارين، شكرا لك لأنك ربطت الخليل بغزة عبر حلقة المقاومة وقلت بنفس واحد: فادي ورزان وخليل جبارين، كلنا فلسطين.