لقد شملت هذه الإجراءات مناح متعددة من جوانب المنظومة التربوية المغربية تشمل مجال ضبط السياسات العمومية الموجهة للعمل الحكومي والفاعل التربوي، وكذا مستويات تمس البنيات الهيكلية المؤسسة وطرائق ولوجها وسبل التجسير بينها، كما تمس الأطر المرجعية التي سوف تحكم العلاقات التربوية، والشروط النظامية لولوج المهنة، والإجراءات المنظمة للحكامة وللتمويل وللقضية اللغوية. وغير ذلك كثير. بيد أن المتابع للشأن التعليمي سيلحظ أن أهم الجوانب التي أثارت ردود فعل مختلفة لم ترق لتكون نقاشا مجتمعيا هي ما تطرق إليه مشروع القانون هذا على مستوى مادته الخامسة والأربعين (45) والتي تقر بإلغاء مجانية التعليم في المستويات الجامعية والثانوية التأهيلية.

وستحاول الفقرات أدناه أن تعرض لجملة القضايا والإشكالات التي يطرحها هذا المشروع عبر معالجة أربع قضايا عامة نعرضها كالتالي:

رابعا-قضايا وإشكالات: وهاجس الاستجابة للإملاءات الأجنبية:

1.      القضية اللغوية:

يتم الانطلاق في هذا المشروع من مستجدات الرؤية الاستراتيجية التي أقرت اعتماد “التعددية والتناوب اللغوي” ليتم تعريف التناوب اللغوي باعتباره “مقاربة بيداغوجية” و”اختيارا تربويا” وآلية تستعمل في مجال التعليم المزدوج أو المتعدد اللغات. وقد وضع لهذا التناوب اللغوي هدف يرمي إلى تنويع لغات التدريس من خلال برمجة بعض المضامين الدراسية أو بعضا من المجزوءات في بعض المواد باللغات الأجنبية، كل هذا من أجل غاية تتطلع إلى “تحسين التحصيل الدراسي” فيها. 1

وبغض النظر عن إشكالات المقاربة البيداغوجية والاختيارات التربوية نرى أن القضية اللغوية في أي منظومة تربوية اختيار سياسي أولا يعكس الوضع الاعتباري للغة ما ضمن صدارة الاختيارات المجتمعية الكبرى بالضرورة.

إن الانتقال من الازدواجية اللغوية إلى التعدد اللغوي من دون تقييم علمي فيه استمرار واضح في الارتجال في مقاربة مدخل رئيس من مداخل النهضة التعليمية التربوية الحقيقية والذي هو المدخل اللغوي عبر التعامل الذي يتم فيه إما بمنهج الترضية لتيارات ما، أو بنهج الخضوع لإملاءات التيار الفرنكفوني المتنفذ تحت دعاوى الانفتاح والتواصل التي تتحول بفعل الضياع اللغوي الناجم أساسا عن ضياع وضلال الاختيار الموائم للهوية المجتمعية إلى هواجس الرغبة في التنصل من سلطة إكليشيهات التهم الإعلامية الضاغطة بالإرهاب والتطرف مسايرة للتيار العولمي وانخراطا في حربه المزعومة على الكراهية  والعنف.

واقع الحال يكشف أن التغني بالتعدد اللغوي، وباللغات الأكثر تداولا إنما يقتصر على تقوية الوضع العام للغة الفرنسية في المنظومة المجتمعية عموما والتربوية خصوصا، يدل على ذلك أن التوسيع العام للمسالك الدولية إنما انصب على الاختيارات الفرنسية خصوصا بعد انسداد أفق الاختيار الإنجليزي لما لم يجد خريجوه موضع قدم داخل التعليم العالي. واقع الحال أيضا يكشف أن القول إن التدريس سيشمل بعض المضامين أو بعضا المجزوءات فقط باللغات الأجنبية غير دقيق في الحقيقة بحكم أنه تم إقرار تدريس مواد كلها جملة وتفصيلا وباللغة الفرنسية تحديدا وتم فرض ذلك في مستويات مختلفة بدأت تشمل حتى فتح مسلك دولي في الثانوي الإعدادي. طبعا لن نتحدث عن ظروف التنزيل من حيث توفير الشروط التربوية والبيداغوجية وتوفير الأطر والكتب والبرامج، وهي عناصر بدونها يكون الحديث عن التنويع اللغوي او التناوب مجرد شعارات للاستهلاك السياسوي وبوابة لتسول المعونات الدولية والمنح المالية.

ثم إن الرهان على التعدد اللغوي سبيلا لتطوير التحصيل وتحسينه على ما فيه من غمز ولمز للغة العربية من حيث إلقاء اللائمة عليها من طرف خفي أو جلي بسبب الوضع المتردي الكارثي للتعلمات المختلفة، هذا الرهان يغفل أيضا مسؤولية التعقد الكبير للوضع التعليمي بالمغرب نتيجة شروط بنيوية عميقة ربما لا تكون الأبعاد التربوية الصرفة فيها ذات تأثير مهم جدا بحكم أنه لا تعوز منظومتنا التربوية المقاربات والتنظيرات والنصوص والمشاريع والأطروحات إنما يعوز منظومتنا هذه المشروع المجتمعي الملائم والإرادة السياسية البانية.

في الباب المرتبط بمبادئ المنظومة وأهدافها ووظائفها خاصة في المادة الثالثة، سيحدد لهذا الاختيار اللغوي هدف تمكين المتعلمين من إتقان اللغة العربية، ثم الأمازيغية واللغات الأكثر تداولا. وسيتم الحديث عن هندسة لغوية لغرض تحقيق كفايات تواصلية واستراتيجية ذاتية مرتبطة بالانفتاح على مختلف الثقافات وبتحقيق النجاح الدراسي المطلوب.

 تقدم لنا المادة 28 من هذا المشروع معنى الهندسة اللغوية في تحديدها لعناصر السياسة اللغوية المنتهجة في مختلف مستويات مكونات المنظومة التربوية والتعليمية والتكوينية والبحثية العلمية، وذلك عبر الاستناد على البعد الوظيفي للغة في مجالات أربع: 2

1.      المجال الهوياتي الذي يقصد ترسيخ الهوية الوطنية؛

2.      المجال الكفائي ويستهدف إكساب المعارف والكفايات المختلفة؛

3.      مجال الانفتاح على المحيط الوطني والكوني؛

4.      مجال الاندماج الاقتصادي والقيمي والسوسيوثقافي.

من أجل إقرار اللغة العربية لغة أساسية للتدريس مع تطوير اللغة الأمازيغية، وتمكين المتعلم المغربي من إتقانهما باعتبارها اللغتين الرسميتين في سن مبكرة، والتوجه نحو تعدد لغوي يتم به بنوع من التدرج والتوازن اعتماد تدريس مضامين ومجزوءات بعض المواد بلغة أو بلغات أجنبية.

ستقدم المادة 29 من هذا المشروع جملة من الإجراءات التنفيذية التي تم التأكيد على مسؤولية الحكومة على اعتمادها من خلال مجموعة من المبادئ تشمل الجوانب الأربع التالية: 3

الجانب البيداغوجي على مستويي المناهج والبرامج مراجعة، وعلى مستوى المقاربات والآليات الديداكتيكية تجديدا، سواء تعلق الأمر بتدريس العربية أم باللغات الأجنبية الأخرى؛
وضع الأمازيغية تهيئة على المستوى اللسني والبيداغوجي، وتعميما على كل مستويات التعليم المدرسي؛
مستوى التعليم الجامعي العالي على مستوى الاختيارات اللغوية تنويعا في المسالك والتخصصات، وعلى مستوى إيجاد مسارات للتكوين بالعربية والفرنسية والإنجليزية والإسبانية حسب المتاح والممكن؛
جانب التكوين بفتح استعمال اللغة الإنجليزية في التكوين المهني والاعتناء بإكساب الكفايات اللغوية المتعددة لأطر التدريس والتكوين.
على الرغم مما قد يبدو في المشروع وعيا ببعد “الهوية” في اللغة يأبى المشرع التربوي إلا تعويم القضية اللغوية في أنساق مختلفة المشارب والخلفيات الفلسفية، وتزيد الإجراءات المراد اعتماداها والمعتمدة أصلا في تداخل وتمازج هذا البعد وتشاكس جدلية المحلي والكوني فيه من هذا التعويم نتيجة عدم القدرة أو عدم الرغبة في الحسم في الاختيار اللغوي والتمييز الوظيفي بين لغة التدريس واللغات المدرسة نتيجة الارتهان لأجندة السياسي فيها أقوى تسلطا على العناصر التربوية.

سيسجل الباحث الخبط العشواء من الناحية العلمية في السعي لإلزام المتعلم وهو في سن مبكرة بحشو دماغه بلغات مختلفة البنى اللسانية والبصرية والتركيبية، بل والمختلفة وظائف مجتمعية حضارية، والمتفاوتة وضعا اعتباريا من الناحية العائد العلمي والاقتصادي والتربوي. ألا تراهن الرؤية الاستراتيجية على تعليم الطفل المغربي لغات متعددة منذ السنة الأولى من الابتدائي؟!!

كما سيلحظ الباحث الخلط والتناقض بين الحديث عن اللغة العربية لغة أساسية للتدريس (ص22) وبين الحديث عن التنويع اللغوي، ودع عنك الواقع الذي لا يرى فيه إلا تسابقا محموما نحو فرنسة المواد العلمية في المستوى الثانوي الإعدادي والتأهيلي على نحو متسرع ومرتجل ليبقى الحديث عن اللغة العربية وتطويرها من باب الزينة المؤثثة التي لا بد منها.

 


[1] مشروع قانون الإطار ص: 4.
[2] نفسه، ص: 21 وما بعدها.
[3] نفسه، ص 23.