نشرت قناة الشاهد الإلكترونية حلقة جديدة من برنامجها “الحياة الطيبة”، تطرقت إلى الدعامة الثامنة من الدعامات العشر لبناء علاقة أسرية ناجحة، وهي دعامة التماس العذر، مع الخبير في قضايا الأسرة الأستاذ عبد الله الشيباني.

ذكّرت منشطة البرنامج الأستاذة فوزية مستور بداية بأن التماس العذر هو الأساس الثالث في الثلاثي الذهبي الذي سبق أن تم التطرق له والذي يضم الثقة وحسن الظن، وهو الأساس الثامن ضمن المنظومة العشرية، وأكد الأستاذ الشيباني على كلمة منظومة كون الأسس المكونة لها “مرتبطة بعضها ببعض، وترتيبها مقصود”.

عرف الشيباني التماس العذر بأنه “هو التفهم”، وأوضح أنه “من نضج الإنسان في سلوكه الزوجي وسلوكه التربوي ومن تحمله المسؤولية أن يستطيع وضع نفسه محل الآخر، من حيث ظروفه الحالية ومخلفات ماضيه والتربية التي تلقاها والرواسب التي يحملها، لأن الشخص ثمرة تربية وثقافة ورواسب يحملها معه”، مؤكدا أنك عندما “تضع نفسك في محله يجب أن تستحضر هذه الأمور، وتشعر بالمشاعر المرتبطة بثقافته، مما سيساعدك على تأويل تصرفه، وهذا يحيلنا على الخصلة السابقة “حسن الظن”، وبالتالي سيمنحك القدرة على التماس العذر”.

ولفت الخبير التربوي إلى تجذر هذه الثقافة في ديننا الحنيف، مستدعيا ما جاء في الأثر من التماس سبعين عذرا 1، ليتساءل مستنكرا “فكم نلتمس نحن من عذر للآخر في تأويل وتبرير تصرفاته؟”، ويضيف: “فإن لم تستطع فلُم نفسك، وهذه تعود بنا إلى تحمل المسؤولية، وفي رواية فقُل: لعل له عذرا لا أعرفه”، ويخلص إلى أن “الالتماس الكثير للأعذار، والإعادة على النفس باللائمة، وتغليب الظن بأن هناك عذر لا تعرفه” سيؤدي حتما إلى تجاوز المشاكل.

وزيادة في التوضيح، استدعى الشيباني فعل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمنا عائشة عندما كسرت الطبق المملوء طعاما، حيث قابل عليه الصلاة والسلام الفعل بهدوء، لافتا إلى أن “سيدنا رسول الله يمثل قمة الأخلاق، فلم يكن متسرعا وغضبيا في رد فعله، بل فهم أولا وضعية أمنا عائشة رضي الله تعالى عنها والتمس لها العذر، وهو الغيرة الطبيعية في كل النساء، فتعامل معها على هذا الأساس، واكتفى بالقول “غارت أمكم” 2.

وأشار الشيباني إلى تدخل عوامل أخرى، قائلا: “وهنا تدخل المعاني الأخرى والتي هي بيت القصيد وهي النفس، هل تتحمل وتصبر وتكظم الغيظ وتتهم نفسها؟” خصوصا إذا استحضرنا “الواقع المتردي البعيد بقرون عن عهد السنة النبوية”، ليؤكد على الغاية والهدف من تناول هذا الموضوع “هدفنا الصعود نحو سلوك إحساني على منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم”، ويقر أنه “يصعب علينا تجاوز الأمر إن تناولناه من مستوى الإسلام، حيث تتلاعب بالإنسان نفسه والشيطان، فيكون إسلامه أركان يقوم به في الظاهر لكن معانيه لم تترسخ في أعماقه، لم يكتمل إسلامه بالمعاني الإيمانية التي تقتضي التحلي بشعب الإيمان والتي تتجلى في الأخلاق”، مشددا على أن هذا الأمر “يلزمه جهد مستمر، فتلك الوقفة التي أقفها بعد حصول مشكل لالتماس العذر يلزمها مجهود نفسي ليس سهلا، من السهل أن أسيء الظن ولا ألتمس عذرا وأن أرد على ما يقع أمامي من فعل، ولكن هذا يفسد العلاقات”.

ويسترسلا الشيباني موضحا “على قدر ما يضع الإنسان نفسه على محك التربية والتهذيب، ويكتسب السلوك الإيماني، بل ويتشوف إلى أن يكون من المحسنين، تطاوعه نفسه للتصرف بشكل صحيح ويتمكن بالفعل من التماس العذر والتفهم”، منبها إلى أن “التماس العذر لا ينفي الحزم في تنظيم وتدبير أمور البيت على أسس تحفظ له سيرورته، وهذا أيضا من تحمل المسؤولية”.

وليظهر الاختلافات الطبيعية بين الرجل والمرأة، استدعى الشيباني عنوان كتاب جون غراي “الرجال من المريخ والنساء من الزهرة” ليبرز أن “كل من الرجل والمرأة يعيش في كوكبه وبمنطقه، على المستوى الفيزيولوجي والنفسي والثقافي.. فإن بذل الرجل مجهودا كي يضع نفسه في مكان المرأة ويشعر بشعورها ويتمكن من تفسير تصرفها القلق أو الغاضب، ويجاهد نفسه ليصبر ويكظم الغيظ ويتجاوز ويتغافل. يحسن الظن ويفهم ويتفهم ويلتمس العذر، فهذا سيساعده على السيطرة على نفسه فيصبر ويتحمل ويتغافل”.

وفي آخر الحلقة لفت الناشط في مجال الأسرة إلى أن كلامه في هذه الحلقات “ناتج عن تجربة في المجال التعليمي والتدريبي، وهذا لا يكفي فيه العلم والمعرفة، بل يلزمه فهم سليم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبشكل متكامل، وهذا يستدعي القيام بمجهود كبير لنتجاوز ما ورثناه من انحدار وتخلف في فهم ديننا كي نستطيع الوصول إلى صفاء النبوة”.


[1] قول لجعفر بن محمد، أخرج الإمام البيهقي بسنده في شُعَب الإيمان إلى جعفر بن محمد قال: “إذا بلغك عن أخيك الشيء تنكره فالتمس له عذرا واحدا إلى سبعين عذرا، فإن أصبته، وإلا، قل لعل له عذرا لا أعرفه”.
[2] عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة (إناء) فيها طعام، فَضَرَبَتِ التي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِى بَيْتِهَا يَدَ الْخَادِم، فسقطت الصحفة فانفلقت، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فِلَقَ الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة ويقول: غارت أمكم، ثم حبس الخادم حتى أُتِيَ بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كُسِرَت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كَسَرت) رواه البخاري. وذهب شُرّاح الحديث أنه حصل في بيت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.