يعد المغرب من أكثر الدول في العالم الذي يهاجر مواطنوه إلى الخارج بحثا عن فرص للعيش الكريم. ففي تقارير دولية مختلفة تصنف الجالية المغربية من ضمن أكبر الجاليات في أوربا وأمريكا الشمالية ودول الخليج، بالإضافة إلى انتشارها في أغلب دول العالم من القارات الخمس.

ومنذ عقود يهاجر المغاربة نحو الغرب عبر طرق سرية مختلفة، فمنهم من يختار ركوب قوارب الموت ومصارعة الأمواج للعبور إلى الضفة الأخرى، ومنهم من يختار مكانا ضيقا بين البضائع التي تحملها الشاحنات التجارية الكبرى، وآخرون يختارون عقود العمل غير المضمونة مقابل دفع مبالغ طائلة وغيرها من الوسائل التي تتعدد بتعدد هموم العيش.

وأهم أسباب تنامي ظاهرة الهجرة “القسرية” في الحالة المغربية هو الفقر ومشتقاته المتمثلة في التهميش والحكرة والإقصاء، والناتجة عن سياسة استبدادية فاسدة تستحوذ على الثروة وتترك الفتات وتتزين بتوزيع الوهم في إصلاح الحال والدعوة للتشبث بالآمال.

البلاد تفرغ من عقول وقوى التنمية

توجهت آمال أبناء هذا الوطن نحو الضفة الأخرى، حيث تحترم كرامة الإنسان وتضمن حقوقه، آمال تدفع ثلاثة أصناف تقوم عليها التنمية بالتفكير الجدي في المغادرة، هربا من ضيق اجتماعي خانق إلى سعته في بلاد الغرب:

الصنف الأول هم أطر نالوا شواهد عليا ففضلوا أن يضعوا خبراتهم وعقولهم في خدمة دول توفر لهم كافة الضمانات، بدل ذبولها هنا في ظل غياب الظروف المناسبة لخدمة بلدهم بنزاهة وصدق؛ فقد ذكر تقرير سابق للبنك الدولي أن المغرب يعد ثاني مصدر للهجرة في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط بعد مصر، وكشفت فيدرالية التكنولوجيات الحديثة والاتصال التابعة للاتحاد العام لمقاولات المغرب أن 8 آلاف إطار مغربي عالي المهارة من القطاعين العام والخاص، تهاجر سنويا إلى الخارج، وهو ما يؤدي إلى نقص حاد وخطير في الكفاءات المغربية التي يحتاج إليها سوق الشغل بالبلاد، ونبهت هذه المؤسسة العمومية المستقلة إلى استمرار نزيف هجرة الأدمغة المغربية إلى الخارج، لافتة أن 25 في المائة من الأطر العاملين في قطاع التكنولوجيا الحديثة قدموا استقالتهم سنة 2017، بحثا عن فرص عمل محفزة وظروف عيش جيدة خارج المملكة.

وفي تقرير للوكالة الفرنسية للتنمية صدر في شتنبر 2017 أفاد أن 17 % من حاملي الشهادات العليا بالمغرب يغادرون البلاد نحو الخارج، بحثا عن مناصب شغل تليق بمستوى التحصيل العلمي الذي نالوه خلال مسارهم الدراسي، وذلك بسبب انسداد الأفق بالمغرب، وذكر تقرير المؤسسة الفرنسية بأن صعوبة إيجاد فرص عمل مناسبة بالمغرب هي أهم دوافع هذه العقول للهجرة نحو أفق أرحب في الدول الأجنبية، خاصة فرنسا التي تعد أكثر وجهات الأدمغة المغربية التي تتاح لها فيها الفرص. وتحدثت تقارير أخرى عن 600 إلى 800 مهندس مغربي يهاجرون المغرب كل سنة. كما سجلت دراسة منجزة من طرف مركز البحوث الاقتصادية للتنمية التطبيقية الجزائري بشراكة مع منظمة العمل الدولية حول هجرة الكفاءات من الدول المغاربية نحو أوروبا أن 45 في المائة من الكفاءات المغاربية التي هاجرت نحو أوروبا هي كفاءات مغربية، وهي الأعلى في المنطقة، كما كشفت هيأة الأطباء في فرنسا أن أكثر من 7000 طبيب مغربي يمثلون ثاني جنسية للأطباء المهاجرين، والمسجلين في هيأتها.

أما الصنف الثاني فيتوفر على دبلومات حرفية وقدرات بدنية، اكتوى بلظى البطالة، واستشعر خطر تقدم السن وهو مطوق بالفقر دون أن يتحسن الوضع، فاندفع نحو خوض مغامرة البحر، دون التفكير في مخاطره، التي قد تفقده حياته.

فركوب قوارب الهجرة، أو ما يصطلح عليها “قوارب الموت”، هي معادلة تنحصر نتيجتها عند حلين، حياة أو موت، معادلة يعيها جيدا المهاجر السري، لكن ألجأه إليها عيش بلا بوصلة وبلا كرامة في دولة غنية بثرواتها، ولكن في كثير من الأحيان تنتهي الرحلة بمآسي وسط البحر، وهو نزيف مستمر وجرح لم يندمل، مادام الوضع على ما هو عليه.

والصنف الثالث رجال ونساء أعمال يحملون أموالهم لاستثمارها في الخارج بعد فقدانهم الثقة التي غذاها انتشار الفساد وغياب الظروف المناسبة للاستثمار في بلادهم، وذلك في ظل التراجع الاستثماري الأجنبي المعلن عنه رسميا.

الفواجع الآتية من عباب البحر

فجع هذا البلد في مرات عديدة خلال السنة الجارية في ثلة من شبابه الذين أحبطتهم الحقائق على الأرض فاختاروا البحر طريقا إلى الانعتاق من أغلاله، وفضلوا أهوال أمواجه العاتية على أهوال الإحباط واليأس التي تحاصرهم في كل درب وكل زقاق وفي كل وقت وحين.

خلال سنتي 2017-2018 لقي العشرات من المهاجرين المغاربة حتفهم غرقى، وهي مآس تتكرر كل سنة بسبب الفقر المنتشر وندرة فرص الشغل، في ظل انتشار الفساد وغياب مشاريع تنموية واستراتيجية توجه وتحتضن الشباب وتفتح لهم الأبواب الموصدة في وجوههم.

فقبل ما يزيد عن سنة لقي خمسة عشرا شابا من مدينة القصر مصرعهم وسط المحيط، بعدما ركبوا البحر في 29 يوليوز 2017 متجهين إلى الضفة الأخرى في قارب مطاطي “زودياك” فانفجر محرّكه وغرقوا جميعا.

وفي مطلع السنة توفي سبعة مهاجرين مغاربة قاصرين متأثرين بالبرد الشديد يوم 13 يناير 2018 قرب جزر الكناري التابعة لإسبانيا، إثر تسرب المياه للقارب الذي كان يقلهم وكان على متنه حوالي 27 شابا مغربيا بينهم أطفال. وفي حادث مأساوي آخر في الفترة نفسها توفي شاب مغربي كان برفقة مهاجرين أفارقة بعد انقلاب قارب للهجرة السرية كانوا على متنه، وقد عثر على جثثهم بمنطقة بحرية تخضع لنفوذ السلطات الإسبانية بمدينة مليلية المغربية المحتلة.

وفي حادث مأساوي آخر غرق 8 مهاجرين سريين على الأقل بينهم امرآتان في المحيط الأطلسي، وهم في طريقهم إلى إسبانيا بعدما انقلب بهم قارب مطاطي كان يقل أزيد من 40 شخصا، حيث لفظ شاطئ “بنمنصور” التابع لدوار اولاد المهدي بضواحي مدينة القنيطرة. وفي أبريل 2018 لفظ البحر مهاجرا مغربيا على الساحل الجزائري بعد غرقه وهو في طريقه إلى الضفة الأوربية، وصباح الـ9 من الشهر ذاته، استيقظ المغاربة على نبإ فاجعة وفاة أربعة مغاربة ضمن 6 مهاجرين سريين غرقا وسط البحر الأبيض المتوسط وهم في طريقهم إلى إسبانيا على متن قارب مطاطي.

هذا في ظل غياب معطيات عن مئات المغاربة الذين اختاروا الهجرة عبر البحر، ففقدوا وهم في طريقهم إلى أوربا وانقطعت أخبارهم ويجهل مصيرهم إلى اليوم.

تقارير تحذر وتوثق ارتفاع هجرة المغاربة

وهكذا، أكدت المنظمة العالمية للهجرة في تقرير أصدرته في دجنبر 2017 بأن أكثر من 3 آلاف مغربي وصلوا إلى أوروبا خلال 2017، وهو ما يمثل ارتفاعا بما يفوق خمسين بالمائة مقارنة مع 2016 التي وصل خلالها إلى القارة العجوز 1285 مهاجرا مغربيا.

وكشف تقرير أصدره المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين يوم 23 نونبر 2017 أن المغرب ثاني الجنسيات التي يقبل أبناؤها على الهجرة السرية إلى أوروبا، وذلك بنسبة 9٪ من مجموع المهاجرين الذين عبروا البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا ما بين شهري يوليوز وسبتمبر 2017.

وبحسب معطى معدل الهجرة غير الشرعية للمغاربة نحو أوروبا، فإن المغرب يأتي بعد سوريا صاحبة المرتبة الأولى بنسبة 15٪ والتي يفر مواطنوها إلى دول أخرى هربا من حرب الإبادة التي يشنها نظام الأسد وحلفاؤه، ثم نيجيريا والعراق (7٪ لكل منهما) والجزائر بنسبة 6٪، في التقرير ذاته يحتل المغاربة المرتبة الأولى بين المهاجرين الوافدين إلى إسبانيا في شهر يوليوز الماضي.

وسجل مرصد الشمال لحقوق الإنسان، في نشرة إخبارية نشرها في يناير 2018، أن أكثر من ألف مهاجر مغربي حاولوا عبور الحدود نحو القارة الأوروبية خلال يناير 2018، 57% منهم استعملوا “قوارب الموت” ومنهم من لقي حتفه في عرض البحر. 

وفي نشرة أخرى لشهر أبريل 2018، سجل المرصد نفسه أزيد من 4000 مهاجر غير نظامي حاولوا الوصول إلى الضفة الأوربية، وأزيد من 1190 مهاجرا حاولوا تجاوز الحدود المغربية نحو مدينتي سبتة ومليلية وشبه الجزيرة الإيبيرية، وذلك خلال الربع الأول من سنة 2018، كاشفة أن 5 % من مجموع جنسيات المهاجرين السريين مغاربة.

وبينت المعطيات التي جمعتها الهيئة الحقوقية الخاصة بدينامية الهجرة خلال شهر مارس 2018، أن 60% من محاولات المهاجرين الوصول الى شبه الجزيرة الإيبيرية تمت عن طريق قوارب الموت، مقابل 20% من المحاولات تمت عن طريق تجاوز السياجات الحدودية الفاصلة بين مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، و20% كانت عن طريق وسائل أخرى.

وكانت الوكالة الأوروبية لمراقبة وحماية الحدود الأوروبية قد نبهت، في تقرير لها صدر في الربع الأول من 2018، إلى ارتفاع أعداد المغاربة المهاجرين بطرق سرية، ابتداء من الربع الثاني من العام الماضي، عبر استخدام قوارب عالية القدرة على نقل أعداد كبيرة من الناس؛ وبلغ عدد المهاجرين المغاربة الذين عبروا عبر البحر الأبيض المتوسط 4809 شخصا خلال 2017، وأشارت بأن الواقع المحلي في المغرب من فقر وتهميش.. سبب أساسي في ارتفاع أعداد المهاجرين المغاربة نحو الضفة الأوربية.

وصدر في غشت 2018 تقرير رسمي لوزارة الداخلية الإسبانية، كشفت فيه أن عدد الشباب المغاربة الذين هاجروا بطريقة غير قانونية إلى الضفة الأخرى من المتوسط في السنوات الثلاث الأخيرة، ارتفع بشكل مهول ومقلق. وفي فبراير 2018 كشف موقع “إسبانتالويا” التركي في نسخته الإسبانية أن الأمن أوقف أكثر من 600 مهاجر مغربي غير شرعي، كانوا متجهين إلى دول أوربية عبر قوارب مطاطية.

معطيات وأرقام تفسر ارتفاع الهجرة

تمثل الفئة العمرية المتراوحة بين 15 و34 سنة أزيد من 34 % من التركيبة السكانية المغربية، 270 ألفا منها تغادر المدرسة سنويا، ونسبة البطالة تصل فيها إلى 20%، و%29.3 هي نسبة الشباب المغاربة المتراوحة أعمارهم بين 15 و24 عاما، لا يعملون ولا يدرسون ولا يتابعون أي تكوين خلال سنة 2017، وهو معطى كشفت عنه مندوبية التخطيط في تقرير لها نشرته في مارس 2018.

وأفادت في تقرير آخر أن عدد العاطلين سنة 2017 قد ارتفع إلى 49 ألف شخص، بالوسط الحضري، وارتفعت البطالة بنسبة 4,2%، وشملت الشباب المتراوحة أعمارهم ما بين 15 و24سنة بنسبة 26,5%، وحاملي الشهادات بنسبة 17,9%.

وأكدت دراسة للمؤسسة نفسها أن 6.27 ملايين من العمال المغاربة، أي حوالي 58.6 في المائة من السكان النشطين، لا يتوفرون على أي شهادة، ورُبُع شباب المغرب لا يجدون عملا.

معطيات أخرى عرضتها وزارة الشباب والرياضة المغربي قبل أشهر حول السياسة المندمجة للشباب، أكدت أن 75% من الشباب المغربي لا يتوفرون على أية تغطية صحية، 20% منهم مهددون بالإصابة باضطرابات نفسية وصحية، وأن 82% من الشباب لا يمارسون أي نشاط ترفيهي أو نشاط رياضي أو ثقافي.

ونبه صندوق النقد الدولي المغرب بشدة إلى استفحال نسبة البطالة في أوساط الشباب، وذلك في تقرير أعقب أشغال مشاورات المادة الرابعة، حيث دعت المؤسسة الدولية المغرب إلى ضرورة اتخاذ تدابير إجرائية مستعجلة لإنعاش سوق الشغل عبر تحفيز الاقتصاد المنتج.

وفي استطلاع أجراه الموقع المغربي المتخصص في التوظيف Rekrute.com أن عبر فيه 91 %من المغاربة بأنه مستعدون لمغادرة المغرب والاستقرار في الخارج من أجل العمل، مضيفا أن 66 في المئة من المغاربة الذين تقل أعمارهم عن 35 سنة، يريدون مغادرة المغرب من أجل تحسين عملهم، فيما أكد 56 في المئة من المستطلعين أنهم يرغبون بالهجرة لضمان جودة عيش وبيئة عمل أفضل.

إن الأرقام والمعطيات الصادمة التي أوردناها، سواء منها تلك التي تخص أعداد المهاجرين أو تلك التي تفسر تنامي الظاهرة، تشير بشكل مباشر وصريح إلى مسؤولية السياسات الرسمية للدولة اتجاه هذا الواقع المأساوي الذي يفقد معه الشباب الأمل وينغلق في وجهه الأفق، ليضطر معه إلى ركوب “الموت” بحثا عن “الحياة”.