تكاد ذكرى عاشوراء تجمع على مبدإ قوي في التصور الإسلامي وقيمة راسخة فيه، بحيث إنها، دائما، تهز وجدان النفوس الأبية الطاهرة التي تأبى الظلم والهوان وتستشرف واقعا تنمحي فيه أشكال الاستعباد والاسترقاق والتسلط والاستئثار بالسلطة وقمع المخالفين. والتأمل الحقيقي في مجريات يوم عاشوراء وأحداثه المتوالية، سواء كانت في عهود سحيقة أو في أزمنة لاحقة، يفضي النظر الحصيف فيه، حتما، إلى مناهضة السلطة الجائرة والتمسك بعرى الحق وإن كان في ذلك مجابهة أعتى القوى الطاغية ومنازلتها مع ما في ذلك من بذل كل غال نفيس نفسا وأهلا ومالا… لكن الثابت في السنن التاريخية أن فعل المجابهة هذا لا يمحى أثره ولا يندرس وهجه أو يخبو وإن تطاولت صروف الدهر الغابر فيه، لأن القائم بفعل الإباء هذا لن يلقى استحسانا من قبل الأسوياء الذين عاصروه فحسب، بل مساندة ومؤازرة من قبل كل الأجيال الذين ترسخت في قلوبهم مبادئ الإباء والعنفوان، لاسيما وهو متساوق مع ما تستشرفه النفس من إحقاق الحق وكره الحيف والظلم المسلط على الأمم الحرة الأبية.

ففي عهود الأمم السابقة يحدثنا التاريخ أن النبي موسى عليه السلام قام رافضا تسلط فرعون واستكباره على أمته كلها خاصة بني إسرائيل، إذ استفزهم واستصغرهم وأذلهم وسامهم أنواع الخسف والظلم ولم يُرِهِمْ إلا ما كان يراه، بل إنه ادعى أنه ربهم الأعلى، فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين وإن أطاعوه حقيقة فإن موسى عليه السلام انبرى منفردا وقام رافضا ظلم الفراعنة وقهرهم للمستضعفين، مع ما في هذا الفعل في عرف الجبناء من تهور وتجاسر على الموت وإهلاك للنفس… ومن ثم فالمهادنة والمسالمة والانبطاح للسلطة الحاكمة، في عرفهم، خير سبيل للنجاة من بطش فرعون…

لكن التاريخ يذكر انتصار القائم على المتسلط، إذ القائم يمثل الإرادة الإلهية حقا، وغيره من المتسلطين لا يمثلون سوى ذواتهم المتهالكة التي ما تلبث أن تنهار أمام قوة القائمين وثباتهم على الحق وصمودهم في وجه الدسائس والإكراهات وصور التعذيب التي قد تمارس في حقهم… وقد أنجى الله تعالى موسى عليه السلام الذي رفض أشكال الاستعباد والاسترقاق والاستبداد على أمة مصر، فخُلد هذا الإنجاء في صفحات التاريخ ونقش في الكتب المقدسة نقشا لن تمحوه يد النسيان أو الطغيان لأنه نبراس لكل أبي قائد يرفض قوى الإذلال والاستكبار.

فعن عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما – قال: “قدم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – المدينة، فرأى اليهود تصوم عاشوراء، فقال: “ما هذا”؟ قالوا: هذا يوم صالح نجّى الله فيه موسى وبنى إسرائيل من عدوهم، فصامه. فقال -صلى الله عليه وسلم-: “أنا أحق بموسى منكم”، فصامه صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه” 1.

وقصة موسى عليه السلام مع فرعون لم تسق في القرآن عبثا، بل إن اللبيب هو الذي يقتنص العبر والدلالات ليبني حاضره ويغيره كما غيره الأفذاذ الذين تركوا أثرا راسخا في التاريخ، إذ قصة موسى عليه السلام قصة تربوية سياسية تربي الأمة على الإباء والصمود والوقوف على أرضية الحرية السياسية والنضال من أجل مجابهة الاستبداد والاستعباد والقهر الديكتاتوري. لكن الغريب في الأمر أن الأمة التي سيقت لأجلها قصص النهوض ودرء مهاوي السقوط سقطت في علل الغابرين وتسربلت بأثواب الذل نفسها والقهر ذاته والاستبداد السياسي كما كان في العهود التي تحدث عنها القرآن. وكأن الأمة لا تعي ما يقال لأنها استمرأت حياة الذلة والهوان والاستعباد والخنوع للظلمة المستكبرين. والغريب في الأمر أن نجد سدنة المستبدين هم من يمدونهم بنصوص من القرآن ذاته سالخينها من سياقها لتبرير فعالهم واستحكام تسلطهم على الجماهير المستضعفة.

وفي يوم عاشوراء نفسه نجد الفعل ذاته متكررا، فعل الرفض المطلق للتوريث والاستبداد والاستيلاء على السلطة غصبا ونهبا وإذابة لاختيار الأمة لحكامها فضلا عن تغيير النمط الإسلامي المبني على الاختيار إلى نمط الفردانية والأحادية التي سارت عليها الأكاسرة والقياصرة في القرن السادس الميلادي، ولم يتزعم هذا الرفض حقيقة سوى أبي عبد الله الحسين عليه السلام، الذي لم يتوان في محاولة الإطاحة بنظام الاستبداد واستصغار الأمة واستضعافها من قبل يزيد وأغمار بني أمية، بل إن قومته بنيت حقيقة على درء مفسدة الاستخلاف وسنة القهر السياسي المؤسس على إزاحة اختيار الأمة لحاكمها وتنصيب أناس مزيفين غير شرعيين غرباء عنها حكاما. وتلك بدعة لم يرضها كل الشرفاء والفضلاء على مدى عصور، فما بالك بالذين تتوفر فيهم شروط التغيير والصدع بالحق الذي أوشك على التواري وراء أهواء المستبدين الذين قدموا النزغة الأبوية على مصالح الأمة الكبرى كلها.

يقول ابن حجر العسقلاني: (وكان أهل الكوفة لما مات معاوية واستخلف يزيد كاتبوا الحسين بأنهم في طاعته، فخرج الحسين إليهم). خرج إليهم تساوقا مع اختيارهم له، أي إن الأمة حين تختار حاكمها وجب على الغيورين على مصالحها استنقاذ هذا الحق وتنميته ليصبح واقعا في حياتها السياسية، ومن ثم فقد بعث الحسين مسلم بن عقيل ليبايع له الناس لاختياره حاكما، لكن سلطة البطش قتلته ودفعت الناس لخذلان حسين لأنها سبقت بن عقيل نحو الكوفة وأرهبتهم فتأخر القوم عنه رغبة ورهبة كما قال المؤرخون، ليبقى القائم منفردا وحيدا مواجها جيش عبيد الله بن زياد، وصامدا إلى أن توالت عليه سيوف الجبن قاتلة إياه يوم عاشوراء سنة إحدى وستين للهجرة بكربلاء.

وهذا القتل لواحد من أهل البيت قد يترك أسى في النفس لا يزول من الناحية الوجدانية، لكنه من حيث التصور: يوم عظيم وجب على الأمة أن تفرح فيه، لأنه يوم أرجع القيم السياسية الخالدة التي سطرت في عصر الخلافة الراشدة إلى الوجود ثانية متحدية فعل المستكبرين الذين ظنوا أن ترسيخ الاستبداد قد يكون له موطئ قدم عند الأمة وإجماعها. ومن ثم فاللبيب هو من يفرح بفعل موسى عليه السلام والحسين رضي الله عنه. لأن الفعلين كليهما خرجا من مشكاة واحدة وهي عدم الرضى عن الاستيلاء والاستبداد السياسي لتنهض الأمة من كبوتها وتشهد رقيا في كل مجالاتها بذاك الإصلاح السياسي.

ومن ثم فأفضل طريقة للاحتفال بفعل القائمين وتضحياتهم إنما هو الصيام في ذاك اليوم الرهيب كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، بل هي سنته في كل يوم مبارك مؤثر على مسار الإنسانية كيوم الإثنين الذي ولد فيه صلى الله عليه وسلم.


[1] رواه البخاري ومسلم.