شكل تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي السنوي لسنة 2017، الذي صدر نهاية الأسبوع الماضي، اعترافا مباشرا وواضحا بفشل سياسات الدولة المتبعة في مختلف المجالات، حيث عد التقرير مكامن الخلل وعوامل العرقلة، وأوضح قصور السياسات عن بلوغ الأهداف التي رسمت لها، بشكل تكرر مؤخرا في عدد من التقارير، على غير ما كان معهودا في فترات سابقة، حيث كانت التقارير غالبا ما تجنح نحو تثمين نتائج السياسات المتبعة من طرف الدولة وإظهار الإيجابيات والتغطية على السلبيات.

في قراءة أولية سنسوق أمثلة للتعابير التي استعملها التقرير في ديباجته للدلالة على الحالة العامة للدولة في مجموعة من المجالات. فعلـى المسـتوى الوطنـي، كشف التقرير أن سنة 2017 تميـزت “بتأخـر مسلسل تشكيل الحكومة، والمصادقة المتأخرة على قانون المالية، فضلا عن توتر المناخ الاجتماعي الذي تجلى فـي المظاهرات التي عرفتها بعض المناطق مـن البلاد“.

وبخصـوص السـياق الاقتصـادي، اعترف التقرير أن النشـاط الاقتصـادي خـلال سـنة 2017 عرف “انتعاشـا ملموسـا مقارنـة مـع الأداء الضعيـف الـذي اتسـمت بـه السـنة الماضيـة. غير أن هذا التحسن يظـل تحسـنا ظرفيـا، بالنظــر إلـى أن الاقتصــاد الوطنــي لا يـزال يعاني مــن العديـد مــن أوجـه القصـور البنيويــة التي ينبغي معالجتهـا“، وأضاف أن “ديناميـة الاقتصـاد الوطنـي فقـدت خـلال السـنوات السـبع الأخيـرة زخمهـا، علـى اعتبـار أنهـا لـم تسـتطع الحفـاظ علـى مسـتوى مرتفـع مـن النمـو. وتطـرح هــذه الوضعيــة جملــة مــن التســاؤلات بخصــوص نمــوذج النمــو الحالــي الــذي يــزال يعانــي مــن العديــد مــن أوجــه القصـور التـي تعيـق قدرتـه علـى خلـق الثـروة“.

وفـي مـا يتعلـق بمنـاخ الأعمـال خـلال نفس السنة، لفت التقرير إلى “تراجع المغرب برتبة واحدة في تصنيف مؤشر التنافسية الذي يعتمده المنتدى الاقتصادي العالمي (الرتبة 71)، وفي تصنيف مؤشر ممارسة الأعمال (الرتبة 69)”، وأحصى 5 عوامل شكلت العراقيل الرئيسة التي حالت دون تحسين مناخ الأعمال بالمغرب، ليخلص التقرير إلى أن استمرار هذه العوامل المعرقلة يضع “مسـألة فعاليـة الإصلاحـات المتعـددة التـي تـم إنجازهـا إلـى حـد الآن موضـع التسـاؤل، كمـا أنـه يكشـف عـن البـطء المسـجل فـي تنفيـذ سياسـات النهـوض بمنـاخ الأعمـال وتحسـين أداء المرفـق العـام“.

وفي تجلي هذه النتائج السلبية على الحالة الاجتماعية للمواطن المغربي، جاهر ذات التقرير أنه “بخصـوص قـدرة المجـالات الترابيـة علـى مقاومـة الصدمـات الاقتصاديـة، كشـفت الاحتجاجـات التـي شـهدتها بعـض أقاليـم المملكـة هـذه السـنة كجـرادة، والتـي كان مـن بيـن أسـبابها نقـص فـرص الشـغل اللائـق ومـوارِد الدخل المسـتقرة، محدودية نمـاذج التنميـة القائمـة فـي بعـض المجـالات الترابيـة والمعتمـدة علـى مـورد طبيعـي واحـد أو التـي تتوفـر علـى بنيـة إنتاجيـة غيـر متنوعـة بالقـدر الكافـي”.

وعلى مستوى الجوانب المتعلقة بالإدماج الاقتصادي أوضح التقرير أنه “باستثناء قطاع الفلاحة، فإن القطاعات الرئيسية الأخرى أحدثت عددا أقل من مناصب الشغل مقارنة بسنة 2016″، معلنا أن هذه التطورات تؤكـد “أن نمـوذج النمـو الوطنـي أضحـى أقـل إدماجـا مـن خـلال التشـغيل، سـيما أن نسـبة كبيـرة مـن المناصـب الُمحَدثـة تتعلـق بوظائــف تتطلــب مؤهلات بســيطة وبوظائــف غيــر مســتقرة، وبالتالــي لا يمكنهــا أن تشــكل رافعــة حقيقيــة للارتقــاء الاجتماعــي.. مـن جهـة أخـرى، لا يـزال الشـباب يعانـون مـن صعوبـات كبيـرة فـي الحصـول علـى منصـب شـغل“.

هو غيض من فيض تعابير، لم تخل منها فقرة من فقرات ديباجة التقرير، ترسم صورا قاتمة للأوضاع بالمغرب، وتعترف صراحة بما يتداوله الباحثون والنشطاء من قصور يعتري مختلف المجالات، ويعترف بالتالي للمواطن بالأسباب التي تدفعه للاحتجاج من أجل المطالبة بحقوقه، ويمنحه مشروعية ذلك.

غير أن ما لا تخطئه عين القارئ العادي لأول وهلة هو اختلاف هذا الخطاب عن سابقيه، وهو ما يجعله محاطا بهالة من الأسئلة حول دوافع هذا التغير في الخطاب، فهل يا ترى يئس النظام من تسويق الوهم للناس وأدرك أخيرا أن خطاب التجميل لم يعد مجديا؟ أم هي تلك اللعبة القديمة/الجديدة التي تقضي بإلصاق كل السلبيات في مؤسسات يعرف القاصي والداني أنها صورية، وأن الذي يحكم يتربع فوق هذه المؤسسات ولا يملك أحد سلطة مساءلته، ناهيك عن محاسبته، وأن هذه المؤسسات ما هي إلا أدوات تنفيذية؟ أم هي سياسة جديدة تقتضي إشراك المسؤولين عن الأزمات في التشكي منها ليظهروا بمظهر الواعي بمشاكل المواطن، الذي يشاركه الإحساس بها، وأنهم يعملون بصدق لتجاوزها، في محاولة لامتصاص غضبهم وتحويل نظرهم عن أساس المشكل وعمقه؟..

قد يكون هذا، وقد يكون ذاك، وقد يكون الأمر خليطا بين هذا وذاك، وقد تكون هناك أسباب أخرى لا يعرفها سوى مهندسو هذه السياسات والقائمون عليها، غير أن ما ينبغي إدراكه أن مفعول هذه اللعبة قد أبطل منذ زمان، وأقله خلال سبع سنوات الماضية، حيث لم يعد مقبولا الإعلان المتوالي للفشل وتعداد مظاهره دون التفعيل الحقيقي والواقعي لمبدإ المحاسبة، ليس فقط محاسبة المنفذين، أو في أحسن الأحوال بعض الشركاء، وإنما محاسبة الفاعلين الرئيسيين.

ولعل واضعي التقرير، ومن ورائهم مؤسسات الدولة الرسمية التي يمثلونها، سقطوا في تناقض صارخ عندما منحوا أنفسهم حق انتقاد السياسات العمومية للدولة، وإبراز  عثراتها، في حين أنهم لا يقبلون من الباحثين والفاعلين المجتمعيين نفس الفعل، بل ويذهبون لإطلاق مجموعة من الأوصاف القدحية عليهم؛ من قبيل العدمية والسوداوية.