“إنهم يريدون محاربة المهاجرين السريين بدل الهجرة السرية، تماما كما يحاربون الفقراء بدل الفقر”..

هكذا علق أحدهم في الفيسبوك على تصريحات بعض المسؤولين في بلدنا المسكين، الذين أفلست وعودهم فرفعوا عقيرتهم بالوعيد تجاه “الهجرة السرية” التي يتصدر فيها المغاربة بعدد 6 ألاف لائحة المهاجرين السريين الذين تمكنوا من عبور البحر المتوسط إلى أرض أحلامهم في الضفة الأخرى والذين بلغ عددهم الإجمالي 22 ألفا سنة 2018.

ما الذي يجعل شبابا في عمر الزهور يفضلون الموت في أحشاء الحيتان في ظلمات البحر على الحياة في بلدهم وبين أهلهم وفي أحضان أحبابهم؟ وأي فرحة هذه التي تنبعث من وجوه الشباب والشابات وهم يستقلون مراكب الموت ويوثقون بالصوت والصورة على مواقع التواصل الاجتماعي مغامرتهم بين الموت والحياة يتغنون مبتهجين كأنهم يزفون إلى عرائسهم في ليلة العمر البهيجة وهم قاب قوسين أو أدنى من المشهد الأخير من مسرحية حياتهم؟

بالنظر إلى ظروف وملابسات وحيثيات رحلة الموت فإن نسبة غير قليلة من المغامرين بأرواحهم لا تصل إلى الضفة الأخرى إلا جثثا هامدة، كما حدث ل15 مغربيا في سواحل ملقا مؤخرا، ولا تعود إلى وطنها، إن كانت محظوظة فلم يلتقمها الحوت أو تتحلل أطرافها في الأعماق، إلا في توابيت تطفئ بعضا من آلام الفراق النكد والحسرة الحارقة لأكباد الوالدين والأهل والأصدقاء.

وكما تفضح الأرقام والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وانتشار الفساد صدقية الدولة في الإرادة المعلنة لحل أزمات البلد، تفضح الأرقام والأحوال والمشاهد الصادمة قدرتها على الحد من تنامي الظاهرة التي أضحت جرحا ينزف بخيرة شبابنا وأطفالنا في كل لحظة، ما يقربه من مصيره المحتوم كأي جسد يُترك للنزيف دون إسعاف. ففي هذه السنة، وبحسب الأرقام الرسمية، تم إحباط أكثر من 54 ألف محاولة للهجرة غير القانونية، وتفكيك 74 شبكة للتهريب والاتجار بالبشر، وحجز ما يزيد على 1900 آلية إبحار…

هجرة أخرى تنخر جوف البلد وتهدم أركان حاضره ومستقبله، ونزيف آخر أشد حدة يجفف الدماء في شرايينه، هو ما أشارت إليه إحدى لجان الجامعة العربية من أن المغرب يعرف ثاني أعلى معدل لهجرة الكفاءات في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، إذ إن أزيد من 200 ألف من ذوي الكفاءات في مختلف التخصصات فضلوا الاستقرار والعمل خارج المغرب. وفي إحصائية لفيدرالية التكنولوجيات الحديثة والاتصال ف8000 من الأطر عالية المهارة في القطاعين العام والخاص تهاجر سنويا إلى الخارج، و25 في المائة من الأطر العاملة في قطاع التكنولوجيا الحديثة قدموا استقالتهم العام الماضي وولوا وجوههم قبل أوروبا بحثا عن مستقبل أفضل.

ظروف عمل صعبة تواجهها الطاقات والأدمغة في البلد، وسوء تقدير لكفاءتها، وغياب أبسط شروط الحياة الكريمة تعليما وصحة، وانعدام أي إرادة سياسية للإصلاح، وغياب أي بصيص أمل في الأفق، في بلد يغرق في أوحال البيروقراطية والمحسوبية والرشوة والفساد… كل ذلك يسبب هذا الجرح الدامي ويفاقم الأزمة المستفحلة.

ويخطئ من يظن أن البحث عن أسباب الرزق والخبز هو الدافع الوحيد للمغامرين المغاربة، أطفالا ونساء وشبابا، إنه مزيج من البحث عن الخبز، والسعي إلى الكرامة، ونشدان الحرية، والتطلع إلى العدل، وتلمس الطريق إلى موطن يعامل الإنسان فيه بما هو إنسان، وطلب بيئة يكافؤ المرء فيها على قدر كده وجهده وكفاءته لا على قدر ما لديه من علاقات… إنه مزيج من كل هذا هو ما يدفع شبابنا إلى الهجرة نحو المجهول، وإلى المغامرة بالمصير والمقامرة بالأرواح.

هذا؛ فمن يتحمل مسؤولية الأرواح التي يزهقها الفقر والحاجة والذل والظلم والفساد؟

أين المشاريع الاقتصادية والاجتماعية التي كانت مجرد أحلام كاذبة في العهد القديم فأصبحت أملا سرعان ما أضحى سرابا خادعا في العهد الجديد؟

وأين النموذج التنموي الموعود المكذوب على شبابنا منذ عقدين من الزمن أهدرا في التطبيل والتزمير لعهد جديد لم يرفع ستاره بعد؟

ومن يتحمل مسؤولية نزيف الأدمغة التي لم تُوَفَّرْ لها الظروف والإمكانيات والبيئة ليكون عطاؤها في مستوى ما كانت تطمح إليه؟

وأخيرا وليس آخرا، كيف ستواجهون، اليوم أو غدا، هذه الأفواج من الشباب؟

ماذا ستقولون لهؤلاء الذين دغدغتم عواطفهم وآمالهم وأحلامهم في مهد العهد الجديد، ثم التففتم على مطالبهم وخذلتموهم وخدعتموهم، ثم زججتم بخيرة منهم في السجون حين اكتشفوا كذبكم في الحسيمة وجرادة وتندرارة وفي كل بقعة من بقاع هذا الوطن؟

أما نحن فنقول مع الشابي رحمه الله:

فــإن قضــى اليـومُ وما قبلـه * ففـي الغـد الحـيِّ صَبـاحُ الحيـاهْ