يذكّر الأستاذ عبد الكريم العلمي، في مستهل قراءته في الحلقة الثالثة والثلاثين من كتاب “الإحسان” للإمام عبد السلام ياسين، بما مر في المبحث السابق من كلامه رحمه الله، فيقول:

هنيئا لهذا الشباب الصاعد في حركة الصحوة الإسلامية، يكون منهم إن شاء الله أجيالٌ تحابت في الله فاستحقت أن تكون تحت ظل الله، ويكون منهم من يذكر الله خاليا فتفيض عيناه فيستحق ذلك الظل الكريم مرتين. نسأل الله العظيم الكريم أن تتألف منهم كتائب تذكر الله كثيرا في معمعان الجهاد، ويكون لها التأسي الكامل، والأسوة الحسنة، والسلوك المُتَسامي إلى مقامات فاز بها الصحب الكرام لهادي الأنام.

في كل مرة يذكر الإمام المجدد رحمه الله بهذا المعنى، معنى الذكر في سياق السلوك الجهادي الجماعي الإحساني.

ويؤكد الإمام المجدد رحمه الله على أمرين اثنين، الأول: كيف أن الصحبة والذكر أمرهما مفتول مربوط بهما يتجدد الإيمان، والثاني: ما في لفظ لا إله إلا الله من سر وكيمياء بهما ينفذ الإيمان إلى القلوب. وقد أولى رحمه الله هذه الكلمة أهمية خاصة فجعلها أول شعبة من شعب الإيمان في خصلة الذكر.

يفتتح الإمام المجدد هذا المبهث بالدعاء كما جرت عادته:

بسم الله الرحمن الرحيم . يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا. اللهم إنا نسألك من خير ما سألك منه محمد صلى الله عليه وسلم، ونعوذ بك من شر ما استعاذ منه محمد صلى الله عليه وسلم وأنت المستعان، وعليك البلاغ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

يذكر رحمه الله بالفقرة السابقة “كيف يكون ذكر الله الكثير رابطة موثقة لرباط الصحبة والأسوة”. ثم يتساءل: “فهل بعد عهد النبوءة نصيب من ذلك الصدق الرسالي الذي أنيط به وبذكر الله مصير المومنين في المواقف الحرجة؟ هل بقيت فضلة من تلك المائدة المحمدية يَرِد عليها المومنون في عصر الخلافة الثانية ويتغذون عليها كما تغذوا في عصر الخلافة الأولى؟ هل فني الدين العتيد أم للأمر فيه تجديد؟”.

ويجيب رحمه الله بالإيجاب. ثم يقول:

“يبلى الإيمان في القلوب، وتضعف ربْطة الميثاق الفطري الذي أخذه ربنا جل وعلا على بني آدم يوم “ألست بربكم؟”، وينقص بمخالطة الغافلين عن ذكر الله ومعاشرة االمنافقين الذين لا يذكرون الله إلا قليلا مذبذبين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الإيمان يخلُق (أي يَبْلى) كما يخلُق الثوب، فجددوا إيمانكم”. وفي رواية: “إن الإيمان ليخلُق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم”. رواه الإمام أحمد والطبراني في الكبير والحاكم، وأشار السيوطي لحسنه”.

هذا في الأيام الحرجة، ولكن قد يقع هذا الأمر وهذه الغفلة وهذا الضعف في الميثاق الفطري في الأحوال العادية، وهنا يورد رحمه الله حديث حنظلة:

“قال حنظلة بن الربيع: “كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر النار. ثم جئت إلى البيت، فضاحكت الصبيان، ولاعبت المرأة، فخرجت فلقيت أبا بكر، فذكرت ذلك له. فقال: وأنا قد فعلت مثل ما تذكر. فلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله! نافق حنظلة؟ فقال: “مه!” فحدثته بالحديث فقال أبو بكر: وأنا قد فعلت مثل ما فعل فقال: “يا حنظلة! ساعةً وساعةً! لو كانت قلوبكم كما تكون عند الذكر لصافحتكم الملائكة حتى تسلم عليكم في الطرق”. رواه مسلم والترمذي”.

هنا يضع الإمام المجدد أصبعه على لمحة مهمة جدا فيقول:

“نقف عند الجملة الأخيرة من الحديث يقول فيها المصطفى صلى الله عليه وسلم: إن حضورهم بين يديه لسماع موعظته ذكر، هنا اندمجت الصحبة في الذكر”.

ويضيف:

“وإن لله عبادا من أوليائه وأحبائه مجرد رؤيتهم تذكر بالله، فما بالك بصحبتهم. من ذكَرَهم ذَكَر الله، ومن ذَكَر الله ذَكَرَهم. عن عمرو بن الجموح أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “لا يُحِقُّ العبد حقَّ صريح الإيمان حتى يحب لله تعالى ويُبغض لله. فإذا أحب لله تبارك وتعالى وأبغض لله تبارك وتعالى فقد استحق الولاء من الله. وإنَّ أوليائي من عبادي وأحبائي من خلقي الذين يُذكرون بذكري وأُذْكَرُ بذكرهم”. رواه الإمام أحمد في مسنده”.

ويعلق الإمام المجدد فيقول:

“بصحبة هؤلاء يتجدد الإيمان إذا خلُق، بربط الصلة التامة الدائمة بهم، يرتبطُ ما وَهَى من فطرتنا بالميثاق النبوي الغليظ عبر هذه القلوب الطاهرة المنورة التي غمرها حبّ الله والحب لله”.
والولادة المعنية هنا محمية من الفناء، لا يطرأ عليها الفناء.

ويضيف رحمه الله:

“وإن الله عز وجل يبعث من أحبائه في كل زمان من يستند إليه المومنون ويتأسون به. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينَها” رواه أبو داود والبيهقي والحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة”.

ثم يضيف:

“ويتجدد الإيمان بعامل ثان، أو قل أول، فالأمر مفتول مربوط، هو ذكر الله تعالى باللسان والقلب، خاصة بقول لا إله إلا الله الكلمة الطيبة المطيِّبة قولها كثيرا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: “جددوا إيمانكم!” قيل: يا رسول الله! وكيف نجدد إيماننا؟ قال: “أكثروا من قول لا إله إلا الله”. رواه الإمام أحمد ورجاله ثقات، ورواه الطبراني عن أبي هريرة”.

ويعلق الإمام المجدد على حديث: “الإيمان بضع وسبعون شعبة- عند البخاري وأحمد بضع وستون – فأعلاها – في رواية أحمد فأرفعها وأعلاها- قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. والحياء شعبة من الإيمان”.

فيقول:

“في كل هذه الأحاديث المطلوبُ قولها، قولا لسانيا، التكلم بها بكل بساطة وفطرية. في لفظها المقدس سرّ وكيمياء بهما ينفذ الإيمان إلى القلب. فيا من يكذب الله ورسوله في إخبارهما بما يُصلح الإيمان ويجدده ويصدق أوهامه!”.

ويذكر بقول عالم أزهري وداعية شهير ذو إنتاج غزير:

“الإيمان الذي دعانا إليه القرآن الكريم هو ثمرةُ الدراسة الواعية للكون الكبير، وما انبثَّ في جوانِبه من الأَحْياء”.

فيعلق:

“ويحك! يقول المعصوم صلى الله عليه وسلم إن الإيمان ثمرة قول لا إله إلا الله وتحيلنا أنت على “الدراسة الواعية” للكون الكبير وما فيه من أحياء! ويحك تعظم الكونَ وتستخف بوحي المكوِّن سبحانه!”.
ويتحدث الإمام هنا عن مشكلة من مشكلات الإسلام الفكري فيقول:

“إن الإسلام الفكري طامّة من الطوام، وتسطيح للدين وهجر للقرآن ولِدَليل القرآن سنة الأسوة المقدسة. وللفكر في قضية الإيمان مكان نقاربه في فقرة قريبة إن شاء الله”.

ثم يتحدث الإمام المجدد عن تلقين كلمة التوحيد فيقول:

“كلمة التوحيد لقّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب فأبى، ولقنها أصحابه فقبلوا وفازوا. وما يزال السادة الصوفية يحافظون على هذه السنة المجيدة سنة تلقين كلمة لا إله إلا الله، ويصرخ المسطِّحون: يا للبدعة!”.

ويحيل على الفصل الأول من هذا الكتاب وكيف “طلب الشوكاني أن يلقنه شيخ من الصالحين الورد النقشبندي. والحديث المعتمد في الباب هو حديث يعلى بن شداد: حدثني أبي شداد بن أوس، وعُبادة بن الصامت حاضر يصدقه، قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم”، فقال: “هل فيكم غريب؟”، يعني أهل الكتاب فقلنا: لا يا رسول الله! فأمر بغلق الباب وقال: “ارفعوا أيديكم وقولوا لا إله إلا الله!” فرفعنا أيدينا ساعة. ثم وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده ثم قال: “الحمد لله. اللهم بعثتني بهذه الكلمة، وأمرتني بها، ووعدتني عليها الجنة. وإنك لا تخلف الميعاد”. ثم قال: “أبشروا فإن الله عز وجل قد غفر لكم”. رواه الإمام أحمد”.

هذا التلقين النبوي للصحابة الكرام نضعه في إطار الصحبة والجماعة لأن التلقين الفردي عرف سار عليه السادة الصوفية ولكن هذا التلقين بهذا الشكل يندرج في إطار الصحبة والجماعة جماعة الصحابة الكرام والصحبة العظمى صلى الله عليه وسلم ومن سار على نهجهم بعد ذلك.

ثم يعود الإمام المجدد لمن يفلسفون هذه الكلمة وهو بالتالي يكذبون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم:
“كلمةٌ بعث الله بها نبيه لتقال، حوَّلها بعض الناس فلسفة. لا شك أن معانيها ومقتضياتها عظيمةٌ عليها مدار صحة العقيدة، ومنها بدايتها. لكن ما بالنا نُنكر ما أثبتته السنة النبوية بكل إلحاح وتكرار من أنها تحمل سرا فاعلا، يتفجر منها الإيمان بقولها وتكرارها؟!”.

وهذا المعنى أكد عليه الإمام المجدد في “المنهاج النبوي” وكأنه يتحدث عن تجربته فيقول:

“وقد وصف لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصية الكلمة الطيبة في تجديد الإيمان. فمن اتبع وجرب عن يقين عرف”.

الإمام المجدد رحمه الله كما قالها في بعض المرات كان في بداياته الأولى، فما بالك فيما بعد ذلك، كان لا ينزل عن 30  ألف مرة من ذكر لا إله إلا الله.

ويضيف:

“وذكّرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خصائص أذكار وعبادات أخرى، فالمتتبع اليقظ يميز”.

يقول بعض الناس لماذا التركيز على لا إله إلا الله؟ الجواب أن الأذكار التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم والتي يجب أن نتأسى بالنبي صلى الله عليه وسلم فيها كلها جعل مقابلها الأجر والثواب، ونحن محتاجون لهذا الثواب ولكن نحن أحوج إلى تجديد الإيمان بالإكثار من قول لا إله إلا الله. والمؤمن اليقذ يطلبهما معا ثوابا وتجديدا.

ويؤكد الإمام أن:

“الأحاديث في فضلها كثيرة والمصدق لرسول الله صلى الله عليه وسلم تصديقا حرفيا قليل. فيا حسرة على العباد! نيامٌ نيامٌ! غافلون عن ذكر الله!”.

ثم يورد الإمام المجدد كلمات للشيخين الجليلين عبد القادر الجيلاني وأحمد الرفاعي:

“قال الشيخ عبد القادر قدس الله سره العزيز: “إذا تَرَقَّتْ درجة العبد من الإسلام إلى الإيمان، من الإيمان إلى الإيقان، من الإيقان إلى المعرفة، من المعرفة إلى العلم، من العلم إلى المحبة، من المحبة إلى المحبوبية، من طلبيته إلى مطلوبيته، فحينئذ إذا غفل لم يُتْرَكْ، وإذا نسي ذُكِّر، وإذا نام نُبِّهَ، وإذا غفل أوقظ، وإذا ولّى أقبَل، وإذا سَكَتَ نَطَق. فلا يزال أبدا مستيقظا صافيا، لأنه قد صفت آنية قلبه. يُرى من ظاهرها باطنُها. ورث اليقظة من نبيه صلى الله عليه وسلم، كانت تنام عينه ولا ينام قلبه، وكان يرى من ورائه كما يرى من أمامه. كل أحد يقظته على قدر حاله. فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يصل أحد إلى يقظته، ولا يقدر أن يشاركه أحد في خصائصه. غير أن الأبدال والأولياء من أمّته يردون على بقايا طعامه وشرابه، يُعطون قطرة من بحار مقاماته، وذَرَّة من جبال كراماته، لأنهم وراءَه، المتمسكون بدينه، الناصرون له، الدالّون عليه، الناشرون لعَلَم دينه وشرعه. عليهم سلام الله وتحياتُه، وعلى الوارثين له إلى يوم القيامة”.

ويعلق الإمام المجدد على هذا النص البديع فيقول مذكّرا إيانا بالجهاد:

“هؤلاء اليقظى حين ينام الناس، الذاكرون حين يغفُل الناس، الثابتون حين يتزعزع الناس، الحاملون لكلمة التوحيد، القيمون على كنوزها هم مناط التجديد. الإكثار من ذكر الله على لسان المومن الصادق وفي قلبه وعقله وكيانه كلِّه تحريك لحبل الإيمان واستمطارٌ لغيثه وتجديد لعهده وميثاقه إذا كان مع الذكر الكثير وَصْلَةٌ دائمة مع العباد الذين أحبهم الله حتى صار ذكره ذكرهم، وذكرهم ذكره. لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله”.

إذن الأمر مفتول صحبة وتحاب في الله مع ذكر الله الكثير. وقبل الإمام المجدد نص الإمام أحمد الرفاعي مهد له بقوله:

“أوصى المشايخ العظام بذكر الله، بالإكثار من ذكر الله، كما أوصوا بالصحبة كلّ الصادقين. وما ذاك إلا لمعرفتهم أن الذكر منشور الولاية، في أعلى المنشور شعار لا إله إلا الله. قال الإمام الرفاعي قدس الله روحه العزيز: “عليكم، أي سادة!، بذكر الله. فإن الذكر مغناطيس الوَصل، وحبل القرب. من ذكر الله طاب بالله، ومن طاب بالله وصل إلى الله. ذِكْر الله يثبت في القلب ببركة الصحبة. المرء على دين خليله، عليكم بنا! صحبتنا ترياق مجرب، والبعد عنا سم”.

هذا يقوله الإمام الرفاعي رحمه الله وهو آية من آيات الله في التواضع ولكن هنا من باب النصح والدلالة على الخير للمنصوحين يدلهم على الصحبة. يكفي أن نذكر بقولته الشهيرة: حشرت مع فرعون وهامان وقارون إذا وقع في بالي أني شيخ على أحدكم. تواضع جم.

“وقال: الإمام الرفاعي:

“أيْ سادةُ! قال أهل الله رضي الله عنهم: من ذكر الله فهو على نور من ربه، وعلى طمأنينة من قلبه، وعلى سلامة من عدوه. وقالوا ذكر الله طعام الروح، والثناء عليه تعالى تُرابها، والحياء منه لباسها. وقالوا: ما تنعَّم المتنعمون بمثل أنسه، ولا تلذذ المتلذذون بمثل ذكره”.

ونختم بكلمات للإمام الرفاعي في الأدب في الذكر:

“من حال المومن مع الله ذكرُ الله كثيرا. ومن أدب الذكر صدق العزيمة وكمال الخضوع والانكسار، والانخلاع عن الأطوار، والوقوف على قدم العبودية بالتمكن الخالص، والتدرّع بدرع الجلال. حتى إذا رأى الذاكِرَ رجل كافر أيقن أنه يذكر الله بصدقِ التجرد عن غيره. وكل من رآه هابَه، وسقط من بوارق هيبته على قلب الرائي ما يجعل هشيم خواطره الفاسدة هباء منثورا”.
ويعلق الإمام المجدد على كلام الإمام الرفاعي فيقول:

“مثل هؤلاء الصادقين هم العباد الذين يذكر الله بذكرهم. لا إله إلا الله”.

وختم الأستاذ العلمي قراءته لهذه الفقرة من كتاب الإحسان في هذه الحلقة بما ختمها به الإمام المجدد من نظمه:

حُثَّ الخُطا لِنذكُر الحبيبا***فَذكره يُصقِّل القلوبَا
كَلِمةَ الحقِّ التزم دَؤوبَا***واذكُر غُدُوّاً واذكُرَنْ غرُوباً
تَكن نَبيهاً مُحسناً لبيباً***تَكُن سَميعاً للنِّدَا مُجيباً