قدم الأستاذ عز الدين صامبا لهذه الحلقة من برنامج “أهل القرآن”، الذي تبثه قناة الشاهد الإلكترونية، بقوله إنها “جلسة تتكلم عن المدرسة النبوية في التعليم والتزكية، وعن النموذج الفريد التي صاغته هذه التربية وخرجته مدرسة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي هو جيل الصحابة”. وأضاف موضحا الغاية منها “نحب إن شاء الله أن نقف مع ألوان تأثير القرآن في النفوس، ولا ننسى أيضا عرض تأثيره على كفار قريش، لنبين أن الإنسان عندما يسمع القرآن بقلب حاضر  سيكون له أثر بليغ، والذي يستمع له وفيه عناد وتكبر فالأكيد أنه لن يزيده إلا رجسا على رجسه فيموت وهو كافر”.

وعرض مقدم البرنامج أول مثال؛ وهو “مثال سيدنا أبا بكر الذي ارتضاه الله عز وجل صاحبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في هجرته، وأن يكون خليفته، وأن يكون صاحبه في سيره. كان سيدنا أبو بكر رضي الله تعالى عنه ينفق على صحابي اسمه مسطح، وكان ابن خالته، تكلم مسطح في أمنا عائشة رضي الله تعالى عنها، إضافة إلى بعض الصحابة.. فبرأها الله عز وجل. حزن سيدنا أبا بكر لأنه ربى هذا الصحابي مذ كان ابن أربع سنوات وأنفق عليه وأكرمه وواساه، فبعَث أبو بكرٍ إلى مِسْطَحِ بنِ أُثاثةَ، فقال: أخبِرْني عنك وأنت ابنُ خالتي ما حمَلك على ما قلْتَ في عائشةَ؟ أمَّا حسَّانُ فرجلٌ مِنَ الأنصارِ ليس مِن قَومي، وأما حَمْنةُ فامرأةٌ ضعيفةٌ لا عَقْلَ لها، وأمَّا عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ فمنافقٌ، وأنت في عيالي منذُ مات أبوك وأنت ابنُ أربعِ حِجَجٍ، وأنا أُنفِقُ عليك وأكسوك حتَّى بلَغْتَ ما قطَعْتُ عنك نفقةً إلى يومي هذا، واللهِ إنَّك لرجلٌ لا وصَلْتُك بدراهمَ أبدًا ولا عطَفْتُ عليك بخيرٍ أبدًا، ثمَّ طرَده أبو بكرٍ وأخرَجه مِن منزلِه فنزَل القرآن وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ، فبكى أبو بكرٍ فقال: أحب أن يغفر الله لي، ثم قال أمَا قد نزَل القرآنُ فيك لأُضاعِفَنَّ لك النَّفقةَ وقد غفَرْتُ لك”، واسترسل مستنبطا “كان سيدنا أبا بكر وقّافا، وأحب أن يغفر الله له فقال: “أحب أن يغفر الله لي” فضاعف النفقة لمسطح وغفر له”.

أما الحالة الثانية التي تناولها الأستاذ صمبا فهي “حالة ملإ قريش، ومنهم أبا سفيان وأبا جهل والأخنس.. كانوا يختلفون إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سرا يستمعون لتلاوته القرآن، وكان كل منهم يأخذ مكانا لا يراه الآخر، حتى إذا جاء الفجر وقفلوا راجعين التقوا فيتلاومون، فيقول أحدهم: لو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا، بمعنى أنه لو رآكم بعض الناس قد يتأثرون ويسعون لسماع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لذلك فهم كانوا يفعلون ما وصفه الله سبحانه وتعالى في القرآن: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ.

وخلص صامبا إلى أن “هناك نماذج تستمع للقرآن وتتأثر، وهناك نماذج أخرى تستمع للقرآن ولا تتأثر”، ليتساءل: “ما الذي يجعل الفئة الأولى تتأثر؟” ويستخلص الجواب من قول الله عز وجل: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ قائلا: “تنزل الآية فتزيد الإنسان إيمانا فيستبشر لأن قلبه مملوء بالإيمان، أما الآخر وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ، منعهم العناد والتكبر”.

وأضاف منبها “التكبر آفة تجعل الإنسان مقطوعا عن الاستفادة من كتاب الله عز وجل ومن أنواره، مقطوعا عن الاستفادة حينما يجلس إلى الآيات”. وأضاف دالا على منبع الخير كله “لذلك نرجع إلى هذه المدرسة النبوية التي ركزت على الأساس الذي هو القلب، حتى إذا استمعنا لكلام الله تأثرنا”.

ولزيادة البيان استدعى المتكلم وصف الله تعالى الجن بقوله: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا ۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ، مبينا أنه “لمجرد الإنصات والحضور أسرعوا لإنذار قومهم، وهذا يبين أنهم وعوا مضمون كلام الله عز وجل فرجعوا إلى أقوامهم ليقولوا لهم: قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ، يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ، فسبقت دعوتهم إلى الاستجابة إلى الله تعالى استجابتهم هم له”.

وأكد صامبا، في الأخير، أن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم كانوا سريعي الاستجابة لكلام الله تعالى، متسائلا: “هل نحن مثلهم؟ هل نسعى أن نكون على أثرهم؟ عندما أستمع الآية أدرك بأنها تخاطبني، عندما أستمع أمرا أعرف أنه يخصني، عندما أستمع إلى القصص أعرف أن الله تعالى لم يسقها للسمر بل لأخذ العبر”. منبها إلى أن “أي شخص ابتغى التعلم ولم يبدأ بهذه الأمور فأكيد أنه لن يصل إلى المعاني التي عاشها الصحابة رضوان الله عليهم”.