بعد انتقال الحكم من شورى 1، وهي مقوم من أهم مقومات وحدة الأمة، إلى عض 2، وهو ملك، ونعت بالعاض لحرص الحكام عليه، وطغيان العصبية والاستبداد، حيث كانوا، وما زالوا، يورثونه أبناءهم ويأخذون البيعة لهم بالإكراه 3، فكان الانفصام النكد والخصام بين القرآن والسلطان 4، وساد منطق السيف والتخوين، فتأثرت أفهام الناس للدين والحياة والموت: فمنغمس في ملذات الحياة: رقصا ومجونا… ناسيا الآخرة، وفار بدينه وبقلبه نائيا عن الفتن الظاهرة والباطنة، ومنصرف إلى التأليف وجمع الحديث والتأصيل في اللغة والشعر و… ثم مجتهد، مجاهد،  مقارع ل“استبداد الحكام والسلاطين، وسلطتهم المطلقة، وظلمهم وعدوانهم واعراضهم عن أحكام الشريعة الإسلامية، وعبادتهم للنفس والأهواء” 5 بحجة القرآن، فتعرض للسجن والأذى والحسد والقتل.

    انبطح الكثير من علماء الأمة بين أحضان السلطان رغبا ورهبا، علماء سوء ساكتون عن النصح، يبررون الظلم والاستبداد، فأصبحوا ألعوبة ومطية وعنصر موازنة بيد الحكام، يسكتون بهم السائرين على منهاج 6 رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصعب عليهم الانعتاق، إن أرادوا، ولم يكن سهلا، فكان ضياع الأمة وذهاب عزتها بسكوتهم وقهر الحكام وجبروتهم. 7

    توالت النكسات، فلم يكن سهلا بعد هجمة التتار والاستعمار، وارتماء ثلة كبيرة من أبناء جلدتنا في أحضان الثقافة الغربية واغترابهم عن هويتهم، فلم يكن سهلا على كثير من علمائنا العاملين الأجلاء، عبر التاريخ، وفي ظل ما وُصف، ممارسة حقهم في النصيحة، شاهدين يقظين، بعد أن تمثلوا حقيقة الآداب النبوية في النصح والانتصاح، وعرفوا ألا ثمرة مرجوة للنصيحة دون تحقيق مجموع معتبر من شروط التربية، فشملتهم عناية الله وكانوا، حقيقة، علماء عاملين.

     لم يكن سهلا أن تجد رجل الموقف الذي يعليها مدوية: كلمة حق عند سلطان جائر، وهي “أحب الجهاد إلى الله”  8، ولم يكن سهلا على هذه الفئة القليلة، أن تقارع جبروت الطواغيت إلا بحبل من الله وعنايته وتوفيقه وحفظه، ثم بفضل جلدهم وعدم رضاهم بأنصاف الحلول، في “زمن أصبحت القاعدة في تاريخ الفتنة الطويل ألا يكون السلطان إلا جائرا” 9، وما أكثر سلاطين الجور بعد الانكسار التاريخي إلى زماننا، طهر الله أجواءنا من أنفاسهم وأزلامهم.  

     لكنها الفرصة التاريخية التي قد لا تتكرر، أو قد لا تتوفر شروطها الموضوعية والذاتية، وقد أتيحت “لعلماء هذه الأمة ممن يطلبون الشهادة أن يبرزوا للطاغوت يلقون إليه كلمة الحق كما أمر الرسول الكريم” 10، فرصة ابتدرها من سبقت له الحسنى من ربه، وهي كالإشارة تكون لك إن اهتبلت بها وإلا نالها غيرك.

     لم يكن سهلا البروز للطواغيت وإعلاء كلمة الحق في وجوههم إلا لمن طلق الدنيا وباع نفسه لباريها، وهكذا كان شأن العلماء العاملين الذين لم يفضلوا سلامة أبدانهم على ضياع أديانهم وآخرتهم، بل رفضوا الظلم وأعلنوا العصيان للحكام الفاسدين والمفسدين، لم يطلبوا الدنيا بالآخرة، بل استعملوا دنياهم مطية لنيل الآخرة ورضا ربهم 11، وصدق من قال لأحد الملوك في زمانه: “من يطلب الدنيا لا ينصحك، ومن يطلب الآخرة لا يصحبك” 12 .     

    “ولم تنقطع سلسلة الإرشاد والتربية ومقاومة السلطان الجائر، وإن تعددت المدارس، واختلفت الأساليب” 13 حسب أزمانهم وأحوالهم، فمنهم من لقيت نصيحته آذانا صاغية وقلوبا حية، وخلافها نال الناصحون السجن والتعزير لتطاولهم على من اعتبر نفسه، تكبرا، فوق النصح والتوجيه، قأقام الله حجته على الجميع.

      فلنذكر هنا، وسنن الإله لا تحابي أحدا، القائمين من أهل البيت وسعيد بن جبير وسلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام الذي سئل ذات يوم عن جرأته في قول الحق أمام السلاطين مهما اشتد بأسهم، فأخبرهم: أن استحضاره هيبة الله تعالى تجعل السلطان أمامه كالقِط 14، بل كان ملك زمانه يسترضيه مخافة أن تتبعه العامة فتبقى البلدة فارغة من أهلها إلا من الملك، فعلى من يسود ويحكم؟ ومنهم العالم المربي الجليل عبد الله بن ياسين الذي بذل المال والنفس وكان نواة دولة المرابطين، ثم يوسف بن تاشفين الرجل الصالح المجاهد “الذي لم يُغْوه السلطانُ فبقي على بَسَاطَةِ البدوي الصحراوي تُحْلَبُ له ناقةٌ منها طعامُهُ، ويدُه مبسوطةٌ على جزْءٍ مهم من شمال إفريقيا والأندلس. يُرْوَى أن الإمام الغزاليَّ هاجر إليه لما سمع من عدله، فلم تتم الهجرة لموت الملك الصالح” 15، حجبه الطغاة بطغيانهم، لكن دورة الزمان والأيام دول، توشك أن تزيل ظلمة الظلم، فيفرح الذين قضوا نحبهم، ويستبشر كل من ينتظر.

    ذكرنا بعضهم فقط للمثال لا للحصر، وقد امتلأت أيام زماننا بأفذاذ كثر أمثالهم، الحسن البنا رحمة الله عليه والسيد قطب الشهيد البطل، وكثير من المجاهدين ممن أعلنوها مدوية للظالم أنت ظالم وإننا نعصيك لأنك لا تطيع أمر الله فينا.

      وتمر السنون والأعوام والله ويبعث للأمة من يجدد لها دينها، فكان أن غمرها الله بكرمه وفضله بالإمام عبد السلام ياسين صاحب الرسالتين الشهيرتين “الإسلام أو الطوفان” و”مذكرة الى من يهمه الأمر”، رحم الله الجميع ونفعنا بهم في الدنيا والآخرة.


[1] راجع سورة الشورى الآيات (36 ـ 41) للوقوف على سياقها وبنودها، وهي جزء لا يتجزأ من نسق إيماني متداخل متكامل متماسك، لا يصح فصل بعض عناصره عن بعض، انظر وحدة الأمة في فكر الإمام عبد السلام ياسين، مجموعة من الباحثين، ط: 1/2015، أفريقيا الشرق.
[2] مرحلة بعد الخلافة الراشدة، وكان أول اجتهاد لوضع أسس الملك اجتهاد الصحابي سيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وذلك بتنصيبه ابنه وليا للعهد بعده، ومن مواصفات هذا الملك: – غياب الشورى وظهور الاستبداد. – الانفصام بين القرآن والسلطان. انظر وحدة الأمة في فكر الإمام عبد السلام ياسين، مجموعة من الباحثين، ط: 1/2015، أفريقيا الشرق.
[3] انظر وحدة الأمة في فكر الإمام عبد السلام ياسين، مجموعة من الباحثين، ط: 1/2015، أفريقيا الشرق.
[4] مضمون حديث رواه عبد بن حميد رحمه الله عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خُذوا العطاءَ ما كان عطاءً، فإذا كان رَشوة عن دينكم فلا تأخذوه. ولن تتركوه! يمنعكم من ذلك الفقرُ والمخافة! إن بني يأجوج قد جاؤوا. وإنَّ رحى الإسلام ستدور، فحيثما دار القرآن فدوروا به. يوشك السلطان والقرآن أن يقتتلا ويتفرقا. فإنه سيكون عليكم ملوكٌ يحكمون لكم بحكم، ولهم بغيره. فإن أطعتموهم أضلوكم، وإن عصيتموهم قتلوكم». قالوا: يا رسول الله! فكيف بنا إن أدركنا ذلك؟ قال: «تكونوا كأصحاب عيسى، نُشرُوا بالمناشير ورُفعوا على الخشب. موتٌ في طاعة خيرٌ من حياة في معصية». الحديث. نقله السيوطي في «الدر المنثور» في تفسير قوله تعال: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ (سورة المائدة،78) وعزاه في «الجامع الصغير» للبخاري رحمه الله في تاريخه وأبي داود رحمه الله وصححه مختصرا هكذا: عن ذي الزوائد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خذوا العطاء ما دام عطاء، فإذا تجاحَفَتْ قريش بينها الـمُلْكَ وصار العطاءُ رِشاءً عن دينكم فدعوه».
[5] السيد أبو الحسن علي الحسني الندوي، تعريب سلمان الحسيني الندوي، رجال الفكر والدعوة في الإسلام، دار ابن كثير دمشق بيروت، ط: 3/2007.
[6] رسالة العلماء في الإسلام بين شرط الواقع وفقه الواجب، أحمد الفراك، ص: 55، بتصرف.
[7] رسالة العلماء في الإسلام بين شرط الواقع وفقه الواجب، أحمد الفراك، ص: 58، بتصرف.
[8] رواه الإمام أحمد عن أبي أمامة بسند حسن.
[9] ياسين عبد السلام، الإسلام غدا، ص: 135.
[10] الإسلام غدا، ص: 135.
[11] أحمد الفراك، رسالة العلماء في الإسلام بين شرط الواقع وفقه الواجب، ص: 61، بتصرف.
[12] أحمد الفراك، رسالة العلماء في الإسلام بين شرط الواقع وفقه الواجب، ص: 59، بتصرف. أنظر كذلك، الشاطبي أبو إسحاق، الموافقات في أصول الشريعة، ج:2، دار الكتب العلمية، بيروت، ط:2/2003، ص: 67.
[13] ياسين عبد السلام، رجال القومة والإصلاح، ص: 109.
[14] رجال القومة والإصلاح، ص: 109/110.
[15] رجال القومة والإصلاح، ص: 111.